غوارديولا… المسمار الأخير في نعش «مهد» كرة القدم!

عادل منصور

Oct 21, 2017

لندن ـ «القدس العربي» : بدأت تتضح نوايا المدرب الكتالوني بيب غوارديولا، قبل أن يُكمل نصف مدة عقده الممتد مع مانشستر سيتي حتى منتصف 2019، بجرائم من النوع المُحرّم كرويا، تجلت في النتائج والانتصارات العريضة، التي وصلت لتسجيل أعلى معدل تهديفي في تاريخ البريميرليغ في مسماه الحديث، بتحقيق الفوز في ثلاث مباريات على التوالي بخمسة أهداف دون رد أو أكثر.
أقل ما يُمكن قوله، أن العروض التي يُقدمها «السيتيزنز» في الآونة الأخيرة، أشبه بالرد العملي على كل من شكك في نجاح الفيلسوف في مغامرته في بلاد الضباب، وهؤلاء أنفسهم الذين رّوجوا لفكرة خروجه من الباب الكبير لقلعة «الاتحاد» مُبكرا، من باب أنه إذا لم يُظهر العصا السحرية منذ ضربة بداية الموسم الجاري، سيُصبح مُهددا بشبح الطرد، ناهيك عن حملة الاستخفاف والتعليقات الساخرة على صفقات السيتي الضخمة، التي تجاوزت الـ200 مليون إسترليني.
«القدس العربي» واكبت الحدث كجُل الوسائل الصحفية بإلقاء الضوء على ما أنفقه المدرب الأربعيني منذ توليه القيادة الفنية للسكاي بلوز خلفا للأوروغواني مانويل بيليغريني صيف 2016، وهذا فقط لربط المفارقة «الخبرية» بالمبالغ التي أنفقها مع السيتي، ووصلت لضعفي ما أنفقه طوال عمله كمدرب مع برشلونة وبايرن ميونيخ معا. وإذا أمعنا النظر في ما فعله بيب، سنجد أنه منطقي وخطوة الإحلال والتبديل وضخ دماء جديدة كان لا بد منها عاجلا وليس آجلاً. نتذكر أنه بمُجرد أن أعلن موقع مانشستر سيتي الرسمي تعيينه في منتصف الموسم، تحدثت الصحف في بريطانيا عن مذبحة نجوم قادمة، سيقوم بها غوارديولا لإنعاش الفريق، الذي تخطى أكثر من 70% من قوامه الرئيسي حاجز الـ30 عاما، مع ذلك اكتفى بضم ستونز ونوليتو وبرافو قبل أن ينضم إليهم غابرييل جيسوس في الشتاء، وفي المقابل سمح بخروج الزائدين عن الحاجة أولهم جو هارت وتبعه سمير نصري وإلياكيم مانغالا ودجيكو، وأبقى على بقية العواجيز، حاكما على نفسه بتدريب أكبر فريق من حيث مُعدل الأعمار في فرق المقدمة في دوريات أوروبا الكبرى.
صحيح خرج من موسمه الأول في إنكلترا خالي الوفاض، بدون أن يحصد أية ألقاب على مدار موسم كامل منذ ظهوره على الساحة كمدرب للبارسا عام 2008، لكنه في الوقت ذاته أصر على اللعب بأسلوب الضغط من الأمام مع الاحتفاظ بالكرة والتمرير القصير من قدم لقدم إلى الأمام مع خلق مساحات في دفاعات الخصوم، بلدغات من مُبدعين كدافيد سيلفا وكيفن دي بروين، وفي نهاية الموسم عبر الشاب الألماني ليروي ساني عن نفسه، كلاعب واعد لديه ما يُقدمه للفريق في المستقبل كلما اكتسب ثقة وازداد ثقلاً في المربع الأخير بالذات. بوجه عام، حصيلة ما قدمه السيتي مع غوارديولا في موسمه الأول، أظهر أن الأمور تبدو جيدة جدا في الشق الهجومي، لكن الكارثة الحقيقية  كانت تكمن في مركز حراسة المرمى، في وجود كلاديو برافو، وبدرجة أقل الأظهرة، بُحكم تقدمهم في السن، والإشارة إلى المجموعة التي يتخطى مجموع أعمارها 150 عاما بكاري سانيا وغايل كليشي وبابلو زباليتا وألكسندر كولاروف وخيسوس نافاس وبقية من خرجوا من مشروع الموسم الثاني.
كان واضحا أن طريقة غوارديولا أو ما يُعرف «أسلوب التيكي تاكا»، لا يُمكن تطبيقه بشكل مثالي على أرض الواقع بأظهر في خريف العمر، وحارس أثبت أنه غير قادر على تحمل المسؤولية، ودفاع يُعاني الأمرين مع الهجمات المعاكسة والكرات الثابتة، لكنه استفاد من خبرة القدامى، ويبدو أنه أصاب الهدف بقرار تأجيل مذبحة النجوم، على الأقل لمساعدته على جمع أكبر معلومات من خلال خبرتهم الكبيرة مع الفريق على مدار السنوات الماضية. ودفع الثمن بحملة انتقادات حادة بعد موسمه الأول غير المُقنع، حتى أن البعض شكك في إمكانية استمراره على نهجه المعروف عنه، والبعض الآخر بإعادة النظر حول أفكاره أو بإتباع موضة «3-5-2» ومشتقاتها التي أعاد كونتي استحداثها في إنكلترا، والغريب أنه بدأ الموسم بالفعل مُعتمدا على ثلاثة في قلق الدفاع: كومباني وستونز وأوتامندي، لكن بعد إصابة القائد، عاد مرة أخرى للعب بأربعة في الخط الخلفي، ومعها عاد لطريقته وأسلوبه، إلى أن ظهر الاختلاف الكبير بين أداء السيتي بعد انخفاض مُعدل أعمار اللاعبين وبين الأداء في الموسم الأخير للجيل الذي دّشن عصر النادي الذهبي، ويُحسب لغوارديولا نجاحه في دمج اللاعبين الجُدد والقدامى في وقت قياسي، بدليل ما يُقدمه بيرناردو سيلفا وكايل ووكر وإيدرسون وأيضا ميندي قبل إصابته السيئة، حتى ديلف الذي كافح مع الإصابات الموسم الماضي، أعاد اكتشاف نفسه مع بيب في مركز الظهير الأيسر.
الشاهد الآن، أن بصمة غوارديولا وإستراتيجيته بدأت تحكم في ملاعب بلاد مهد كرة القدم، وهذا ليس استكمالاً لمسلسل تفوق المدربين الأجانب على المدربين المحليين، بل ربما تدّشن لمدرسة أو فلسفة جديدة يسير على نهجها الكثير من الأندية البريطانية في المرحلة المقبلة، كما يتوقع صديقه ومساعده السابق راؤول كانيدا، الذي يُراهن على تأثر العقلية الإنكليزية بغوارديولا، وليس العكس، حتى من قبل انتشار الأنباء الأخيرة التي تتحدث عن اقتراب لم شملهما مع السيتي في المرحلة المقبلة. مدرب الاتحاد والنصر السعودي السابق، يعتقد أن تأثير بيب على الإنكليز سيُحاكي تأثير أستاذه الراحل يوهان كرويف مع برشلونة والكرة الإسبانية، بوضع حجر أساس مشروع شكل برشلونة الجديد، الذي وصل لذروة نجاحه مع غوارديولا في فترته كمدرب، والمُدهش أن قرينه في بلاد البيتزا ماوريتسيو ساري، أيد وجهة النظر هذه بكلماته التاريخية التي قالها بعد هزيمته في ملعب «الاتحاد» مساء الثلاثاء بنتيجة 2-1 في دوري الأبطال. المُدخن الشره، استعان بنموذج إيطالي ترك بصمة قريبة من بصمة كرويف في «كامب نو»، وقال بالنص: «كما قالوا قبل 25 عاما أو أكثر أن ساكي غير كرة القدم، سيقولون في المستقبل أن غوارديولا غيّر مفاهيم كرة القدم الحديثة»، وإن فعلها وخرج بأكثر من لقب في نهاية الموسم، منها البريميرليغ مع وصوله لأبعد مكان في دوري الأبطال، ستكون بصمة جديدة أو ما يجوز وصفه بـ»انتصار جديد» لأفكاره وقناعاته التي تُميزه عن كل المدربين بدون استثناء، والانتصار بالطبع سيكون على كل من يُشكك في قدراته كمدرب يُفكر في كرة القدم غير أي شخص آخر في العالم، كما يُقر كل من اقترب منه أو يعرفه.
وسواء تأثرت الكرة الإنكليزية بأساليب بيب في المستقبل أو ظلت على وضعها الحالي، فهذا في حد ذاته يُنذر بكارثة تحوم في الأفق، بغياب أو بدون كثير من المبالغة «اختفاء» المدرب المحلي من حلبة مدربي أندية الدوري الأغلى والأكثر ربحا في العالم، فبعدما كان عدد المدربين الأجانب لا يتجاوز 4 أو 5 مدربين حتى منتصف العقد الماضي، انقلبت الوضع 180 درجة، بتقلص عدد أصحاب الجنسية المحلية لخمسة فقط حتى الجولة الثامنة لهذا الموسم، وأصبحوا الآن أربعة بعد إقالة كريغ شكسبير من تدريب ليستر. لا ننسى أن بقاء وضع سوق المدربين على  وضعه الحالي في إنكلترا، يقع ضرره الأكبر على أقرانهم المحليين، الذين انتهت علاقتهم بالستة الكبار. بالنسبة لآرسنال، لم يعتمد على مدرب إنكليزي منذ أواخر الثمانينات، ونفس الأمر لمانشستر يونايتد، وتشلسي لا يُفكر إلا في أحد النخبة الأجانب، كما هي السياسة المُتبعة من مانشستر سيتي، وتأكيدا على أن الوقت الحالي هو وقت المدربين الأجانب، ألق نظرة على جدول الدوري الموسم الماضي… لن تجد مدرب إنكليزي ضمن العشرة الأوائل!
 قد لا يفوز غوارديولا بالدوري هذا الموسم أو الموسم المقبل ويرحل بدون أن يفوز ببطولة كبيرة، لكن الجوائز ستبقى حكرا على مدربي فرق المُقدمة، وهذه الأمر يبدو أنه سيستمر لسنوات ليست قليلة كما هو واضح، وسيكون استكمالاً لمعاناة المدربين الإنكليز مع لقب الدوري، الذي لم يفز به أي مدرب محلي منذ 25 عاما، عندما قاد هاورد ويلكنسون ليدز للفوز بآخر موسم للمسابقة في المُسمى القديم.
الشاهد الآن . إن المدرسة الإنكليزية التي وصلت للذروة في السبعينات والثمانينات بالهيمنة على البطولات المحلية والأوروبية مع أندية مثل ليفربول وأستون فيلا ونوتنغهام فورست، بفضل مدربين من نوعية برايان كلاف، بالكاد فقدت كل هيبتها، خصوصا بعد التجارب التي تجاوزت كلمة «الفشل»، التي خاضها الأخوان نيفيل وآدمز مؤخرا  في الليغا الاسبانية. لذا سيكون فوز بيب بالدوري هذا الموسم، المسمار الأخير في نعش أكذوبة المدرسة التي علمت العالم كرة القدم، واكتفت بهذا القدر في آخر 25 عاما ولم تُفرز ولو بطلاً واحدا طوال هذه الفترة، التي شهدت فوز فيرغسون باللقب 13 مرة، وفينغر 3 ومورينيو 3 و4 ألقاب بصبغة إيطالية (أنشيلوتي ومانشيتي ورانييري وكونتي) ولقب لدالغليش مع بلاكبيرن منتصف التسعينات، والسؤال الآن: هل يوجد مدرب إنكليزي على الساحة قادر على فك هذا النحس؟ لا أعتقد ذلك… وإن حدث فلن نراه في وقت تجمع أباطرة المدربين في العالم في آن واحد في البريميرليغ، إلا لو تكررت معجزة رانييري مع مدرب وطني.

غوارديولا… المسمار الأخير في نعش «مهد» كرة القدم!

عادل منصور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left