مارتن لوثر: سردية الإصلاح الكبير 

د. نورالدين ثنيو 

Oct 21, 2017

في يوم 31 أكتوبر من هذا الشهر تكون قد مرت خمسمئة سنة على قيام القس الألماني مارتن لوثر بتعليق ما عرف في حينه بـ95 بندا أو أطروحة على باب كنيسة القصر واتنبرغ، دشن بها إصلاحه الكبير، الذي سمي على إثره بالمذهب البروتستانتي، أراد منه صاحبه وأتباعه النفي التاريخي للكنيسة البابوية التي استقرت على الجمود وعانت حالة من التكلس والفساد، الذي بلغ ذروته في ظاهرة “صكوك الغفران”، التي كانت بمثابة المنبه للقس الألماني لكي ينبري لهذا المروق الخطير في حياة الكنيسة والمؤمنين.

إن مرور خمسة قرون على الإصلاح الكبير الذي طال الكنيسة المسيحية وبداية المذهب البروتستانتي هو لحظة عالمية يجب أن يتوقف عندها الجميع، لما لصلتها بحقيقة الدين وقيمته في الزمن المعاصر. فسياق العولمة وإشكالية الدين في العصر الراهن هي التي تدفع الجميع إلى بحث الدين كقيمة وذروة، ليس في حياة البشر فحسب، بل في العلاقات الأممية والحضارية والدولية، أي لا تعني فقط الأفراد بقدر ما تعني المؤسسات، إن على صعيد الوطني أوعلى صعيد الدولي. 

فغني عن البيان أن إشكالية الدين وتداعياته في اللحظة الراهنة يستدعي ضرورة حضور التاريخ، خاصة منه النهضة الأوروبية من أجل اجتراح التفكير في معالجة ظاهرة الإرهاب، العنف والتطرف والغلو والأصولية والتزمت والعنصرية، وكافة المفردات التي لازمت الدين ولم تتنصل منه في لحظة مفارقة للكل الديني، وتحرص شديد الحرص على استقلال المجالات وانفراد الفضاءات وتواصل الدين بمعنى آخر مع الحياة الحديثة والمعاصرة، التي عبّرت عن علوم وتخصصات وحقول ومضامير يمكنها أن تساهم في الشرح والتوضيح وإضفاء المعاني على عالم الأشياء في دنيا الناس.

لعلّ أول دروس تقدمها لنا تجربة الإصلاح الكبير، أن الإصلاح تم على مستوى المؤسسة الكنسية، التي ذهبت إلى ابتزاز أموال المذنبين والمعوزين والمحرومين من أجل التكفير عن ذنوبهم وسيئات أعمالهم، نظير صك يغفر ذنوبهم ويطهرهم من الآثام العالقة بهم. فالمؤسسة هي التي كثفت حالة الفساد الكبير الذي انتاب هيئة علماء الدين الذين جسدوها ولو نوعا من التجسيد، الأمر الذي يدفعنا إلى إعادة التفكير في المسألة الدينية، ليس بتركها خارج المؤسسات والمجالات العامة والأممية، لا بل بالتكفل بها أيضا على صعيد العلاقات الدولية، كعامل من عوامل البحث عن الاستقرار والسلام والعافية. وبتعبير آخر يفيد المعنى ذاته، أن الدين في الزمن الحديث والمعاصر من الأهمية والخطورة أن يبحث كقضية لكل العالم وتصاغ برامجه الإصلاحية وفق نظرية شاملة لكافة الشعوب والأمم على تنوعها الحضاري والديني والثقافي والإثني. فقد أحدثت الحركة الإصلاحية التي قادها القس مارتن لوثر تصدعا في جدار مؤسسة الكنيسة، اضطرها إلى قبول تعدد الحقيقة الدينية بالقدر الذي ينفي عنها الاحتكار الحصري لها. ومن ثم صار بالإمكان أن نقوم على خدمة الله وتعظيم جلالته ليس ككهنوت داخل الدير والمعبد والضيعة، بل بالاضطلاع أيضا بمهام الدنيا في العالم الخارجي، وبالاهتمام بشؤون البشر في حياتهم اليومية، كأفضل سبيل إلى التخفيف من أتعابهم وأعبائهم الحقيقة وليس الوهمية، كما كانت توهم بذلك الكنيسة البابوية، خاصة بعد ما أقدم البابا ليون العاشر على سنّ الإجراء الذي بمقتضاه يمنح صك الغفران لكل مذنب يريد أن يتطهر قبل دخول الجنة الموعودة له، مقابل مقايضة مالية تشفع له بذلك، يساهم فيها في إعادة بناء كنيسة القديس بيير في روما، عاصمة الديانة المسيحية.

الحقيقة، إن نجاح الحداثة الأوروبية يفسر، في الغالب، بعامل الدين كنواة حيوية لازمت التاريخ الحديث في أوروبا ثم أمريكا وسائر العالم بعد ذلك، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي. فقد كان المذهب اللوثري الكالفيني الإنغليكاني وتعاليم زويغلي وارسموس بمثابة الديانة الجديدة التي أخرجت العصر الوسيط الأوروبي من مأزق تاريخي عويص إلى عالم حديث لا يحتكر الدين وحده من أجل تفسير ظواهر أخرى دينية، دنيوية وميتافيزيقية، بل يفسح المجال لسائر العوالم الأخرى من سياسة واقتصاد وفلسفة وعلم وتكنولوجيا وبيئة وفن وأدب ورياضة، من أجل الإدلاء بدلوها أيضا في شؤون الإنسان والطبيعة والأخلاق. 

الأخلاق البروتستانتية على رأي ماكس فيبر هي التي ساعدت الرأسمالية على النمو السريع للعالم، فحيثما ساد الدين البروتستانتي تطور المجتمع وازدهرت الدولة، حتى ساد الاعتقاد أن البروتستانتية هي النعيم الدنيوي. وعليه، فلا يمكن إطلاقا التغاضي عن الدين كدين للإنسان مهما كان، وأن مقولة إن العصر الحديث هو لحظة ما بعد الدين مقولة يحفها خطأً كبيراَ في التصور، ندفع تبعاته وعواقبه اليوم في الحرب العالمية على التطرف والإرهاب.

ساهمت تعاليم مارتن لوثر في فصل المجالات وفتح الفضاء أمام العلمانية، التي كانت تعني في عهده خدمة الله والتقرب إليه من خارج الكنيسة، أي بعيدا عن الكليروس، وإحداث منصب اللائيك الذي لا يختلف إطلاقا في فضله وحوافزه عن منصب رجل الدين داخل المؤسسة الكنسية وتراتبيتها. إن فضل اللائيك العلماني في الدنيا قائم وواضح وأجره في الآخرة أضعاف مضاعفة عن رجل الدين. ومن هنا، يشرح ويوضح النجاح الهائل للنزعة اللوثرية في لقاء ضمير رجل مع ضمير شعب، خاصة عندما راح مارتن لوثر يترجم الإنجيل، أي النصوص الأولى المقدسة، إلى اللهجة الألمانية لغة العامة، التي سرعان ما صارت اللغة الألمانية الحديثة التي بموجبها تأسست الأمة الألمانية الشرط اللازب للدولة القومية الحديثة.

إن الإنجاز العظيم الذي تحقق على يد المصلح الألماني الكبير هو من النوع الذي يندرج في مسار التاريخ الكبير، الجدير بتغيير وتحويل مصائر الأمم والمجتمعات، لأنه قام منذ البداية على رهافة الحدس ولوعة التعلق بالحقيقة وصفاء الروح ونبل الأخلاق وصبر الرجال على مكاره الدهر وصروفه. المبدأ الذي انطلق منه لوثر كرجل دين، عندما انتهت إلى أسماعه ونغّصت على وعيه حادثة صكوك الغفران، هو أن الإيمان وحده يدفع إلى الاعتقاد الراسخ بالعفو والمغفرة من الله. وأن الجلالة والعظمة والهيبة والشموخ العالي والسامي هي الجهة التي يحق أو يجب على المذنب أن يلجأ إليها من أجل الصفح عما ارتكبه، وأن لا شيء يوحي أو يدل على أن البابا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه كائن فان مثله مثل سائر البشر، بينما القدرة على رفع الذنوب من على كاهل المذنبين لا تتأتى إلا لقدرة فائقة من خارج دائرة 

فالتوبة والنصح والتكفير عن الذنب والاعتراف بالإثم والانصياع للطاعة وهي كلها مفردات إلهية تتم حيال الحضرة الإلهية، ولا يجوز للبشر أن يستأثروا بها مهما كان مقامهم حتى لو كان الحبر الأعظم أو الكرسي المقدس أو جلالة الملك، أو صاحب السمو، بل هي تقف على طرف نقيض الإصلاح الكبير الذي جاء به مارتن لوثر، ومفاده فصل الديني عن الدنيوي ، البشري عن الإلهي، المقدس عن الدهري.

*كاتب وباحث جزائري 

- -

1 COMMENT

  1. حضرة الكاتب المحترم : مفهوم الدّين في الغرب المسيحيّ غيره عندنا في المشرق العربيّ الإسلاميّ.فلا نخلط بين المفهومين ؛ فالله القائل : { لكم دينكم ولي دين }(الكافرون 6).لوثرعمل دينًا خاصّا به ولم يعتمد النصرانية الإصلاحية.فHصبحت المسيحية ثلاث شعب : الكاثوليكية والأرثذوكسية والبروتسانتية ( من ضمنها الكالفنية ).هذا التقسيم قاله القرآن نبوءة قبل أنْ يكون حقيقة في أوربا ؛ كما جاء في سورة المرسلات : { انطلقوا إلى ظلّ ذي ثلاث شعب ؛ لا ظليل ولا يغني من اللهب }30/31).مع التقدير.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left