تونس قد تترنح ولكن لن تسقط

د.عبد الحميد صيام

Oct 20, 2017

للمرة الثالثة أزور تونس بعد ثورة الياسمين. هذه المرة عثرت على زهور الياسمين لكن لم أعثر على الثورة. شيء طبيعي ألا يتحدث أحد عن الثورة بعد عودة كثير من الظواهر السلبية التي عاشتها البلاد في ظل الطاغية، والتي أدت إلى انفجار الأوضاع بطريقة عفوية غير منظمة في تونس، وانتقلت عدواها إلى الوطن العربي من مشارقه إلى مغاربه.
كل الذين التقيت معهم من سياسيين وصحافيين ومراقبين واقتصاديين، وحتى من ضيوف تونس من العرب، تحدثوا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد. توزيع اللوم يشمل الجميع من حكومة السبسي إلى مؤامرات الخارج، ومن ضربات الإرهابيين إلى تأثيرات الأزمة الليبية على البلاد، ومن تجريف الأموال إلى غسيلها، ومن تقاعس بعض الدول الشقيقة والصديقة عن دعم الاقتصاد التونسي بهدف تخريبه، إلى انهيار الموسم السياحي بسبب الإرهاب وتعميم إشاعات عن تطرف التونسيين.
* من مظاهر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها تونس، تراجع سعر صرف الدينار إلى درجات مخيفة، بحيث وصل سعر صرف الدولار الأمريكي إلى نحو 2.5 بتراجع يعادل ستة أضعاف عما كان عليه من قبل، خاصة بعد أن قرر البنك المركزي في شهر مايو الماضي رفع قيمة نسبة الفائدة من 4.25% إلى 4.75 % بسبب زيادة سحب العملات الأجنبية. وهو إجراء اتخذه البنك مضطرا لزيادة نسبة الادخار التي انخفضت من 22% قبل الثورة إلى أقل من 11% بعدها.
هذا الانخفاض أدى إلى إلحاق أكبر الأذى بالطبقة الوسطى، التي يؤكد كثيرون ممن تحدثت معهم أنها سحقت تماما ولم يبق في تونس إلا طبقتان، الأغنياء والمعدمون. فالمعلم الذي كان في ما مضى يتقاضى راتبا شهريا بقيمة 700 دينار بقيمة شرائية تعادل 1000 دولار، أصبح يتقاضى اليوم 1500 دينار بقيمة شرائية لا تعادل 600 دولار، علما أن الأسعار شهدت ارتفاعا حادا غير مسبوق.
* ومن مظاهر الأزمة الاقتصادية تباطؤ نسبة النمو الاقتصادي بين عامي 2011 و2015 إلى 1.47% مقارنة مع نسبة النمو في الفترة بين عامي 2008 و2010 التي وصلت إلى 3.6% حسب وثائق اقتصادية رسمية، وضعت بين يدي للتعرف على عمق الأزمة. فقد انخفضت نسبة النمو عام 2015 إلى 1.1% وعام 2016 إلى 1%. وصنف البنك الدولي تونس في أغسطس 2016 بـ»دولة منخفضة الدخل المتوسط «. ويرى التقرير الاقتصادي الذي أشير إليه إلى أن عام 2015 شهد توقفا في إنتاج الفوسفات والنفط والغاز، وانتشار جو من تراجع الحوافز لقطاع الأعمال، الذي أثر على الاستثمار. فقد تراجع الاستثمار من ضخ نسبة 24.6% في مجمل الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 إلى 19.5% عام 2016. والشيء نفسه ينطبق على مساهمة الصناعة في الناتج الإجمالي، التي تراجعت من 32% عام 2010 إلى 28.8 عام 2015. كما تصل نسبة البطالة رسميا إلى نحو 15.6%.
لجأت تونس إلى نظام الاقتراض، فقدم صندوق النقد الدولي لتونس في يونيو 2016 قرضا بقيمة 320 مليون دولار، وقدم البنك الدولي في يونيو 2017 قرضا بقيمة 500 مليون دولار، كما قدم البنك الأفريقي للتنمية عدة قروض ومنح. لقد وصلت نسبة الديون عام 2016 إلى 63% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع نسبة 39.7 عام 2010. وقد جمد صندوق النقد الدولي منح تونس قروضا جديدة، إلا بعد إجراء إصلاحات اقتصادية، مثل إلغاء أكثر من عشرة آلاف وظيفة من القطاع العام وخصخصة عدد من المؤسسات الحكومية من بينها ثلاثة بنوك.
* هناك شبه إجماع على أن الوضع الأمني تحسن كثيرا في تونس رغم هشاشته. فقد تعلم الرئيس القايد السبسي أن استتباب الأمن يجب أن يكون من أولى أولوياته، بعد الحوادث الإرهابية التي أصابت البلاد والقطاع السياحي بشكل خاص بضربات موجعة بعد عملية المتحف الوطني وعملية سوسة عام 2015. فقد أعطى الرئيس صلاحيات أكبر للأجهزة الأمنية، وأعيد تنظيم الجيش وزود بأسلحة حديثة ووضع مهمة حماية الحدود مع ليبيا على قمة أولوياته. كما ارتفع عدد العاملين في الأجهزة الأمنية وانتشرت الحواجز في البلاد، وأغلقت بعض مقرات الأحزاب التي تعمم الفكر التكفيري والمتطرف، خاصة في مدينة القيروان. قد تكون هناك بقايا خلايا المتطرفين في منطقة جبل الشعانبي في ولاية القصرين، إلا أن أعدادهم قد لا تكون ذات قيمة. وقد ألحقت الولايات المتحدة ومعها المملكة المتحدة وبعض الدول الأخرى أكبر الأذى بتونس، عندما أصدرت تحذيرا لرعاياها بعدم السفر إلى تونس. وهو تحذير مبالغ فيه. راجعت بعض التحذيرات لتنحصر في منطقة القصرين فقط. إلا أن اختفاء السياح من تونس في هذه الأيام ظاهرة لافتة للنظر. فمدينة بوسعيد الجميلة والأكثر جاذبية تكاد تكون خاوية من المارة مع ساعات الليل الأولى، خاصة في وسط الأسبوع. أما الفنادق الكبرى فنصف فارغة أو أكثر. ولولا كثرة الليبيين والمؤتمرات العديدة المتعلقة بليبيا أيضا لوجدت هذه الفنادق نفسها في وضع صعب. وحتى في السوق القديمة مقصد السياح المفضل، تكاد لا ترى وجوها أجنبية، وكأن هناك اتفاقا دوليا بين السياح الأوروبيين بالتوجه إلى بلاد أخرى غير تونس.
* البلاد ما زالت محكومة بالتحالف بين حزبي «النداء» و»النهضة». والكثيرون يرون أنه تحالف مصالح لا يدوم. فالعديد من الناس يلومون حالة الفوضى التي أعقبت الثورة على النهضة، التي أصيبت بالغرور بسبب نجاحها في الانتخابات، وظنت أن الأمور أخيرا انتهت إلى أيديهم. في تلك الفترة وقع العديد من الجرائم، خاصة اغتيال شكري بالعيد ومحمد البراهمي 2013. كما انتشر السلفيون الذين يحاولون فرض أجنداتهم متظللين بالنهضة، التي يبدو أنها كانت تشيح بوجهها إلى الاتجاه الآخر عما كان يفعله المتطرفون والسلفيون، حيث أحكموا قبضتهم على معظم مساجد البلاد وبدأوا يبثون رسائلهم الدعوية المتطرفة. انتشرت في تلك الفترة عمليات السطو والاغتصاب والسرقات والمداهمات، حتى أن البلاد كانت وكأنها على أبواب حرب أهلية. بعد الإطاحة بالنهضة عام 2014 وفوز النداء. ويبدو أن الطرفين رأيا أن مصلحتهما التحالف لشد بعضهما بعضا، لكن الكثير هنا يؤكدون أن النهضة تعمل بصمت وبمهارة مستعينة بالمال الوفير، لتستعيد مواقعها في انتخابات 2019. وقد نرى أن هذا التحالف قد لا يعمر طويلا. وقد يخسر الطرفان في الانتخابات المقبلة لحزب آخر.
وللعلم ففي تونس الآن ما يزيد عن 209 أحزاب والحبل على الجرار. وقد أنشأ الرئيس السابق، منصف المرزوقي حزبا جديدا اسمه «حراك تونس الإرادة» ولا نعرف بعد مدى قوة هذه الحزب.
* مشكلة ليبيا وجع دائم لتونس. «لا يمكن لتونس أن تتعافى من محنتها ما دام الاستقرار غائبا عن ليبيا» قالت لي صديقة صحافية مخضرمة. وأضافت أن التهريب يأتي من الحدود الليبية، والمتطرفون يتسللون من ليبيا وغسيل الأموال له علاقة بليبيا والسلاح كان يتدفق من ليبيا وآلاف المواطنين التونسيين فقدوا أعمالهم ومصادر رزقهم في ليبيا، ومن يرتكب هنا جريمة ينطلق باتجاه ليبيا. ليس لنا مشكلة مع حدود الجزائر، التي هي أطول بكثير من الحدود الليبية، فهناك جيش قوي يستطيع حماية حدوده. أما المأساة فتبقى في الجرح النازف في ليبيا. الناس هنا يتابعون الجهود التي يقودها الممثل الدولي غسان سلامة من تونس لتسوية الأوضاع في ليبيا. وقد زرت فندقين للقاء بعض الصحافيين الليبيين المتابعين لجولة المفاوضات حول تعديل البند الثامن في الاتفاق السياسي الليبي، التي انفضت دون حسم. وبانتظار الحل الليبي سيبقى الشعب التونسي يتلقى نذر العاصفة التي تزبد على حدوده الجنوبية.
* أثارت القرارات التي اعتمدها الرئيس السبسي في سبتمبر الماضي حول حق المرأة بالتساوي التام في الميراث والزواج من غير المسلم، جدلا كبيرا وما زالت في الشارع التونسي. فالكثيرون يعتبرون أن هذه القرارات وراءها دوافع سياسية، جاءت في فترة يشعر فيها السبسي أن شعبيته تراجعت كثيرا، وانفض من حوله كثير من الحلفاء الذين تجمعوا تحت مظلة «النداء» للإطاحة بالنهضة. فهو يبحث عن دعم وتأييد من المرأة التونسية أولا، ومن بعض من تبقى من قوى اليسار.
الذي يثر الجدل أكثر صمت حركة النهضة عن هذه القرارات وكأنها لا تعنيهم. وقيل إنهم يثقون في الشارع التونسي الذي لن يطبقها أصلا. وقد يدلون بدلوهم في الموضوع لاحقا، خاصة أن القوى الداعمة للقرارات تتأهب بعد فترة ليست بعيدة بطرح قوانين جديدة تعزز مفاهيم حرية الرأي والدين والمعتقد والتوجه الجنسي. يقول أنصار هذا الطرح إن الدولة المدنية يجب ألا تضم في ثنياها أي نوع من التدخل في خصوصيات الفرد وطريقة إيمانه وخياراته. «فإما أن يكتمل إنجاز الدولة المدنية وإلا سنعود لتقديم التنازلات، من أجل إرضاء الطبقات السياسية بعيدا عن خيارات الناس وتبنيها. فهل ستستقيم الأمور مع هذه التوجهات.
الخلاصة التي يخرج بها الزوار لتونس أن الشعب التونسي ووعيه وثقافته وحبه لبلده مصمم على تجاوز هذه الأوضاع الصعبة، فقدر تونس أن تظل الدولة النموذج للعرب جميعا رغم أنها تبدو وكأنها الآن تترنح لكنها لن تسقط.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

تونس قد تترنح ولكن لن تسقط

د.عبد الحميد صيام

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left