«سوق الملح» بوابة المدينة العتيقة ونبض تاريخها

الحرب في اليمن تهدد المعالم التقليدية بالتراجع والاندثار

أحمد الأغبري:

Oct 21, 2017

صنعاء ـ «القدس العربي» : هنا في «سوق الملح» (الأسواق التقليدية في صنعاء القديمة)، وعلى الرغم من ملامح الحرب الواضحة في الحركة القليلة والبطيئة وكساد البيع، إلا أنك ما أن تتجاوز «سمسرة النحّاس» وتنساب في شوارع هذا السوق ستجد في استقبالك روائح البخور ونكهة البن اليمني الأصيل. هنا لايزال سحر المكان بمعالم تاريخه الحضاري يُضيء الصورة، وإن غيّبت الحرب بعض تفاصيلها، كإيقاعات طرقات الحرفيين المتناغمة مع أصوات الباعة وتزاحم المارة على تموجات الشوارع الضيقة، هنا – وعلى الرغم من وجع الحرب – مازالت تستقبلك صنعاء كامرأة كانت قصيدة ثم صارت مدينة.
يمكن اعتبار الأسواق التقليدية لهذه المدينة العتيقة بوابتها الحقيقية، فمن سوق الملح وإليها تبدأ وتنتهي معظم شوارع المدينة، بل من هذه الأسواق بحوانيتها ذات الطابق الواحد والأبواب الصغيرة تتضح لك كل معالم المدينة وملامحها، بدءاً من معمارها الذي يمثل موسوعة فنية بتكويناته وهندسته وتشكيلاته وزخارفه، بل كأنك تشعر بعيون المدينة تتزاحم لرؤيتك وتحيتك من على قمريات نوافذها، و»القمرية» هي تسمية يمنيّة للأشكال نصف الدائرية الملونة التي تتوج نوافذ البيوت هنا. وتعود التسمية إلى خصوصية القمرية المتمثلة في السماح بنفاذ ضوء الشمس خلالها كضوء القمر إلى الداخل. بمعنى آخر، فإن الزائر يعايش في وسط المدينة القديمة وثيقة حية لذاكرة المكان، تمكّنه من قراءة ما بين سطور سِفر جمال حضارتها، ونتيجة لهذا بقيت إلى ما قبل الحرب والحصار الراهن، هي المقصد السياحي الأهم لكل القادمين إلى صنعاء وإلى اليمن عموماً، فجمالها لا ينفك يأخذك وأنت تتجول بين حوانيتها إلى الماضي بروحه العربية الأصيلة.
وتعتبر صنعاء القديمة أقدم المُدن التاريخية المأهولة بالسكان على مستوى العالم. وعلى الرغم من الاختلاف في تحديد تأريخها، إلا أن العديد من المصادر يعود بتاريخ المدينة إلى ما قبل ألفي عام، وبعضهم يعود بها إلى سام بن نوح، ولهذا يُطلق عليها اسم مدينة سام، بالإضافة إلى أسماء أخرى عديدة.
الطريق من باب اليمن (أحد أهم أبواب سور المدينة) يؤدي بالزائر مباشرة إلى قلب المدينة وسوقها (سوق الملح)، ذلك السوق الذي يشبه، في خصوصيته ومكانته، سوق الحميدية في دمشق وخان الخليلي في القاهرة، إلا أنه يتميز بكونه سوقا متكاملا ينقسم إلى أسواق متخصصة، كان عددها كبيرا قديماً، كما كان (سوق صنعاء) في التاريخ الغابر من أشهر أسواق العرب. وتراجع عدد الأسواق في سوق الملح في الوقت الراهن إلى ثلاثين ونيف، منها: سوق الزبيب، سوق البقر، سوق الحبوب، سوق البز (الأقمشة)، سوق اللقمة (الخبز)، سوق المدايع (النارجيلة)، سوق الجنابي (الخناجر اليمنية التقليدية) الخ. ولخصوصية هذه الأسواق ظلت علاقة اليمنيين بها متأصلة ومستمرة حتى يومنا هذا، وهي خصوصية منبتها خصوصية المدينة من حيث كونها «حوت كل فن» حسب قول مأثور يشير إلى أن الفن كان ومازال حاضراً هنا من خلال تقاليد ثقافية تُسند كل شيء.
ولهذا ما أن تسأل أي زائر لسوق الملح عما يميز هذا السوق عن بقية أسواق المدينة الحديثة والقديمة ستسمع إجابة تكاد تكون جاهزة لدى الجميع: «كل شيء، هنا، ثاني» (كلمة ثاني باللهجة اليمنية تعنى مختلف تماماً). ومن أجل هذا تجد كثيرين يقطعون عشرات الكيلومترات من أطراف صنعاء الحديثة ليأتوا إلى هنا لا لشيء سوى احتساء كوب قهوة أو تناول طعام «الفحسة» (أكلة يمنية شعبية) أو شراء قطعة قماش أو أداة فلاحة أو مداعة (نارجيلة) أو حزام أو غير ذلك مما يتميز به سوق الملح في هذه المدينة ذائعة الصيت بحرفها اليدوية، ومنها جاءت تسمية صنعاء (من جودة الصنعة وفق بعض المراجع). وتواجه الحرف اليدوية في هذه المدينة منذ قبل الحرب الدائرة تحديات كثيرة، كان أبرزها الحضور الطاغي للمستورد بأسعار أرخص، إلا أن منتجات الحرف التقليدية بقيت حاضرة في مواجهة المستورد، على الرغم من التراجع الذي شهدته. لكن الحرب الراهنة في البلاد شكلت تحدياً أكبر، من خلال تراجع القدرة الشرائية للناس لمستويات لم تشهدها البلاد قبلا، وبالتالي تراجع الطلب وتراجع الإنتاج، وهو ما قد يهدد هذه الحرف بالتراجع حد الاختفاء والاندثار، وهو تهديد يوازي ـ وفق مصادر – تهديد الخراب والدمار الذي ألحقته طائرات التحالف في بعض مباني المدينة، بالإضافة إلى تهديد إهمال سلطة الأمر الواقع لجهود صيانة المباني، وعدم تفعيل إجراءات الحفاظ والرقابة على المخالفات.
يتحدث فؤاد السنباني، وهو أحد الباعة في سوق الجنابي (الخنجر اليمني) عن تراجع مبيعاته بنسبة كبيرة بسبب الحرب، ونتيجة لهذا تراجعت كثيراً دخول الحرفيين. يوضح: يعتمد إنجاز حزام الجنبية على أكثر من حرفي بدءاً من الظِفارة إلى الخياطة والتطريز وغيرها، وكل هؤلاء – الآن – تراجعت دخولهم وربما فقدوا أعمالهم. كنت قبل الحرب أبيع في اليوم من عشرة إلى عشرين حزاماً، بينما صرتُ لا أبيع سوى حزام واحد أو حزامين في اليوم.
وعلى الرغم من الحرب التي أنهكت البلاد وأصابت العباد في معيشتهم وأمنهم، وتسببت ببعض الدمار والخراب مهددة تراث هذه المدينة، إلا أن نبض التاريخ، هنا، مازال مسموعاً: الناس بهيئاتهم التقليدية، والمعمار بتفصيلاته، والشوارع بأحجارها المرصوفة التي ملستها أحذية المارة، والأسواق بحرفها، والحوانيت المتراصة، المتقاربة، المتقابلة.
إن بقاء وضع المدينة كما هو عليه يضاعف من المخاطر التي تتهددها، وهي المخاطر التي دفعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافةّ «يونسكو» لإنزالها من قائمة المدن التاريخية الآمنة إلى قائمة المدن المُهددة بالخطر ضمن قائمة التراث العالمي.
يجلس هلال الروضي في واجهة دكانه في سوق الحدادة محدقا في عيون المارة على أمل انعطاف مارٍ نحو حانوته في ظل ما باتت عليه أسواق المدينة من كساد… يقول هلال إن مبيعاته تراجعت إلى أقل من 20 في المئة عما كانت عليه قبل الحرب تقريباً، بسبب تأثر الفلاحة بالحرب وعجز المزارعين عن شراء مستلزمات فلاحة جديدة.
إلى ذلك ستقف مستغربا خلال زيارة «سمسرة- خان- النحّاس»، وهي أشهر مراكز الحرفيين في المدينة، فالساعة تتجاوز، الآن، التاسعة صباحاً وجميع دكاكينها مازالت مغلقة باستثناء دكانين، بينما كانت تفتح أبوابها مع شروق الشمس قبل الحرب، وهو ما يؤشر إلى مدى تأثر الأسواق الحرفية والتقليدية عموماً داخل هذه المدينة بالنزاع الدائر.
«إن استمرار الحرب سيرتفع بتأثير هذه المهددات على الحرف اليدوية لمستوى أن يندثر الكثير منها، بل قد لا يبقى منها سوى تقاليد باهتة لن تعيش طويلاً» يقول المدير السابق للمركز الوطني للحرف اليدوية في صنعاء محمد راشد، موضحاً  لـ»القدس العربي» الآثار الجسيمة للحرب على الحرف اليدوية، باعتبارها لم تقتصر على بطالة الحرفيين، بل تمتد لتوقف كل الأنشطة التأهيلية والتنشيطية والتشجيعية للحرفيين، والتوثيقية للحرف، بما فيها المعارض والمشاركات الداخلية والخارجية، وهو واقع ـ كما يقول – يهدد هذا التراث في عموم البلاد وليس في صنعاء وحدها، معتبراً «إيقاف الحرب هو الحل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من هذا البلد».
يلتهب اليمن بصراع عسكري منذ ثلاث سنوات نتج عنه قتل آلاف المدنيين بالإضافة إلى تدمير نسبة كبيرة من إمكانات قطاعات الخدمات والإنتاج والعمل، وارتفاع مهول في مؤشرات الفقر والعوز والمرض ما ضاعف من مأساوية حال هذا البلد الأفقر في الشرق الأوسط.

 

الحرب في اليمن تهدد المعالم التقليدية بالتراجع والاندثار «سوق الملح» بوابة المدينة العتيقة ونبض تاريخها

أحمد الأغبري:

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left