في الفترة الرمادية

د. يحيى مصطفى كامل

Oct 21, 2017

في فترة جنوحٍ عام نحو اليمين وصعودٍ عامٍ للشعبوية، طال بصورةٍ ملحوظة دول العالم الأول الرأسمالية، التي إن لم ينجح كل ممثليها في الوصول إلى سدة الرئاسة، إلا أنه حمل إلى الصدارة نوعياتٍ كترامب، نواجه عالماً مفعماً بعصاب القومية، ممتلئاً بكراهية الآخرين والمغايرين، الذين يسعى أولئك الساسة الشعبويون تحميلهم غضب الرب وكل تكلفة التناقضات والتفاوتات الداخلية على عادة الرأسمالية الدائمة بالقفز إلى الأمام، وتصدير مشاكلها، موجهةً ضحاياها المحليين نحو أعداء مختلقين ووهميين لتظل العجلة تدور وتسحق.
عالم يسوقه الجشع نحو التشظي على متاريس الهوية واللون والعرق والنوع، ناهيك عن الخطر الوجودي الحقيقي والمحدق بتدمير البيئة عبر مخلفات الرأسمالية أو صراعاتها المحتملة.
نحن أيضاً، في منطقتنا المنكوبة، تلك الحلقة الصغيرة التي تعد بحقٍ وبدون أدنى مبالغة مختبراً لتجارب الغرب، سواءً في مجال البحث العلمي كالمبيدات والأدوية، أو نظرياته الاقتصادية والأسلحة، ومزبلةً لمخلفاته بالتبعية، نعيش واقعناً المؤلم الذي يتمثل عنوانه الأهم وحدثه المحوري في هزيمة الثورات وقصورها عن إحداث أي تغييرٍ جوهري في بنى الدول والمجتمعات، ومن ثم انكفاؤها، بالإضافة إلى كوننا نواجه مشكلات الغرب نفسها كمفعولٍ به بامتياز، وجملةً من مشكلاتنا العالقة الخاصة بمنطقتنا من إرهاب الأنظمة والجماعات الدينية المتأسلمة، والإفقار والتهميش والتوسع الصهيوني، ناهيك عن تدافع القوى الإقليمية والعالمية لإعادة توزيع مناطق وجودها ونفوذها بقوة الحضور والسلاح، بتكلفةٍ تصل إلى مئات الآلاف من الضحايا ودمارٍ يستلزم إصلاحه أجيالاً (إن صلُح) وإعادة رسمٍ للخرائط.
ليس من قبيل المبالغة إذن أن العالم بأسره قد استهل مرحلةً رمادية تشبه إلى حدٍ كبير مراحل الثورة المضادة، بانكفاءاتها في أعقاب الثورات المغدورة، ولا أبالغ إذ أزعم أن هزيمة ثورات الأطراف أسهمت في تثبيت النخب والمصالح الاقتصادية الحاكمة حول العالم.
في المراحل الرمادية، تسود حالةٌ من العدمية وتسيطر على الناس قناعةٌ بلا جدوى محاولات التغيير، خاصةً أن المحاولة السابقة، ثورةً كانت أم انتفاضة، لم تؤد إلا لتفاقم المشاكل التي ثار الناس عليها، مع زيادة البطش والملاحقات، فتركن أغلبيتهم إلى تسليمٍ بضرورة بقاء الواقع على حاله، كما لو كان قدراً محتموماً، أو قانوناً فيزيائياً أو مسلمةً حسابية، بينما تنهش الحيرة والتساؤلات والتمزق قطاعاتٍ واسعة جلها من الشباب والناشطين الذين يرفضون أن تمضي أعمارهم على ما كانت عليه حياة أهلهم من البؤس. بطبيعة الحال لسنا استثناءً، بل إننا مثالٌ صارخ على ذلك.
مضيعةٌ للوقت الجدال في أن ثورة 25 يناير لم يتحسب لها أو يستعد لها أي فصيل، ولم يصدقها الناس حين اندلعت، وعلى ذلك فقد تساووا مع مبارك ونظامه في الركض وراء الحدث. للأسف كان النظام بطبيعة تنظيمه الأفضل نسبياً، واحتكاره لأدوات العنف ومنظومته الاستخبارية، ناهيك عن موارده المالية والبشرية هو الأقوى والأطول نفساً، وقد لعب على انعدام نضج البعض وفقدان القيادة أو التنظيم الموازي المستعد للحلول بديلاً، وتناقضات الفصائل والأشخاص ليظل هو في النهاية. ليس ذلك فحسب، بل قد انبعث من هزته في 25 يناير أكثر شراسةً وبطشاً، وقد أفرز رعيلاً ورجلاً يثبت يوماً بعد الآخر تحلله من أي محاذير أو موانع أو تحفظات كانت تلجم مباركاً. خرج بقناعة أن نجاحه في استيعاب الثورة يثبت أن معارضةً حقيقيةً له قادرة على التغيير لم توجد بعد، وهو يعمل وسيعمل على عدم خروجها إلى حيز الواقع، مستنداً إلى بث حالة الإحباط التي ذكرنا وترسيخها.
ما أخشاه وأحذر منه وبت أرى وأقرأ بوادره، هو ذلك التصور الساذج ابن الحلال بأن النظام لديه نية الإصلاح، وكأن نظاماً نجح في قمع ثورة ولم يقدم أي تنازلٍ حقيقي وعشرات الملايين في الشوارع سيقدمها الآن عن طيب خاطر، والثوار موزعون في غياهب زنازين السجون العطنة. ترى بعضاً من الكتاب حسني النية يتناولون بعض القرارات بإيجابية، مادحين الحكومة في تفصيلةٍ هنا وإجراء هناك، ثم ينتقدون كبائر النظام وجرائمه، كأنهم يثبتون له أنهم ناصحون مخلصون، من باب «أنظروا؟ نحن لسنا دائمي النقد كالثوار فاستمعوا لنصائحنا». الموضوعية: تلك الكلمة التي يتشبثون بها كي لا تبدو كتاباتهم متشائمة، وإذ يذكرون الإيجابيات (تلك التي فشلتُ في رؤيتها وقد بحثتُ جاداً) فسوف يقوم حوار مع النظام وسيتنازل ويصلح.
وهم الأوهام تلك هي الإصلاحية.
وحده النظام والسيسي (وبعض التنظيمات الثورية) لا أوهام لديهم، ولا بد من قراءة كل تحركاته في ضوء تأمين النظام وعدم السماح لـ25 يناير أخرى بمفاجأتهم. من ذلك مثلاً العاصمة الإدارية الجديدة التي سينسحبون إليها بأجهزة أمنهم ووحداتهم بعيداً عن الكثافة السكانية للعاصمة القديمة المكتظة المرهقة.
ما العمل إذن؟
في الفترات الرمادية كالتي نمر بها، يتعين علينا أن نبقى يقظين، أن لا تتوه عنا حقيقة الصراع، أن النظام لن يصلح ولن يقدم تنازلاتٍ طوعا. في الفترات الرمادية لا بد أن نعكف على بناء أدواتنا، ليس على الدراسة والتحليل والنقد (بما فيه نقد الذات) فحسب وإنما على تنظيم أنفسنا استعداداً لجولةٍ أخرى آتية.
فالتناقضات ما زالت كما هي كما هي الحال مع القمع والتهميش والإفقار. في الفترات الرمادية لا بد أن نقاوم ذلك الميل للانزلاق إلى العديمة، فأخشى ما أخشاه هو أن تأتي الجولة المقبلة لتجدنا مرةً أخرى غير مستعدين.
كاتب مصري

في الفترة الرمادية

د. يحيى مصطفى كامل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left