هل تركيا في حرب استقلال ثانية؟

محمد زاهد غول

Oct 21, 2017

لا ينفصل التحليل السياسي لأي حدث عن سياقه السياسي التاريخي أولاً، وما يحيط به من أحداث محلية وإقليمية ودولية ثانياً، فما يجري في العالم الإسلامي ومع دول الشرق الأوسط منذ مئتي عام تقريبا، هو في سياق سياسي وعسكري واحد، تحركه الدوافع الغربية الأوروبية والأمريكية، لإبقاء هذه المنطقة تحت الاستعمار العسكري المباشر، فإذا كانت الكلفة المالية والبشرية كبيرة عليها، جعلت المنطقة تحت الاستعمار السياسي والاقتصادي المباشر، عبر مقار السفارات في العواصم، والمتابعة الحثيثة لوزراء الخارجية الغربيين لتلك الدول.
والمرحلة الأخيرة من الاستعمار إذا عجز الاستعمار السياسي عن فرض وصايته، هي الحيلولة دون تمكين إحدى الدول الإسلامية من الاعتماد السياسي على نفسها، ومنعها من الاكتفاء الاقتصادي الذاتي لشعبها، وأخيراً منعها من التصنيع العسكري والمدني وغيرها، والدولة التي تحاول تجاوز هذه الخطوط الحمر، من وجهة نظر غربية وأمريكية، لا بد من وضعها تحت الاستهداف المباشر من الدول الغربية، ومن أمريكا تحديدا، لكونها قائدة المعسكر الغربي من منتصف القرن العشرين الماضي.
هذه الاستراتيجية معتمدة لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والتقرير العسكري الذي وضع بحدود عام 1984 لبقاء أمريكا حاكمة للعالم طوال القرن الواحد والعشرين دخلت أمريكا على أساسه حروبا وحشية مروعة ومدمرة في العالم الاسلامي، في أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003، ولكن النتائج السلبية كانت كبيرة على الاقتصاد الأمريكي، فجاء الانهيار الاقتصادي عام 2008 دليلا على عجز أمريكا عن تنفيذ استراتيجيتها بالتحكم بالعالم، بدون خسائر باهظة، وقد أدركت خسارتها الكبيرة خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، فابتعدت عن احتلال الدول الأخرى بعد ذلك، عجزا منها عن القيام بذلك، ولكنها بقيت بما تبقى لها من قوة عسكرية هائلة، بالنظر لما تملكه الدول الأخرى تمارس الاستعمار السياسي حيثما تستطيع، سواء بالخداع والحيلة أو باستعمال الجيوش والميليشيات المحلية، لتنفيذ استراتيجتها، مع تقديم الدعم المالي والعسكري لها، بدون ممانعة أن تكون لتلك الجيوش أو المليشيات المحلية أهداف خاصة بها، ولكن بدون أن تتعارض مع الاستراتيجية الأمريكية بالسيطرة على العالم والتحكم به، والأهم منع ظهور قوة محلية أو اقليمية أو دولية تقف في وجه المشاريع الأمريكية.
على هذه الأسس ينبغي تفسير السياسة الأمريكية، بغض النظر عن مظاهر التغطية على الأهداف الحقيقية، وبغض النظر عن أن أمريكا مع دخول عهد الرئيس ترامب دخلت مرحلة مراجعة أخرى لفشل استراتيجيتها السابقة، التي وضعت في أواخر القرن العشرين الماضي لحكم العالم، وبغض النظر عن فشل الخطط التي وضعت لمعالجة ذلك الفشل في عهد بيل كلينتون وباراك أوباما، فإن حظوظ إدارة ترامب ليست أقل حظاً بالفشل، بدليل وجود معارضة قوية لخطة ترامب باخراج امريكا من ازماتها الداخلية والخارجية، فالمبدأ الأساسي لإدارة ترامب هو «أمريكا أولاً»، وهذا يعني انكفاء أمريكا على نفسها، وعودتها إلى الوراء قرنا كاملاً، قبل أن تتدخل بالشؤون الدولية، وهذا ما يعتبر تراجعاً عن استراتيجيتها السابقة، ويعتبر دليل ضعف حقيقي داخل أمريكا. والمبدأ الثاني لخطة ترامب هي أن تدفع الدول الغربية في حلف الناتو أموالا مقابل حماية امريكا لها، أي أن أمريكا في نظر ترامب ستعمل حارسا للدول مقابل أجر، وهذا أدى مباشرة إلى تضعضع في دول الاتحاد الأوروبي، بل إن ترامب لم يخف موقفه المؤيد لانهاء الاتحاد الأوروبي أصلاً، ولكنه قوبل برفض أوروبي كبير، كما أن علاقاتها ببريطانيا في حالة توتر أكثر من السابق، أي أن امريكا في حالة اضطراب سياسي لم تعرفه من قبل.
أمريكا اليوم أمام خيارات صعبة، أحدها يدعو إلى التنازل عن النظام الدولي، الذي حاولت صناعته منفردة لقيادة العالم، ومشاركة الدول الأخرى فيه، أو الانكفاء وعدم التدخل بمناطق النزاعات الدولية الكبرى في الشرق الأوسط وشرق آسيا، على مبدأ أمريكا أولاً، وهو ما أوجد معارضة داخلها، فقسم البحوث التابع للكونغرس الأمريكي أعد تقريرًا بعنوان (دور الولايات المتحدة في العالم) بتاريخ 3 أكتوبر 2017، طالب فيه:» بمواصلة السياسات الخارجية الإمبريالية المستمرة بنجاح منذ سبعين 70 عامًا، رغم أنف البيت الأبيض»، محتجا بأن «سياسة بلدنا الرئيسية تهدف لمنع ظهور قوة مهيمنة في منطقة أوراسيا الممتدة من البرتغال في الغرب إلى اليابان في الشرق، ومن روسيا في الشمال إلى الهند في الجنوب»، منتقدًا بشدة سياسة ترامب «أمريكا أولاً».
في خضم هذا الصراع الدولي على النظام العالمي الجديد تبرز سياسات الدول الإقليمية الكبرى في العالم ومنها تركيا وإيران والهند والبرازيل وغيرها، على أساس أن هذه الدول دول كبرى ولها مقومات الدول الكبرى عالميا، ولكن النظام الدولي القديم حرمها من مقعد في مجلس الأمن، وتعمل أمريكا أكثر من غيرها من دول مجلس الأمن على منع هذه الدول الإقليمية من دخول المنافسة على مكانة الدول الكبرى عالميا.
وبالنظر إلى السياق السياسي التاريخي قبل قرن من الزمان فقد كانت الدولة العثمانية شريكا في السياسة الدولية، بعد أن كانت ولقرون سابقة الدولة الأولى في العالم، وهذا ما جعل استهداف تركيا يدخل درجة الخطر الكبرى في نظر الاستراتيجية الغربية والأمريكية، بالنظر إلى النجاحات السياسية والاقتصادية والعسكرية في السنوات القليلة الماضية، وحيث أن حزب العدالة والتنمية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان هو الذي قاد الشعب التركي إلى هذا النجاح، فإن استهداف أردوغان أصبح عنوان الاستراتيجية الغربية الأوروبية والأمريكية، بهدف وقف تقدم تركيا نحو مكانة الدولة العظمى، وبالأخص أن الدول الغربية عجزت عن حسم معركة الصراع مع أردوغان من خلال استعمال أدواتها داخل المجتمع التركي، سواء باستخدام أحزاب المعارضة التركية السياسية والقانونية في الانتخابات السابقة، أو باستخدام التنظيمات الارهابية التركية والكردية والأرمنية وغيرها.
ولذلك وبعد فشل انقلاب فتح الله جولن المدعوم غربيا وأمريكيا في يوليو 2016 ظهر مصطلح «حرب الاستقلال الثانية» في تركيا، وهو يقصد ما تتعرض له النهضة التركية المعاصرة من عدوان وتشويه على أيدي الدول الغربية مباشرة، أو بأيد من داخل المجتمع التركي، سواء بعلم وتخطيط مسبق باستهداف النهضة التركية المعاصرة، أو من خلال الخداع والتضليل بالشعارات التي يستخدمها وزراء الغرب ضد تركيا، مثل ادعاء تراجع تركيا عن الديمقراطية، أو اتهامها بانتهاك حقوق الإنسان، أو الحديث عن تراجع الحريات الإعلامية أو الاعتقالات الجائرة، وغيرها، فهذه ادعاءات وتهم ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي أدوات غربية وأمريكية لاستهداف تركيا في صراع منع ظهور قوى إقليمية قوية سياسيا واقتصادياً في المنطقة.
ولعل سر القوة في قدرة تركيا على مواجهة هذه الصراع هو وعي الشعب والقيادة التركية على انهم يخوضون هذه المعركة فعلياً، وإن لم تكن التصريحات العلنية تركز عليها إلا نادراً، ومثال ذلك التصريح الأخير للرئيس أردوغان قبل أيام بقوله: «تعيش بلادنا منذ فترة، واحدة من أخطر المراحل التاريخية، من ناحية وجودها وبقائها المستمر على مدى ألف عام في هذه المنطقة، نحن في خضم فترة تاريخية، نخوض فيها حرب استقلال ثانية، هناك محاولات لمحاصرة تركيا من الداخل والخارج»، هذا الكلام جاء من الرئيس أردوغان في أعقاب أزمة التأشيرات مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي افتعلت الأزمة في لحظة تخبط، فالخارجية الأمريكية ادعت في البداية أن قرار وقف التأشيرات جاء بقرار من السفير الأمريكي في أنقرة، وبعد مطالبة الرئيس التركي السفير بمغادرة تركيا ـ إن كان هو صاحب القرار ـ تراجعت الخارجية الأمريكية عن موقفها السابق وقالت إنه جرى بالتنسيق مع الخارجية الأمريكية في واشنطن.
إن أزمة التأشيرات مظهر من مظاهر حرب الاستقلال الثانية التي تواجهها تركيا، ومن قبلها كان الرفض الأمريكي لسماع وجهة النظر التركية في سوريا والعراق والمنطقة أيضاً، بما فيها الطرق الصحيحة لمواجهة التنظيمات الارهابية بغض النظر عن خلفيتها الطائفية أو القومية أو العرقية أو العنصرية، والدول الغربية وأمريكا تعلم علم اليقين أن الرئاسة والحكومة التركية والبرلمان التركي تمارس الديمقراطية بأعلى درجاتها، ولكن بعض الدول الغربية وأمريكا تستخدم الديمقراطية سلاحا مسموما ضد تركيا وغيرها من الدول التي ترفض الهيمنة الغربية والأمريكية على المنطقة، كما استخدمت الدول الأوروبية مبدأ المشروطية لإسقاط الدولة العثمانية، قبل قرن من الزمان، فمبدأ المشروطية البرلماني كان مطلب إصلاح داخل الدولة العثمانية من العثمانيين أنفسهم، فتم استغلاله من قبل الدول الأوروبية لإضعاف الدولة العثمانية وإسقاطها.
إن الشعب التركي بكل مقوماته السياسية والمدنية والحزبية مطالب أن يتنبه إلى أن صراع القيم والحضارات سلاح قوي إذا تم استخدامه لصالح الشعب التركي بصدق وأمانة، أما إذا تم استخدامه واستغلاله من الدول الغربية وامريكا، فإنه سيصبح سلاح تدمير ، بدل أن يكون سلاح بناء وقوة. فالصراع في حرب الاستقلال الثانية ليس مع القيم، وإنما مع الذين يستغلونها لإضعاف تركيا وإسقاط مشروعها النهضوي المعاصر، كما أن الحرب ليست مع أردوغان لشخصه فقط، ولا مع حزب العدالة والتنمية فقط، وإنما لما يمثلانه من نموذج ناجح ـ في المقاييس الغربية ـ في بناء تركيا القوية داخلياً، والعصية على مشاريع الهيمنة الخارجية، وهذا يعني أن معركة الاستقلال الثانية هي مع الشعب التركي كله، بكل أطيافه السياسية والقومية وأحزابه السياسية، في السلطة والمعارضة الوطنية معاً، وهذا يوجب على كل احزاب المعارضة التركية أن تعتبر معركة التأشيرات التي تخوضها الحكومة التركية هي معركتها المباشرة مع من يسعون لفرض إرادتهم وغطرستهم على الحكومة التركية، فلا يقبل منهم الوقوف على الحياد ولا مطالبة الحكومة التركية وامريكا بضبط النفس، فالحكومة الأمريكية في هذه القضية تحاول توفير الأمن والغطاء للمطلوبين للقضاء التركي، من الذين استهدفوا الشعب التركي بالقتل في الانقلاب الأخير من تنظيم فتح الله جولن، فهل يحق لأحد منع القضاء التركي من التحقيق مع أحد المتهمين بجريمة انقلابية؟.
كاتب تركي

هل تركيا في حرب استقلال ثانية؟

محمد زاهد غول

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left