أزمة السياسة ما بين فرنسا والمغرب

بلال التليدي

Oct 20, 2017

قد تبدو المقارنة غريبة، بين نسق سياسي ديمقراطي، ونسق شبه سلطوي، لكن، إذا كانت زاوية المقارنة هو رصد أزمة السياسة في البلدين، فإن عناصر التشابه بين التجربتين تصبح مغرية.
في المغرب، ومنذ أن انطلق المسلسل الديمقراطي، ارتهنت لعبة السياسة بأحزاب إدارية صنعتها السلطة لتواجه بها مكونات الحركة الوطنية والديمقراطية، وكان التكتيك أن تتجدد أحزاب الإدارة بخلق إطارات سياسية جديدة، لإضفاء نوع من الحيوية على لعبة سياسية رتيبة، إذ استمر هذا الوضع خمسة عقود إلى أن ظهر في السياسة متغيران، الأول، يرتبط بالنتائج السياسة والاقتصادية والاجتماعية لهذه اللعبة، وقد كان الحسن الثاني رحمه الله دقيقا حين وصف الحصيلة بعد هذا المسار الطويل والرتيب، بـ«السكتة القلبية» وأما المتغير الثاني، فهو بروز الإسلاميين وإصرارهم على الاندماج في العملية السياسية.
تأخرت السلطة السياسية في المغرب في إنتاج جوابهاعن هذين المتغيرين، فترددت مرتين، الأولى في الاتفاق مع أحزاب الحركة الوطنية الديمقراطية لاعتماد تجربة التناوب بسبب الخلاف مع الملك على وزارة الداخلية، والثانية، في قبول إدماج الإسلاميين، فرفضت الترخيص لحزبهم السياسي في أوائل التسعينيات بسبب تداعيات فوز جبهة الإنقاذ بالجزائر، ولم تقبل بدخولهم للسياسة إلا في جلباب حزب سياسي قائم، وفي حجم متحكم فيه.
مضمون جواب السلطة في أواخر عهد الحسن الثاني رحمه الله، أن تسند الحكومة للحركة الوطنية الديمقراطية، وأن يستعان بمكونات اليسار الحزبي في التعليم والثقافة والإعلام لمحاصرة الإسلاميين.
غير أن هذا الجواب سرعان ما أثبت محدوديته في انتخابات 2002، بعد أن أيقنت السلطة السياسية أن الوزن الانتخابي والسياسي للحركة الوطنية الديمقراطية لم يعد يضمن تحقيق التوازن السياسي أمام الدينامية المتصاعدة للإسلاميين، ولهذا تم التفكير في حزب جديد. فكان حزب الأصالة والمعاصرة مباشرة بعد انتخابات 2007.
في فرنسا، تبدو الصورة تقريبا مشابهة. لقد ظل المشهد السياسي لأكثر من خمسة عقود يتأرجح بين حزبين رئيسيين: الأول يميني محافظ مثقل بالإرث الديغولي، والثاني اشتراكي يستثمر كل مرة الأزمات التي تنتجها السياسات الرأسمالية المنحازة لأرباب العمل، ويتناوب مع اليمين المحافظ على الحكم في فرنسا إلى أن خلق اليمين المتطرف المفاجأة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2002، فحصل حزب جون ماري لوبين على 16.9 في المائة من الأصوات في الدور الأول (4.8 مليون صوت) متجاوزا بذلك مرشح الحزب الاشتراكي ليونيل جوسبان، و( 17.8 في المائة من الأصوات) في الدورالثاني،مكرسا بذلك مركزية الجبهة في قلب المشهد السياسي الفرنسي.
عناصر التشابه تكاد تكون متطابقة زمنيا وموضوعيا، فأزمة النسق السياسي في فرنسا بدأت سنة 2002، وهي السنة نفسها التي بدأ يطرح فيها السؤال عن أزمة أطروحة التوازن السياسي في المغرب بعد تحقيق العدالة والتنمية المغربي لتقدم انتخابي كبير ب 42 مقعدا، ويتعزز التشابه بين التجربتين إذا ما قرئت هذه التحولات في سياق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي دخل لها البلدان.
والغريب أن النكسة التي تعرض لها اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2007 ودفعته لتغيير قيادته، عرف حزب الإسلاميين شيئا شبيها لها، بعد أن قرروا إجراء حوار داخلي على خلفية تقييم المنحى التراجعي الذي يعرفه المغرب بعد انتخابات 2007، واضطر إلى أن يغير قيادته وأطروحته سنة 2008، وهو الشيء نفسه الذي قام به حزب جون ماري لوبين حين راجع ودقق مفردات خطابه وانتخب مارين لوبين كقائدة جديدة له.
تتمة المقارنة، أن الإسلاميين في المغرب مضوا في مسار جد متقدم في الانتخابات الجماعية لسنتي 2009 و2015، وأيضا في الانتخابات التشريعية لسنة 2011 و2016، وهو الأمر نفسه الذي حصل لحزب مارين لوبين، في الانتخابات الأوربية والتشريعية والمحلية والبرلمانية، والمفاجأة أن العدالة والتنمية المغربي كرس نفسه الحزب الأول في المشهد السياسي في انتخابات 2016، كما استدعت فوبيا تصدر حزب مارين لوبين للمشهد السياسي حراكا سياسيا سريعا لإنتاج حزب سياسي جديد يستطيع منع الكارثة بعد التأكد من انهيار أحزاب اليمين المحافظ وأحزاب اليسار، أو ما سمته جريدة «الغارديان» البريطانية في إحدى افتتاحيتها بـ«هزيمة أحزاب ما بعد الحرب العالمية الثانية».
قد تبدو المقارنة متعسفة بين حزب العدالة والتنمية المعتدل، وبين حزب اليمين المتطرف العنصري بفرنسا، لكن وجه المقارنة هنا لا يعني الخطاب أو العرض السياسي للحزبين، بقدر ما يعني أزمة لعبة السياسة في البلدين، أو ما يسميه بعض علماء الاجتماع السياسي بأزمة النخبة السياسية التي دفعت الجمهور إلى البحث عن التغيير لدى التشكيلات السياسية غير التقليدية.
تتمة المقارنة، أن السلطة السياسية في المغرب، لم تعد معنية بالسياسات، ولا بالنماذج التي طالما أثنت على صوابيتها وعناصر قوتها، وإنما صار همها الأكبر منصرفا إلى تغيير النخب السياسية، تماما كما هو الوضع السياسي في فرنسا، إذ يدرك الجميع أن حزب ماكرون الهش كان بمثابة الأكلة السريعة التي أذهبت الجوع والعطش في لحظة من اللحظات التي كان من الممكن أن تحدث فيها الكارثة، وأنه في اللحظات الطبيعية، لا يمكن أن يستمر الوضع دون أن تستعيد الأحزاب الرئيسية دورها، وذلك يتطلب أن توضع أزمة النخبة السياسية على طاولة النقد والتشريح.
النقد القاسي الذي قدمه ملك المغرب للأحزاب السياسية، والذي جاء عقب فشل الرهان على حزب الأصالة والمعاصرة، يظهر إلى أي مدى تعيش أطروحة التوازن السياسي أزمتها ومأزقها، كما يبرز حاجة الدولة إلى تغيير النخب ولو بشكل قسري، لاستعادة جزء من الثقة للمشهد السياسي، وتجنب حرج استثمار الدولة في العملية الانتخابية وخروجها عن قاعدة الحياد.
المثير في المقارنة، أن الوصفات تتكرر، كما النتائج المكرسة لواقع الأزمة تتعمق،وأنه في البلدين معا، بدل البحث عن تأسيس السياسة، بإضفاء المعنى عليها، يتم البحث عن خيارات لمنع المحظور، حتى ولو كان هناك يقين بأن هذه الخيارات ستنتج محظورا أكبر في المدى المتوسط أو البعيد.

٭ كاتب وباحث مغربي

أزمة السياسة ما بين فرنسا والمغرب

بلال التليدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left