أهي خطوة للوراء من أجل اثنتين للأمام؟

جواد بولس

Oct 20, 2017

مع انتهاء أعمال «المؤتمر الوطني لدعم القضية العربية الأرثوذكسية»، مساء الأول من أكتوبر الماضي، وإعلان البيان الختامي الصادر عن جميع الفعاليات والجهات والشخصيات الوطنية المشاركة في بيت لحم، بدأت عمليًا المعركة الحاسمة على تحديد معالم وتداعيات المرحلة المابعد المؤتمر.
فجميع القوى المتواطئة والمستفيدة من عمليات تسريب العقارات أطلقت أعنتها مباشرة ورماحها، في محاولات منها لعرقلة تنفيذ مخرجات المؤتمر، وكبح روح «الانتفاضة» الصريحة التي رفرفت في سماء مدينة المهد، وملأت حقول الرعاة وعودًا ندية وتراتيل تنبئ بالعواصف المقبلة لا محالة. 
لقد حاول كثيرون إفشال المؤتمر منذ لحظة الإعلان عنه، ووظفوا في سبيل ذلك قدرات هائلة وفيالق من المتعاونين والمفسدين، وجربوا كل الوسائل في مساعيهم الشيطانية، فالمؤامرة على عقارات الكنيسة الأرثوذكسية النفيسة، تعد في رأيي، من أكبر وأخطر المؤامرات المحاكة بدهاء بارع، وبإعداد معقد وبخبث الخلايا المنشطرة، لاسيما ونحن نعرف أن الضالعين فيها هي جهات سياسية متعددة، وشركات أخطبوطية خاصة، بعضها مدفوع بمحفزات أيديولوجية مخلوطة بمطامع مادية «خنازيرية»، ونعرف كذلك أنهم نجحوا في تجنيد عدد من رؤساء الكنيسة اليونانيين، وفي مقدمتهم  ثيوفيلوس الواقف على رأس الكنيسة، وإلى جانبه أعضاء من مجمعه «المقدس» وتساعدهم مجموعة من المستشارين والقانونيين العرب وغيرهم من المنتفعين.
لقد كانت أصداء الصفقات المتدحرجة من أدراج البطريركية المقدسية أكبر من ضغوط الجهات المتورطة والمستفيدة، وتفاصيل العقارات المسربة المنشورة موجعة ومستفزة، فأدهشت حتى «البوم والغربان» الحائمة في فضاءات البلاد، وأضعفت من حاولوا، خفية أو علنًا، دق الأسافين وإعطاب عجلات قطار الوطن، ويشهد على إخفاق جميعهم، الإجماع الكبير على نص البيان الختامي الذي سيبقى وثيقةً مشرفة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، وشهادة عز وفخر بحق العرب المسيحيين الارثوذكس في فلسطين والاردن.
سيحسب تأكيد المؤتمرين «على عروبة وفلسطينية القضية الأرثوذكسية» من أبلغ العناوين المفصلية، وأهم من جميع التفاصيل اللاحقة، فجميع من حضر أكد على ضرورة «اعتبار الملف الأرثوذكسي وأوقافه ملفًا وطنيًا فلسطينيًا وأردنيًا بامتياز وأعلنوا كذلك أن هذا الملف «هو واحد من الملفات الإستراتيجية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائل العمل الوطني كملف القدس والعودة واللاجئين والأسرى..» لا أوضح ولا أفصح. ومن اللافت في البيان أيضا إشارة المؤتمرين وتأكيدهم على الثوابت الفلسطينية، لاسيما ما جاء في كلمة السيد محمود العالول، نائب رئيس حركة فتح وعضو لجنتها المركزية، الذي نقل بدوره تحيات الرئيس محمود عباس، مؤكدًا على أهمية القضية العربية الأرثوذكسية. 
لوهلة بدا أن الأمر قد قضي وباتت النتيجة محسومة ومواقف الرأي العام متساوقة مع ما جاء في البيان فمن «واقع المسؤولية الوطنية في الحفاظ والدفاع عن حقوق وثوابت شعبنا الوطنية، نرى أن أي شخص، مهما كانت صفته الاعتبارية، يفرط بهذه الحقوق والثوابت هو خارج عن الصف الوطني، ومعادٍ لقضية شعبنا العادلة، وعليه نرى في البطريرك اليوناني ثيوفيلوس، الذي أبرم الصفقات المشبوهة مع الاحتلال، شخصًا غير مرغوب فيه في أراضي السلطة الفلسطينية..»، وقد سبقت هذا الاعلان مطالبة المؤتمرين بضرورة  «كف يد البطريك ومجمعه من خلال سحب الاعتراف به تمهيدًا لعزله ومحاسبته..»، وبناءً عليه قرر المشاركون «عزل البطريك ثيوفيلوس وعدم استقباله، ولا في أي مناسبة واعتباره وحاشيته وكل من يسير في فلكه، خارجًا عن الصف الوطني». 
من بيت لحم طارت كلمة فلسطين الموحدة وباركها الرئيس محمود عباس وجميع  الفصائل الوطنية، وصار متوقعًا ومطلوبًا عدم التعامل والتواصل مع ثيوفيولس ورجاله، لكننا فوجئنا يوم الأحد المنصرم بنشر خبر عن قيام رئيس الوزراء الدكتور رامي الحمدالله باستقباله ووفد مرافق له في مقر رئاسة الوزراء في رام الله. ووفقًا للخبر فلقد «تم بحث سبل تثبيت الوجود الوطني المسيحي في فلسطين، والتحديات التي تواجه أبناء القدس مسيحيين ومسلمين، والتطورات الأخيرة في بعض السياسات الإسرائيلية»، ثم يضيف الخبر «أن رئيس الوزراء نقل تحيات الرئيس محمود عباس ودعمه الكامل  للبطريك وللجهود التي تبذلها البطريكية في الآونة الأخيرة». 
لم يعلن عن هذا اللقاء من قبل ولا عن مسبباته، كما لم نقرأ عن حيثيات ما جرى، باستثناء ما ورد في النبأ الذي نشرته جريدة «الدستور» الأردنية، بطريقة تؤدي، حتى من دون قصد، خدمة ثمينة ودعمًا كبيرًا لثيوفيلوس والوفد المرافق له، وتحمّل تبعات وجبة الدعم هذه على كاهل رئيس الوزراء الفلسطيني ومن حضر اللقاء من أعضاء في اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس. فلن يختلف اثنان على أن عنوان الخبر الصحافي الذي أعلن أن «الحمدالله يلتقي ثيوفيلوس الثالث ويدعم مواقف البطريكرية المقدسية الارثوذكسية» سوغ عملية استغلاله في محاولة لإجهاض توصيات مؤتمر بيت لحم، وايصال رسالة لجميع من تحركوا ضد مسلسل الصفقات المشين مفادها، بأحسن الأحوال، بأن «يحطوا عن بغالهم»، كما قالت العرب. 
قد يكون اللقاء خطوة إلى الخلف من أجل اثنتين إلى الأمام، وكم أتمنى ذلك، ولكن بغياب التفاصيل والخلفيات الكافية والصحيحة سيبقى من حق المتابعين للحدث أن يشعروا بشماتة ثيوفيلوس وبتسجيله «انتصارًا» مقيتًا، في وقت استبشرت فيه الجماهير بقدرتها على التصدي لمخطط الإجهاز الكامل على عقارات الكنيسة وإنقاذ «أم الكنائس» من أخطر المؤامرات التي تحيق بها. 
في الواقع أصدر ديوان رئيس الوزراء رامي الحمدالله بيانًا نشرته وكالة «معًا» يوم الثلاثاء الماضي أكد فيه «على أهمية الوقف الإسلامي والمسيحي في القدس وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة والجهود المبذولة بهدف الحفاظ على الأراضي الوقفية الإسلامية والمسيحية، والوقوف في وجه أي تسريب للأراضي والعقارات من خلال البيع أو التأجير». وقد قرأنا ذلك بوجع فلا نقاش حول صحة الموقف والإعلان، لكن صورة ثيوفيلوس وهو يتصدر الديوان بجانب رئيس الوزراء الفلسطيني وخلفهما علم فلسطين العالي كانت مستفزة لكل حر وعاقل، فهو ورجاله لم يبذلوا ولا يبذلون جهودًا من أجل الحفاظ على العقارات الفلسطينية وإحالة قضية التسريب إلى التعميم، كما جاء في النص، وكأنها تنفذ بأيدي عناصر مجهولة، فيها تبرئة له من ضلوعه في عمليات التفريط كما دمغته الوثائق المنشورة ووصفه بيان بيت لحم. 
وتكفي مشاهدة ابتساماته خلال اللقاء لنعرف كيف خطط هو ومعاونوه لتوظيف الحدث، كمواد تنظفه من أخطر المؤامرات على الوجود العربي المسيحي في فلسطين والقدس تحديدًا. وقد جاء في بيان رئيس الوزراء كذلك أنه «ناقش خلال لقائه وفدًا برئاسة بطريرك الروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث وبحضور وزير القدس عدنان الحسيني ووزيرة السياحة رولا معايعة، واللجنة الرئاسية العليا لشوون القدس ممثلة بحنا عميرة وحنا عيسى وزياد البندك وهاني الحايك، سبل دعم المقدسيين وصمودهم في وجه الممارسات الإسرائيلية».
كنا نتمنى لو أفادنا أعضاء اللجنة الرئاسية ومعدو الخبر كيف يمكن لمن فرط ويفرط بالأملاك الفلسطينية أن «يدعم المقدسيين وصمودهم في وجه الممارسات الاسرائيلية»؟ كيف سيتسنى له ذلك وهو المسؤول الرئيسي عما اسميته «مذبحة العقارات العربية المسيحية في فلسطين» كما أسلفنا وقلنا.
لا أعرف من نصح الدكتور رامي الحمدالله بعقد هذا اللقاء، لكنني على يقين أنها لم تكن نصيحة صادقة وصدوقة، فأنا واثق من مواقف الحمدالله الحازمة أزاء كل قضية وطنية، خاصة إذا تعلقت بالأرض والصمود عليها،لأن تاريخه الشخصي والعائلي والعام يشهد له وعلى مواقفه وأصراره غير المساوم في هذه المسائل. فلذلك ورغم الوجع الذي أصاب الكثيرين، مسيحيين ومسلمين، أقترح أن تمضي لجنة المبادرين في خطواتها وتتابع عملية تعميم وتطبيق المقررات الصادرة عن المؤتمر، وتعلن سريعًا عن تشكيل «لجنة المتابعة» الدائمة المقر إقامتها من 17 عضوًا، كي تجتمع هذه اللجنة بشكل فوري وتسعى بداية لوضع استراتيجيات وبرامج عمل مدروسة ومؤثرة، وفي مقدمتها التوجه بطلب لعقد لقاء مع الرئيس محمود عباس، وبعده مع الرئيس رامي الحمدالله، فأنا على قناعة أنهما سيستمعان بشغف للحقائق ولوجهات النظر الوطنية وسيكونان مستعدين للتعاون مع أصحاب الحق والقضية، ففي النهاية لا خلاف معهما على الرواية ولا نقاش حول تعريف الخيانة والتفريط في هذه المسألة. وبالتوازي مع هذه الخطوات على اللجنة أن تتقدم في الوقت نفسه بطلب للقاء الملك عبدالله بن الحسين، فالأردن كان وما زال صاحب المكانة والرأي والمسؤولية في كل ما يتعلق بالأماكن المقدسة في القدس.  
لقد خبرنا كيف عمل ويعمل ثيوفيلوس وطواقمه خلال السنين الماضية وإلى أي مدى يوغلون في مؤامراتهم، وتوقعنا أن يحاولوا إجهاض ما بشرت به بيت لحم، لكننا نؤمن أن في فلسطين والأردن ستبقى الأمور محكومة في خواتيمها، ونحن، أهل البلاد «من قبل تفتح الحقب»، رفاق الفجر، على يقين أن الغاصب لن يفلت بفعلته فالقدس قد تمهل لكنها أبدًا ما أهملت ولن تهمل! 
كاتب فلسطيني

أهي خطوة للوراء من أجل اثنتين للأمام؟

جواد بولس

- -

1 COMMENT

  1. كتابات الاستاذ جواد بولس عن بيع عقارات الارذوذكس في القدس لا تقل اهمية عن الوطنيين الذين يدافعون عن هذه القضية الوطنية الاكثر اهمية من سواها ، اما ما حدث من اجتماعات لاجهاض ما جاء في البيان فانا اشبه هذا الاجتماع باتفاق داعشي ضد المسيجين في القدس وللتخلص من كل ما هو مسيحي ووطني وفلسطيني .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left