عن جائزة نوبل «للبجاحة»… وأين تقف اسرائيل الآن

عماد شقور

Oct 20, 2017

«لاحقا لقراراتها السابقة، فإن الحكومة الإسرائيلية لن تتفاوض مع حكومة فلسطينية تعتمد على حركة حماس وهي تنظيم إرهابي يدعو إلى تدمير إسرائيل ما دام لم تلب الشروط التالية:
ـ قيام حماس بالاعتراف بإسرائيل ونبذ الإرهاب وفقا لشروط الرباعية الدولية.
ـ نزع سلاح حماس.
ـ إعادة الجثمانين والمواطنيْن الحييْن المحتجزٍين في قطاع غزة.
ـ قيام السلطة الفلسطينية ببسط سيطرتها الأمنية الكاملة على قطاع غزة بما في ذلك على المعابر ومنع تهريب الأسلحة إلى هناك.
ـ قيام السلطة الفلسطينية بمواصلة العمل على إحباط البنى التحتية للإرهاب الحمساوي في يهودا والسامرة.
ـ قطع العلاقات القائمة بين حماس وإيران.
ـ تحويل الأموال والمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة فقط عن طريق السلطة الفلسطينية والأجهزة التي أقيمت خصوصا لهذا الغرض».
هكذا نشر رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يوم الثلاثاء الماضي، على صفحته الرسمية، تحت عنوان: «بيان صادر عن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية».
يُفترض بمن يقرأ نص هذا البيان الاعتقاد بثلاثة امور:
اولا: ان هناك مفاوضات بين حكومة اسرائيل وحكومة فلسطين، او ان مثل هذه المفاوضات قيد البدء.
ثانيا: ان الطرف الفلسطيني الذي يفاوض الحكومة الاسرائيلية، هو الحكومة الفلسطينية.
ثالثا: ان الطرف الفلسطيني متلهف للفوز بـ»جائزة التفاوض» مع الحكومة الاسرائيلية، ويخشى عدم الفوز بالجائزة ما لم يلبي شروط/املاءات «المجلس الوزاري (الاسرائيلي) المصغر للشؤون السياسية والأمنية».
هذه الافتراضات الثلاثة خاطئة.
المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية الحقيقية المثمرة، المباشرة وغير المباشرة، عمّرت اقل من عامين فقط: من انعقاد مؤتمر مدريد يوم 30.10.1991، الى توقيع اتفاقية اوسلو في واشنطن، يوم 13.9.1993. تلت ذلك مفاوضات غير مثمرة استمرت حتى نهاية العام الخامس على توقيع اتفاقية اوسلو، أي يوم 12.9.1998، ثم تم تمديد عُمْرها بالأمصال والأدوية التي وفرها الرئيس الامريكي، بيل كلينتون، حتى انعقاد مؤتمر كامب ديفيد (الثاني) يوم 11.7.2000، وانتهى بعد اسبوعين من المفاوضات، الحقيقية، الى فشل تام، باعلان رئيس حكومة اسرائيل، ايهود باراك، عن «ليس هناك شريك». ولحق بكل ذلك، ولغاية يومنا هذا، ما يمكن اعتباره «خلطة» عجيبة ومريبة من مسخ اطلقوا عليه تزويرا اسم «مفاوضات» وهو خليط من مساومات وتنسيق خطوات، وتأمين رحلات «سياحات سياسية» في عواصم ومنتجعات، الحق اضرارا بالشعب الفلسطيني، وقضيته وحقوقه العادلة، ووسم تعبير «مفاوضات لانهاء صراع بين اعداء»، بمعان سيئة وبغيضة، دفعت الشعب الفلسطيني الى الشعور بالاحباط من سماع كلمة «مفاوضات»، والتي وصل الامر باحدهم حد اعتبارها «حياة» بديلة عن الحياة ذاتها.
ثم، ان الطرف الفلسطيني الذي دخل مفاوضات مع حكومة اسرائيل، هو منظمة التحرير الفلسطينية، وليس حكومة فلسطين، او باسمها الرسمي «مجلس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية». وهذا الخلط الاسرائيلي المتعمد بين م.ت.ف. (التي تمثل الفلسطينيين جميعا، في الوطن وفي دول اللجوء والشتات، وباعتراف اسرائيل ذاتها)، والسلطة الوطنية الفلسطينية،(الخاصة بالفلسطينيين في الضفة الغربية، والقدس العربية جزء منها، وفي قطاع غزة)، والحكومة الفلسطينية، (التي تنحصر مسؤوليتها في رعاية وتأمين الخدمات للفلسطينيين في اراضي الدولة الفلسطينية)، لا يمكن أن يكون مجرد خطأ اداري وقع فيه «المجلس الوزاري (الاسرائيلي) المصغر للشؤون السياسية والامنية»، وانما هو تذاكي يكشف مدى الارتباك في حكومة نتنياهو.
نصل اخيرا الى الافتراض الثالث، وهو أن الفلسطينيين متلهفون لاستئناف المفاوضات مع الحكومة الاسرائيلية، وان تلبية اسرائيل لهذه الرغبة الفلسطينية، ليست مجانية، بل لها ثمن هو الانصياع للشروط/الاملاءات الاسرائيلية.
ولا اعتقد هنا ان اسرائيل تجهل ان ما يطالب به الفلسطينيون من حقوق مشروعة، تم عرضه وشرحه بالتفاصيل المملة في «المفاوضات الحقيقية»، ولا فائدة ومنفعة في اعادة تكراره.
الجهة الفلسطينية التي تفاوضت بجدية مع اسرائيل، اعترفت باسرائيل. والجهة الاسرائيلية التي تفاوضت بجدية مع فلسطين، اعترفت بالشعب الفلسطيني وممثله الشرعي الوحيد م.ت.ف. وحقوقه السياسية والوطنية، من خلال رسالة رابين عشية توقيع اتفاقية اوسلو.
يُفترض هذه الايام ان يكون شرط تواصل (وليس مفاوضات) م.ت.ف. مع اسرائيل، هو اعتراف الاحزاب التي تتشكل منها الحكومة الاسرائيلية بوجود الشعب الفلسطيني وبممثله الشرعي الوحيد.
نظرة سريعة الى برامج انتخابات الاحزاب الاسرائيلية السياسية الاساسية التي تتشكل منها الحكومة الاسرائيلية الحالية، واولها حزب الليكود برئاسة نتياهو، وحزب المفدال (الحزب الديني القومي) وحلفائه برئاسة بانيت، وحزب يسرائيل بيتينو (اسرائيل بيتنا) برئاسة افيغدور ليبرمان، تظهر بوضوح انها لا تعترف بوجود الشعب الفلسطيني كشعب، وما يترتب على ذلك من حقوق سياسية وسيادية. ولا تقِلُّ عن ذلك سوءاً مواقف وبرامج الاحزاب الاسرائيلية ذات العناوين الاجتماعية الاقتصادية، مثل حزب كولانو (كُلُّنا) برئاسة موشي كَحَلون، والاحزاب الدينية الحريدية والرثوذكسية، شاس ويهدوت هتوراة.
ان تضع حكومة اسرائيلية بهذه المواصفات، شروطا واملاءات للتفاوض، غير المطلوب اصلا، مع منظمة التحرير الفلسطينية، هو درك اكثر عُمقا من كل ما شهدناه. انه صفة تجعل من حكومة اسرائيل، برئاسة نتنياهو، الاكثر تأهيلا لنيل جائزة «البجاحة». ليت للبجاحة جائزة بين جوائز نوبل، فمرشحنا سيفوز بها بالتأكيد.
ليس مسموحا لفلسطيني وطني ان يسأل، وهو في سياق دراسة وتقييم للتطورات الفلسطينية، الداخلية وغير الداخلية: هل تقبل اسرائيل؟
يسأل الوطني الفلسطيني: كيف اجعل اسرائيل تقبل؟. وان لم يُجدِ ذلك، يصبح السؤال الوطني الفلسطيني: كيف أُغري اسرائيل ان تقبل؟
وان لم يُجدِ ذلك، يتطور السؤال ليصبح: كيف اضغط على اسرائيل ان تقبل؟. وان فشلت كل المحاولات السابقة، يصل الفلسطيني الوطني الى البحث عن جواب لسؤال: كيف أُرغِم اسرائيل ان تقبل؟.
لا ينتهي ما اردت شرحه دون التأكيد من جديد: اعيدوا لكلمة مفاوضات دلالاتها الايجابية. لكن: حسب الميزان الفلسطيني والمصالح الفلسطينية الوطنية والقومية.
يبقى بعد كل ذلك ان يقال ان هناك ارتباكا في اسرائيل. وان الكم الهائل من «تغريدات» نتنياهو العصبية ضد العديد ممن اختارهم هو بنفسه لاشغال مناصب تنفيذية في مفاصل الحكم، من المستشار القانوني للحكومة، ووصولا الى قائد الشرطة الاسرائيلية، وغيرهما؛ اضافة لما بدأ من تواتر مقلق وغير سليم لتصريحات الرئيس الجديد لحزب العمل الاسرائيلي، آفي غباي؛ واصدار رئيس حزب «يش عتيد» (هناك مستقبل)، يائير لبيد؛ والنشاط المتزايد لعدد كبير من الطامحين لشغل مناصب قيادية في اسرائيل؛ اضافة الى ما يبدو في الافق من تحرك امريكي يسعي لترتيب «صفقة» في المنطقة تعطي الفلسطينيين شيئا من حقوقهم، (هو دون ما يمكن القبول به فلسطينيا، واكثر مما تستطيع حكومة نتنياهو العنصرية تحمّله)؛ تشير جميعها الى احتمال اقدام نتنياهو على قلب الطاولة السياسية الداخلية، وحل الحكومة، والدعوة الى انتخابات برلمانية مبكرة، على امل كسب الوقت واطالة فترة تربعه على مقعد رئاسة الحكومة الاسرائيلية.

٭ كاتب فلسطيني

عن جائزة نوبل «للبجاحة»… وأين تقف اسرائيل الآن

عماد شقور

- -

1 COMMENT

  1. مقال جيد جدا. لاسيما التركيز على ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني و ليس السلطة.
    الحقيقة ان تضخيم دور السلطة الفلسطينية على حساب المنظمة هو الخطأ الرئيسي للرئيس عرفات رحمه الله و استمر اكثر و اكبر بعده.
    بداية الاصلاح السياسي الفلسطيني تكون باعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية و تقويتها و استمرارها حتى خروج آخر يهودي محتل و عودة آخر فلسطيني لاجئ

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left