لؤي حمزة عباس في «النوم إلى جوار الكتب»: الإبحار بعيداً في محاولة لفهم علاقة الأدب والعالم

صفاء ذياب

Oct 21, 2017

على الرغم من اهتماماته المتعددة في الكتابة السردية والبحث الأكاديمي، إلا أن هناك سؤالين يدوران في ذهن الدكتور لؤي حمزة عباس دائماً، هما: لماذا نكتب؟ وما جدوى كتاباتنا وسط الخراب الذي نعيشه؟
السؤالان طرحهما في أكثر من مكان من كتبه السابقة، وربما كتابه «الكتابة.. إنقاذ اللغة من الغرق» كان بادرة مهمة في طرح الأسئلة والبحث عن أجوبة من خلال الأسئلة ذاتها، ومحاولته الدؤوبة في تقديم ما يمكن أن يفسّر ما يفكّر به. غير أنه في كتابه الجديد «النوم إلى جوار الكتب» يذهب بعيداً في عمق غابة الكتب نفسها، يدور في فلك فنون متعددة، منها ما هو سردي، وما هو شعري، وفي التشكيل والفوتوغراف، وغير ذلك الكثير من الفنون الإبداعية.
وعلى الرغم من العنوان الغريب الذي يفتتح به غلاف كتابه، وهو يحدده في الكتب، إلا أن عبّاس يعدّ كل ما له علاقة بالإبداع كتاباً، فالموسيقى تصبح كتاباً حينما نفكّر في متعتها وجدواها معاً، واللوحة كتاب من نوع آخر، وهكذا حتى يصل إلى فن القول الشفاهي الذي هو بدوره أيضاً كتاب يضاف إلى مكتباتنا ورفوفها.
يشير عبّاس في مقدمة كتابه إلى أنه ليست سيرة الكاتب، على ما يظن، سوى رحلته مع الكتب… فقبل الكتابة وبعدها يحضر كتاب وحيد في حياة الكاتب مثل نجم في ليل الرغبة، كتاب واسع ينادي الكاتب في كلِّ وقت، صفحاته تبدأ ولا تنتهي، لا يبحث في العادة في موضوع واحد ولا يحمل اسم مؤلف بعينه، مثل هذا الكتاب يكون تمثيلاً لكل الكتب، مثلما تكون الكتب كلها تمثيلاً لكتاب الحياة على النحو الذي شاء له مؤلفه أن يكون. لو كان له، بالمقابل، أن يختار كاتباً واحداً لتمثيل جميع الكتّاب على مرّ العصور لما تردد في اختيار أبي عثمان عمر بن بحر الجاحظ الذي لم ينشد، بتصوره، حضوراً شخصياً عبر أي كتاب ألّفه مهما علت قيمته أو ندر موضوعه، على العكس من ذلك كان يسعى مع كلِّ كتاب يكتبه لتأكيد رغبته بالاختفاء، وإذا كان الكُتّاب جميعاً يكتبون طمعاً في الخلود وملاحقة أوهامه كما تتراءى لهم من كتاب لكتاب، فإن الجاحظ لم يكتب إلا من أجل أن يُنسى ويغيب.
مضيفاً: يقوده مثل هذا التصوّر لفكرة أن الرجل لم يكن أبا عثمان عمر بن بحر، الجاحظَ، البصري، المنقرسَ المفلوجَ، الذي قتلته الكتب من بين سائر المؤلفين في أخبار مصائر الكتّاب، حقيقةً لا مجازاً، إنما هو المؤلف خفي الذكر الذي لا نؤكد إلا نسيانه كلِّ مرّة نتحدّث عنه أو نعيد النظر في مؤلفاته العظيمة. هو الكاتب الفريد بين نخبة نادرة من الكتّاب على امتداد تاريخ التأليف قدّر لهم رؤية أهدافهم بوضوح وعملوا على تحقيقها بدقة لا تُجارى. لم يكن ثمة جاحظ معروف، إنما هو العبقري الذي كتب ليُنسى وقد لبس الجاحظَ رداءً والبصرةَ منزلاً والبلاغةَ حجةً وآلة.
وفي حديثه عن المكتبة نفسها، يقول عبّاس: يحدث أن تولد المكتبة في اللحظات الفاصلة بين الحياة والموت، وتنمو في ملاجئ الحروب المطلّة على الأرض الحرام. ليس ثمة ما هو أروع من نشدان الحياة في أيام الحروب، والمكتبة، بهذا المعنى، هي الحياة التي تولد في ركن ملجأ تحت الأرض، تأوي كتبها إلى صندوق عتاد برفوف خشب اعتاد الجنود أن يرتبوا فوقها الكتب التي يأتون بها بعد الالتحاق من إجازاتهم الدورية. سيكون ماركيز وهرمان هيسه وكازنتزاكيس وأبو تمام ونيتشه بعض رفاق الملاجئ ورسل الحياة الذين يتذكّرهم الساعة، كما لو كانت كتبهم ما تزال على رفوف الصندوق بعد ثلاثين عاماً على انتهاء الحرب، يواصلون حياتهم في المنطقة العجيبة خلف الحرب التي تضجُّ وتخبو، ينسجون عوالمهم على مهل بعيداً عن الأرض التي حُملوا إليها، ينصتون لصوت الإنسان المقهور يتصاعد وسط النار والضجيج، إنهم يهبون أرواح الجنود المجهدة أوقات سلام، يمنحونهم فرصة أن يحكي كلّ منهم حكايته الشخصية، حكاية منامه إلى جوار صندوق العتاد الذي صار مكتبة.
اثنان وعشرون مقالاً ضمها عبّاس بين غلافي كتابه، تناول فيها موضوعات عدّة، مثل: شارع المتنبي، مراقبة أحزان العالم، عاصفة الراديو، عشق السيدة، الإنصات إلى القصة القصيرة، معرفة الصورة الفوتوغرافية، في معرفة المكان، وغيرها من المقالات… لكنه في مقالته الأولى يبحر بعيداً في محاولة لفهم علاقة الأدب والعالم، فمن وجهة نظره؛ يستدعي السؤال حول راهن الأدب النظر في طبيعة السؤال نفسه، وهو يُستعاد في لحظة وجود فارقة، في المنطقة الأكثر خطراً من العالم. سؤال يتكرّر مؤكداً بعضاً من تجارب حياتنا التي لا تخلو من غرابة وهي تستعيد نمط العلاقة بين الأدب والعالم على نحو يتجدّد بتجدّد مشكلات كلٍّ منهما، فلا الأدب اليوم هو أدب ما قبل نصف قرن من الزمان ولا العالم، ثمة متغيّرات واسعة بين صورتين وتصوّرين- تبقى الصورة، على الرغم من المماثلة وسياستها، محكومة بإرادة الزمان، ويظلُّ التصوّر محكوماً بمواجهة العالم إيهاماً وتخيّلاً- مثلما هنالك تحولات خارج الصورة والتصوّر تغذّيهما وتتحكّم بمتغيراتهما، انكسارات وتراجعات، تجعل استعادة السؤال نوعاً من الضرورة لعلّ باباً يُفتح في الطريق لفهم ما حدث ويحدث في وقت تبدو فيه أسئلة الواقع أشدّ فاعلية وأعنف وقعاً وعجائبيّة من أسئلة الأدب، فما يُنتجه الواقع في لحظة إخبار موجزة يظلُّ بحاجة لزمن من التأمل والمراجعة، من الفحص والتدقيق، وصولاً لمساحة مفترضة من الفهم لإنتاج توازن بين حركتين وتصوّرين، لكن الواقع، بكل أسف، لن يتمهّل أو يلتفت، لن يضع نقطة آخر السطر، ولن يتوقف منتظراً ثمار الفكر والأدب. إن سيلاً قاهراً على الجهة الأخرى يجرف كلَّ شيء، يغيّر مجريات الواقع وهو يتدخّل على نحو سافر بتحديد حياة بني الإنسان ويتحكم بمصائرهم، ليس ثمة من يتريّث أو ينتظر، فالقسوة في صلب الواقع تواصل مشيأتها.
عبّاس الذي عُرف قاصاً من طراز متفرّد، يقدّم مفاهيمه في فن القصة القصيرة بطرائق مختلفة، فيقول في مقالته (الإنصات للقصة القصيرة): لم يفكر الفتى الذي كنته أن يكتب القصص، كان يهمه أن يلتقط مع كل قصة شظية جارحة من شظايا حياته ليقترب من الهاوية فيحكي عن ميتات أصدقائه، عن غياب وجوه لم يكد يتعرّف إلى أصحابها، لتُطلق القصص بمناورة المصائر والوجوه إيعازها الحي، إيعاز حياتها، فـ»حيثما يكن الإيعاز الحي يكون الإيقاع العنيف للأصوات، وحيثما ترتكب الكتابة «ذنوب القصة» ينشأ سرد يستدعي الإحساس إلى استنفار السمع والبصر كي يتابعا تجرّد اللغة من محمولاتها المكبوتة»، إنها تتسع وتنمو في حقل الكاتب لتؤمّن عبر حضورها امتداداً للروح ومساحة للمخيلة. كل قصة خلاصة، خلاصة نظر وقول، وهي خلاصة شعورية بمعنى ما لما حدث وما لم يحدث، إننا نتحدث عن شواغلنا، عن شظايا حياتنا، عما رأينا وما لم نر، عن مسراتنا المطفأة، بما يوفر مادة عصيّة وطيعة لإنتاج القصص.
وإذا كانت القصص تقطن في مخيلات القرّاء- حسب عبّاس- فإن رصيد هذا الفن من المشاركة الإنسانية سيبدو بلا نهاية، يتجدد مع تجدد القرّاء وينفتح ويثرى مع اتساع مخيلاتهم التي تُنشئ هي الأخرى قصصها من دون أن تعبأ على نحو جاد بمهمات الشكل، إذ ستعود القصة بإرادة إنسانية مفعمة لتحكي جوهر التجربة، وتمثل لبّها ونواتها، وهو ما يمدّها بطاقة مضافة يمكن من خلالها أن ترى الدوافع والأسباب، مثلما ترى الحوادث قبل أن تتشكل أو تكون، فللقصة رصيدها من النبوءة والحلم، ولها إمكانيتها على قراءة الواقعة الإنسانية، في شمولها واتساعها ودوام جريانها، بالتركيز على شظاياها، وإضاءة وحداتها الهندسية الصغيرة، والتقاط قوانينها، في سبيل إنتاج عوالم أكثر قوة وأشدّ حقيقة من العالم الواقعي، حيث يأوي تشيخوف بعد كل قصة إلى عربة تجرها الخيول، مثلما سيعيش أدغار ألن بو في قنينة مرمية في بحر، ويواصل همنغواي التحديق من عين بندقيته إلى ما يتخاطف أمامه من  ظلال، ويتهجّد وليم سارويان على خلفية ذلك كله بابتهاله العادي من أجل قصة قصيرة واحدة.
وفي فضيلة الاعتراف، يتساءل عبّاس: ما الذي يمنح كتاباً ما حساسية وعمقاً، ما الذي يجعل من قراءته لحظة إنسانية نادرة للحوار مع الذات، للإنصات لترنيمها في سعادتها وحزنها، في دهشتها بالعالم، وفي اتصالها الحميم بالأشياء، لتبدو الذات، جزءاً حياً، يانعاً ومكتملاً، من العالم، وهو الجزء الذي يكون بمستطاعه تدوين اللحظة الإنسانية بدفئها ورهافتها وهي تعيد إنتاج وقائعها بروح لا يعوزها الصدق ولا تنقصها الجرأة في المواجهة والاكتشاف، مواجهة ما حدث لإعادة اكتشافه في سبيل تحديد موقعه في تاريخ الشعور العام، هذا الشعور الذي يندر أن التفتت إليه ثقافتنا، لوعيه وتفهّم طبيعته، وهو ما يظل بحاجة، فيما يبدو، إلى أناس بمواهب خاصة تتعدى حدود العلاقة المباشرة مع العادي والمألوف لتصل عبر تماسها مع الحدث إلى حيّز خفي، صعب المنال، إنه الحيّز الذي يفتح نجيب المانع الباب لدخوله عبر كتابه (ذكريات عمر أكلته الحروف) في نوع من سخاء إنساني نادر، فالكاتب لا يتحدث، على عادة كتّاب السير والمذكرات، عن ذاته مركزاً للعالم بل يتحدث عن العالم ناظراً لذاته فيه، وهو العالم الذي يتسع بين يديه ليفتح بوابات الزبير، مدينته الأم، متأملاً طبائع أناسها، ويفتح بوابات البصرة ليتحدث عن عراقتها وسلام أبنائها، مثلما ينفتح عراق الأربعينيات بين يديه عالماً واسعاً يخطو من عتمة العصور الثقيلة المظلمة إلى أنوار الحداثة والتقاطات شعرائها.

لؤي حمزة عباس: «النوم إلى جوار الكتب»
دار شهريار، البصرة، دار الرافدين، بيروت، 2017
 108 صفحة.

لؤي حمزة عباس في «النوم إلى جوار الكتب»: الإبحار بعيداً في محاولة لفهم علاقة الأدب والعالم

صفاء ذياب

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left