تكاليف العزلة

خيري منصور

Oct 21, 2017

ما أعنيه بكلمة تكاليف ليس ما ينصرف إليه الذهن من فواتير وأسعار وسائر مفردات معجم السوق، الذي افترس بوحشية اللغة كلها، ما أعنيه هو ما قاله زهير بن أبي سلمى في مطلع معلقته: سئمت تكاليف الحياة، وقد اختصر بهذه الكلمة كل ما يمكن تخيله من الحراك الإنساني على امتداد عمر الفرد، فالتكاليف شجون وأحلام والام ويأس ورجاء، والشاعر الذي بلغ الثمانين وعرف بالحكمة والزهد والاعتناء بالقصيدة، ناء بتلك الحمولة الباهظة التي تسمى الحياة، وأصبح الموت مطلبا للراحة وربما للعزلة الكاملة.
أما تكاليف العزلة فتبقى في نطاق المجهول بالنسبة لمن لم يعرف العزلة، خصوصا عندما تكون طوعية، وليست قسرية. ورغم أن مصطلح العزلة ومشتقاته اقترن بفلاسفة وكتّاب على امتداد تاريخنا، إلا أن الشائع عن العزلة، اختزلها إلى أضعف دلالاتها، وكأنها تعني الانسحاب أو الاستقالة من الحياة العامة، والحقيقة أن هناك عزلات عديدة تتفاوت في دلالاتها وتأويلاتها تبعا لمن كتبوا عنها أو من هم داخلها.
فالعزلة بالنسبة لكاتب مثل برديائيف ليست هروبا، بل هي عزلة مضاءة، وقد تكون صاخبة أحيانا، ما دامت الذاكرة تعج بأحداث وشخوص، وكذلك الخيال الذي يطلق الممكنات الهاجعة في الأحداث فيعيد إنتاجها، والعزلة بالنسبة لألبير كامو تتجسد في إحدى قصصه التي حملت عنوان «الفنان يعمل» من مجموعة بعنوان «المنفى والملكوت»، حيث لا يجد وقتا ينجز فيه أعماله فيضطر إلى الإقامة في قفص يتدلى من شجرة، وما تخيله البير كامو مارسه بالفعل الشاعر كيمنجز لفترة من الوقت، ثم اكتشف أن الطيور تفسد عليه هدوءه وعزلته. وحين قرر تولستوي التخلي عن ممتلكاته الشاسعة وقصره ليعيش شأن أي فلاح روسي في بيت بسيط أشبه بالكوخ لم يكن يعبر عن نوبة زهد مباغت، بقدر ما اهتدى إلى ذاته، واستبدل الخارج بالداخل، والسطوح بالأعماق
وقد يتعدد الإنسان الذي قرر العزلة داخل عزلته، فيكون ذاته والجميع في آن معا، لأنه يبتعد عن اللوحة كي يراها، ومن يتفلطح أنفه على سطح لوحة لا يرى منها غير بقعة داكنة.
العزلة إذن مسافة، تتيح لمن يبتعد أن يرى أكثر، وهناك سجناء اكتشفوا ذلك رغم أن عزلاتهم قسرية، ومنهم الكاتب الفرنسي ريجيه دوبرييه، الذي كتب يوميات الزنزانة بصورة فائقة التأمل والحساسية، واكتشف أن العزلة داخل زنزانة تتحول إلى مجهر أو مايكروسكوب، بحيث يصبح ما كان ضئيلا وعابرا ومجرد تفصيل جوهرا وقضية، لكن ليس معنى ذلك أن كل الزنازين تتحول إلى بيوت حكمة وتأمل، فالماركيز دوساد قضى سبعة وعشرين عاما في زنزانة، وأدت عزلته السلبية إلى إطلاق الغرائز في أقصى توحشها، بحيث أصبح التلذذ بتعذيب الآخرين يحمل اسم الماركيز.
وغالبا ما تفرض العزلة نفسها على المثقف بالتحديد حين يعم الوباء ويصبح الاتقاء وقاية للحفاظ على ما تبقى من مناعة، ولا أظن أن هناك زمنا كانت العزلة فيه وقاية وخلاصا كهذا الزمن الذي انعطبت فيه البوصلات كلها، وفي مقدمتها البوصلة الأخلاقية، فالبراغماتية أصبحت سمة عصر، وكذلك الذرائعية، أو ما كان يسمى في زمن الإغريق الكلبيّة.
فالمشهد بكل أبعاده، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتربويا، يثير لدى من يقترب منه الفزع وربما القشعريرة، خصوصا بعد أن احتال مهربو الواقع وسماسرة اللحم البشري على القاموس، فأطلقوا أسماء جديدة وشبه محايدة على قتلة وشهود زور وبغايا وقطاع طرق ولصوص دم، رغم أن تغيير اسم المهنة لا يبدل من الأمر شيئا، لكنه يمنحها شرعية اجتماعية، خصوصا عندما يصبح الفساد قاعدة والاستبداد ثقافة سائدة، والنفاق فقها.
تبدأ تكاليف العزلة من إساءة الآخرين فهمها، بحيث يرى من لا يستطيعون العيش خارج نظام القطعنة، أن المعتزل معزولا، ثم تمتد هذه التكاليف إلى إسقاط الأوهام كلها، بدءا من وهم العلاقات اليومية التي تتحكم بها المصلحة والعادة، وليس انتهاء بتأثيث العزلة. وما أعنيه بالتأثيث هو استدعاء المعرفة والذكريات، وإتاحة الفرصة للخيال أن يذهب بعيدا بلا مصدات أو كوابح، ومن ينعزل بإرادته وليس رغما عنه، يجد في داخله من يراقصونه التانغو ويلعبون معه التنس أو حتى كرة القدم، لأنه متعدد في وحدته، فالإنسان الذي يقرر التفاهم مع ذاته، ويخلع الأوهام كرداء ثقيل في مناخ ساخن، يدرك أنه وحيد عندما يكون في الزحام ووسط الضجيج، ثم يتلاشى إحساسه بالوحدة عندما يعود إليه.
ومن تكاليف العزلة أن طريقها ليس معبدا، بل هو موحش ويندر فيه الزاد والرفيق، كما يقول الشاعر و. هـ . أودن، لهذا لا يقوى على العزلة إلا من قرر أن يتسع داخله لملايين البشر. فيكون وحده ومع الجميع في وقت واحد، لكن وجوده مع الآخرين لا يعني أنه فرد في قطيع، يضيع إذا ابتعد عنه، فهو منفي وعائد وله في كل أوان قيامة، لأنه يحيا ولا يعيش، وثمة فارق بين الحياة والعيش وقد عبّر عنه الشاعر ت. س. أليوت بقوله: أين هي الحياة التي أضعناها في العيش؟ فالحياة حرية، أما العيش فهو ضرورة وإشباع غرائز.
وقد تكون تكاليف العزلة أشد من تكاليف الحياة التي تحدث عنها زهير بن أبي سلمى، لكنها أقل من الثمن الباهظ للاستغراق في ضجيج القطيع، أو التحول إلى رقم أعمى وأصم في تعداد ديموغرافي.مل والحساسية، أمل والحساسية واكتشف ان العزلة داأم أأأااا

٭ كاتب أردني

تكاليف العزلة

خيري منصور

- -

6 تعليقات

  1. مقاربة دقيقة لمفهوم العزلة التي اخترناها. للأسباب الموضوعية التي ورد قسم كبير منها في مقال الكاتب المبدع الأستاذ الذي احرص على متابعة كتاباته الجميلة ذات البعد الفلسفي الموضوعي الذي يمس حياتنا وأجمل شي هو الانطلاق من بوابة الأدب للحديث عن الطروحات الفكرية الفلسفية

  2. تحياتي للسّيد خيري منصور: بقدرما تأتي كتاباتك رفيقة للرّوح ؛ تأثرت بها ؛ خشية أنْ تكون مقدّمة للعزلة والاعتزال ؛ بعد ذلك البوح.أطال الله عمرك ببركة الكتابة ؛ ورغم تجاوزك سنّ السبعين فلا تزال من جيل الشباب والحداثة…وكقاريء لي سلطة الحضور ( أرفض ) عزلتك ؛ ياسيدي.نعم أرفضها بعدما لم يبق لنا إلا مضغ الكلمات كي نبقى نتنفس الأوكسجين النقيّ.{ فلا مراثي للنائم الجميل…ولا ظلال ؛ وإلا يكون الخنجروالتيه الذي يسرق البلاد والعباد…ويقطع اليدين لنعود نمارس الكتابة بالقدمين }.ولربما ننكح كالديكة بالهواء.أنا أكتب إذًا أنا موجود بقامة طولها نخلة وعرضها دجلة وعمقها النيل.ملاحظة : ما بين القوسين عناوين مؤلفات شعرية للسيد خيري منصور.أعلم انْ مسك القلم اليوم مساوٍ لمسك جمرة أومسك بندقية أومسك زانية أومسك فرعون.لكن ما بقي لنا نحن من بني عدنان وقحطان ؛ يؤكّد أنّ مسك القلم المعادل لمقاومة ( تكاليف ) الحياة ؛ لأنّ الحياة : كلم والعزلة : رقم.وما عهدتك إلا صاحب كلم في رحلة الحياة من قرية ديرالغصون بفلسطين ( حيث ولدت عند طولكرم ) إلى مقطعم القاهرة حيث درست وإلى جبال عمان حيث تقيم وحتى ( أقلام ) بغداد حيث عشقت.فلا توجد منطقة وسطى ما بين الرقم والكلم إلا النار.والشعب يريد خيري منصور.

  3. اهنالك شئ يستدعي عدم العزله.. فمنذ نشأتي الاولى تقريبا وانا مثلا احب العزلة وان تحدثت بامور ووجهت فلم يكن يوما الا لانني رغبت العزلة مع المخابرات العامه والجيش العربي ومحاولة التطوير لكلا الطرفين بما يحافظ ويعزز حقوق المسجون وعدم التفنن بتعذيبه_ وقد كنت وقتها على قدر ان اشعر بالشخص نفسه المتورط واعلم فعليا كم يستحق من العقوبه فاخفي واضيف للجاني بما اعلمه من اسرار الشخص المسجون فاقوم بحمايته واظهار الحقيقة المجرده الحقيقيه ..
    وبعد ان زرت المخابرات شخصيا لاعطاء بعضا من المتوقع من الوارد ببعض الكتابات حمايه للسلطه الحاكمه وحماية للشعب وكل الشعب من المفاجأت الخطره على الجميع _ تنكر لي ذلك الجميل اللطيف ولست احمله اوزار واخطاء جرئتي وغبائي.. والان اصلا اعلم بانهم يتظاهرون بامتلاكهم كل العلوم وهم اصلا بعيدين عن الصدق وعن الاخلاق الحميده, فلست متشجعه ولست ارغب بالعمل مع اية مجموعات جاهله وغبيه,, فان ما يفعلوه وفعلوه بي سينقلب عليهم تماما ,, وايضا هم قد انفصلوا عن ذواتهم وعن حقائقهم كما فعلوه او سمحوا بمرور التجربه علي ,, لقد فقدوا الرابط بينهم وبين التراب والارض اسفلهم,, الله لا يترك المستكبرين ولا الظالمين الا لاجل يعلمه هو ولا يعلمه اي انسان ,, فالصبر على الظالم والتمتع برد الله لاي مجرمين على مدار ما تبقى من تاريخ يجهلوه.

  4. تحياتي أستاذي خيري منصور: العزلة مفهوم اجتماعي شامل يتعلق بالفرد والمجتمعات. وأحيانا هذا المفهوم نسبي. فهناك قبائل تعيش بعزلة داخل غابات الأمازون والعالم الذي يعيشون به هو عالمهم وبالنسبة لنا هم يعيشون العزلة. ومن أشهر الروايات العالمية مائة عام من العزلة للكاتب غابرائيل غارسيا ماركيز الذي يصور الحراك الاجتماعي لعائلة خلال مائة سنة وكيف بدأت ومن ثم انتهت.
    وهناك حركات دينية تتخذ من العزلة طريقا للعبادة والتأمل مثل الصوفية بالإسلام والبوذية وبعض المذاهب المسيحية.
    فالعزلة لا تعني الخروج عن سياق اجتماعي ، بل لتحقيق هدف أوممارسة عبادات وقناعات أو سلوك اجتماعي يجد له من يبرره.

  5. نحن ، اليوم ، في اقصى درجات العزلة . قل نصف البشرية على الأقل . ابتكرت لنا الحداثة التكنولوجية مسارات لا تحصى للعزلة ، رغم انوفنا وعقولنا.من التلفزيون البيتي ، الخاص ، مرورا بالهاتف الشخصي حتى شبكة العنكبوت الإلكترونية . الكتاب / الأبتكار الرائع ، والذي يصفه بورخس : بأمتدادا للعقل ، كان لقرون أداة تواصل منذ لحظة اقتنائه من المكتبة حتى قراءته والحديث عنه وفيه . اليوم عزلتنا توهم بسراب التواصل .البشرية تسير معزولة عن بعضها في شوارع و انفاق مترو و أسواق ، واجمة تفكر في مقتنياتها الصغيرة ، التافهه غالبا ، مغلوبة على امرها في نظام العمل الأرهابي الذي يجعل من المرء والمرأة أداة في خدمة مجهول .يتصور الكثير من البشر اليوم انهم أحرارا في في قيادتهم للسيارة وصرفهم للمال و ممارستهم للملذات ، لكنهم ، خلف المرايا في عزلة لا تطاق تجعل منهم اشبه بنزلاء مصحة عقلية بشساعة الأرض .
    في العزلة ” شيء من الخوف ” . الأنفصال عن القطيع البشري الماضي الى مسالخ العمل وتنظيف براكين المدن .نعم للعزلة المختارة تكاليفها ولكن للعزلة امتيازاتها أيضا لمن اختارها عن إرادة شوبنهورية ، ليس هروبا بل تزحلقا فذا على مياه المعرفة .الصفاء الذي يذكر بالطفولة الأنسانية ، الالتحام بالطبيعة كمصدر للألهام والتفلسف، تنقية شوائب الآخرين وشوائب الذات . شيء من نبوة خيالية يتحقق في طيات العزلة اللانهائية .العزلة بياض، عليه تفصح الألوان عن نفسها .العزلة المختارة هدف اليائسين عقلا من البشرية وشرائعها الغابية المحلاة بالحقوق الافتراضية .من ذاق الأعماق المظلمة للعزلة صار مثل الخضر الذي نزل في البئر كما تقول الأسطورة . بعض من بروميثوس . هل يستحق عالم اليوم العيش فيه ؟ كل هذه القوانين الزائفة واشارات المرور التي لا تحصى وقائمة الممنوعات وقوائم الأدوية التي جعلت رائحة البشر اشبه برائحة المختبرات ؟ منذ 30 عاما وانا أعيش في عمق الريف، في بيت يحاذي غابة لا عنوان له غير اسم الطاحونة التي كانت هنا يوما في زمن بعيد . لا أرى المدينة الا لماما ، منغمر في تفاصيل الأرض وعبق اثمارها ، بالحيوانات و مودتها . لكن مايفسد عزلتي هو ما افعله الآن .الحداثة الجبرية التي تجعل العالم يدخل بيتي مع كل ومضة ضوء صناعي . ذلك ما يؤلم العقل ويحزنه . استحالة العزلة الكاملة هي العقبة، فرغم كل شيء فالدولة تجعلنا من مواطنيها وعلينا ماعليهم

  6. العزلة ليس بالضرورة الوحدة،،العزلة ألأختيارية نوع من الهروب (يجوز أيضا أن نقول الانسحاب أو الاستقالة كما تفضلتم)، تعجبني مقولة (وحيدا ولكن ليس في وحدة ، alone but not lonely ) وهذا ينطبق على عدد من الناس بحيث أنهم وحيدون ولكن لا يشعرون بالوحدة بل ويجدون راحتهم في وحدتهم،
    ينسحب الناس ويعتزلون لاسباب شتى،،ولا تشبه عزلة الناس بعضهم عزلة بعض، وهناك عزلة أختيارية في ظاهرها قسرية في جوهرها مثل المشاهير عندما يخبوا شعاع النجومية من حولهم وتهملهم الكاميرات فيميلون إلى الأعتزال والاستقالة وقد يتمنعوا وهم الراغبون.
    هناك من يهرب ويعتزل خوفا،،من الحاكم، أو من علاقة ، أو من فضيحة ما كالشرف مثلا،،أو من خزي أمام المجتمع،،وهناك المهزوم أو الفاشل وكل له عزلته التي قد يجبر البعض عليها،،
    المريض نفسيا قد لا يجد راحته إلا باعتزال الناس،،وقد يكون علاج بعضهم في الأختلاط مع الناس ولكنهم قد لا يملكون مقومات الأختلاط،،،وهناك أمراض نفسية تكون العزلة معها هي الحل الوحيد،،،
    لذا العزلة قد توفر للبعض نوع من الحماية والوقاية والامن والسكينة، قد توفر العزلة للبعض الأخر الملجأ الأمن والسلام . وقد تشكل الهروب للبعض من ضغط الواقع.
    وهناك من يهدف إلى التحليق في عالم الحرية وفضاء الخيال الواسع وتحقيق الذات، فيلجأ إلى الاعتزال،،ومن هوؤلاء من يقدس عزلته ويعشق الوحدة،،،وقد يكون رفيقه في عزلته مجرد كتاب
    وهكذا قد تكون العزلة نقطة ضعف للبعض، وقد تكون مصدر قوة للبعض الأخر.
    شكرا أستاذ خيري منصور
    تحية للجميع

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left