الفيلم الإسرائيلي «أبواق الصمت»: صلف المؤسسة العسكرية سبب هزيمة إسرائيل في يوم غفرانها

محمد عبد الرحيم

Oct 21, 2017

القاهرة ـ «القدس العربي»: «أعلَم أن المصريين ليسوا أغبياء، كي يشنوا حرباً غير متكافئة، لكنهم جرحى كرامة ويشعرون بالإهانة، يمكنكم قراءة ذلك في قصائد شُعرائهم ومقالات كُتابهم». (فيكتور جاباي رئيس القسم السياسى في هيئة الاستخبارت العسكرية).
تمر هذه الأيام الذكرى الـ 44 لحرب السادس من تشرين الأول/أكتوبر 1973، ورغم الأعمال المصرية والعربية السينمائية التي جسدت شذرات من هذا الحدث التاريخي والسياسي، إلا أنها في المُجمل تبدو متهافتة وفي غاية السطحية ــ نقصد الأفلام الروائية المصرية في الأساس ــ والتي لم تبتعد عن التوليفة التجارية للفيلم المصري المعتاد. وخلافاً لذلك جاءت الأفلام الوثائقية أكثر صدقاً من الناحية الفنية والجمالية، منها على سبيل المثال لا الحصر، فيلم «جيوش الشمس» لشادي عبد السلام، وفيلم «صائد الدبابات» لخيري بشارة. أما سلسلة الأفلام التي تعاد على المشاهدين يوم 6 تشرين الأول/أكتوبر كل عام، فهي دون مستوى الحدث، وتبدو تلفيقية إلى حدٍ كبير. فبخلاف الحكاية المعتادة لأي فيلم عربي، تصوّر هذه الأفلام الجانب الآخر/الإسرائيلي مجرد مجموعة من القادة والجنود البلهاء، وهو ما يتنافى مع الانتصار العظيم الذي تحقق في الحرب، فما هي المعجزة في الانتصار على عدو أبله؟ يمكن استثناء فيلم «أغنية على الممر» إنتاج عام 1972 للمخرج علي عبد الخالق، أي قبل بداية الحرب، وكان يحكي عن موقف الجنود في حرب الاستنزاف، في سرد درامي مُحكم ودال على مواصلة الحرب حتى النهاية. الغريب أن عبد الخالق نفسه عاد لموضوع الحرب في العام 2004 بفيلم غاية في التواضع اسمه «يوم الكرامة» ليدخل بدوره في زمرة الحكايات الكاريكاتيرية عن حرب أكتوبر. ولكن، ماذا عن الجانب الآخر؟ كيف رأى الإسرائيليون هذه الحرب، وكيف تناولتها السينما الإسرائيلية؟ هناك العديد من الأعمال الإسرائيلية تناولت الحدث، وتباينت في مستواها الفني، فمنها مَن سار على درب الأفلام المصرية، حيث سذاجة التناول، ومنها مَن حاول رصد ونقد أسباب ما حدث، ومن أشهرها فيلم «كيبور» إنتاج عام 2000، لعاموس جيتاي. إلا أن فيلماً آخر تم إنتاجه في العام 2003 بعنوان «أبواق الصمت» الذي يروي في شكل الدوكيودراما الأيام الأخيرة قبل يوم الحرب داخل هيئة الاستخبارات العسكرية، وكيفية انتقاد هذه المؤسسة ورجالها وصولاً إلى وزير الدفاع نفسه. الفيلم أداء روث غيلر/غولدامائير، آسى ديان/موشي ديان ــ نجل موشى ديان ــ ناتان دانتر/إيلي زاعيرا رئيس الاستخبارات العسكرية، جيل فرانك/دافيد إليعازار رئيس الأركان، وإيلان تسينمان هرتزل/فيكتور جاباي رئيس القسم السياسى بهيئة الاستخبارت، والفيلم من إخراج أوري أنبار.

لعنة اليقين المطلق

لم ينتهج الفيلم وجة نظر واحدة للسرد، وإن كان يميل إلى موقف الرائد فيكتور جاباي رئيس القسم السياسى المختص بالشأن المصرى والتابع لهيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الذي كان يرى أن كل المعلومات التي اعتمدها رؤساؤه، سواء من أجهزتهم التقنية أو عبر جواسيسهم متفاوتي المكانة، من ملوك عرب أو رجال قريبين من السلطة السياسية في مصر ــ أشار الفيلم إلى الملك حسين الذي أكد لغولدا مائير قيام الحرب، وأشرف مروان الذي أكد يوم قيامها ولكن في السادسة مساء ــ حتى أن القادة لم يأخذوا بها أبداً مأخذ الجد، حيث تبدو ثقتهم المطلقة في عدم إمكانية قيام حرب على الجبهتين المصرية والسورية. وهناك العديد من الدلائل، كإجازات بعض جنود الاحتياط في الجيش المصري، واستعداد البعض الآخر للقيام بأداء العُمرة، كلها كانت مؤشرات على استبعاد أي أمر غير معتاد. حتى أن التحركات العسكرية هي نفسها التي يقوم بها الجيش المصري من حين لآخر، ولا يريد من ذلك إلا خلق حالة من البلبلة وجمع جنود الاحتياط، وتكلفة الخزانة الإسرائيلية الكثير، إضافة إلى إشعال حالة القلق والتوتر بين الإسرائيليين. كانت هذه حجج رئيس الاستخبارات العسكرية، بينما جاباي طوال الأحداث يحاول إقناعه أن تحركات الجيش المصري والسوري، على مدار أحد عشر يوماً، قبيل يوم الغفران (كيبور) الموافق 6 تشرين الأول/أكتوبر 1973 لم تكن جزءاً من عملية تدريبية يقوم بها الجيش المصري، وإنما هي تحركات الاستعداد للحرب، لكن القلق أصاب رئيسه بالفعل عندما طرد السادات الخبراء الروس في ساعات معدودة، لكنه لا يريد الاعتراف أو مجرد التفكير في إمكانية قيام حرب الآن، وأن ما يفعله السادات مجرد لعبة للضغط على السوفييت لا أكثر ولا أقل!

من السخرية إلى الهزيمة

تناوب السرد الفيلمي للأحداث ما بين قبل وقوع الحرب وبعدها، حالة التخبط والقلق التي صاحبت الأيام الأخيرة قبل الحرب، داخل أروقة جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي (آمان)، ووزارة الدفاع الإسرائيلية ممثلة في وزيرها موشي ديان ورئيس الأركان، ورئيسة الوزراء غولدا مائير، فالجميع يطمئن بعضهم، ولم تكن بينهم سوى أحاديث السخرية من فكرة قيام الحرب. على الجانب الآخر تأتي أحداث ما بعد الحرب، وكل هؤلاء يجلسون أمام لجنة التحقيق ــ لجنة (أغرانات) ــ والتي ترتب عليها إقالة عدد كبير من القيادات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية، إلى جانب إقالة غالبية السياسيين وقتها. حتى أن رئيس اللجنة يعنف رئيسة الوزراء على التباطؤ في استدعاء جنود الاحتياط، فهل الميزانية لا تسمح أم أنها امتنعت لتكدير صفو المواطنين الإسرائيليين استعداداً للانتخابات المقبلة، لترد في انفعال أن وزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس الاستخبارات العسكرية كانوا يجهلون قيام الحرب، فهل ستعرف هي!

الجميع سيموتون غداً

هذه هي العبارة التي رددها فيكتور جاباي مساء الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر، وقبل الحرب بساعات، حيث لم يغادر مكتبه، وظل ينظر إلى التقارير وبعض اللقطات التي تصوّر تحركات الجيش المصري، «الجميع سيموتون غداً» كان على يقين مما سيحدث، وكأنه طوال الأحداث يحارب طواحين الهواء، فلا أحد يستمع ولا أحد يهتم، حتى أنه تم مجازاته ونقله من وظيفته وأمهله رئيسه حتى آخر تشرين الأول/ أكتوبر 1973، ليغادر مكانه، لكنهم في الواقع هم مَن غادروا أماكنهم وعار الهزيمة يلاحقهم حتى الآن. ولينتهي الفيلم بفرار الجميع في الشوارع ــ رجال ونساء وأطفال ــ عقب صافرات الإنذار، يبحثون عن مخبأ يقيهم هول الصدمة.

مأساة يوم الغفران

أنتج الفيلم عام 2003 وقد مر على حرب أكتوبر 30 عامh، ويبدو أن للعمل وجهات نظر أراد مناقشتها، بداية من الانتقاد الحاد للمؤسسة العسكرية وإداراتها، وهو وإن كان انتقاداً تاريخياً لحدث انتهى وشخصيات رحلت، إلا أننا لا نستطيع حتى الآن ابتكار عمل فني أو سينمائي يحاول الاقتراب من رموزنا الوهميين، فلدينا الرقابة المبجلة خادمة النظام الحاكم، والذي لم يتغير منذ تموز/يوليو 1952، الأمر الآخر في الفيلم هو إرجاع أسباب الهزيمة إلى الغرور والصلف الذي أصبح عقيدة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد انتصارها في حرب الأيام الستة، فوجهة النظر الإسرائيلية هنا ــ وجهة نظر صُنّاع الفيلم ــ أن هذا هو السبب الوحيد لهزيمتهم، ولو أنهم تعقلوا قليلاً وتداركوا الأمر، فالحرب بالتأكيد لم تكن في صالح الجانب المصري. ولهم الحرية في وجهة النظر بالطبع، لكن الأهم هنا هو القدرة على مراجعة الذات والاعتراف بالخطأ، حتى إنه يبدو كتحذير للسلطة الجديدة وكل سلطة ستأتي لا تثق ولا تصدق إلا نفسها.

الفيلم الإسرائيلي «أبواق الصمت»: صلف المؤسسة العسكرية سبب هزيمة إسرائيل في يوم غفرانها

محمد عبد الرحيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left