تراث عريق من القصائد الغنائية والرومانسية والمسرحية: مشهد الشعر الألماني

عبد الواحد لؤلؤة:

Oct 21, 2017

أقدمُ ما لدينا من نصوص شعرية باللغة الجرمانية يعود إلى القرن الثامن الميلادي، يوم كانت الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى هي المسيطرة على مناحي الحياة في أوروبا، بما في ذلك «الحياة الثقافية». كانت الكتابات «الأدبية» تدور حول الموضوعات المسيحية، أو حياة الأباطرة والملوك، وباللغة اللاتينية، عموماً. ثم بدأت بعض اللغات «القومية» بالظهور تدريجياً، حتى بروزها بشكل قوي في «عامية اللاتينية». وهي اللغة الإيطالية، على يد دانته التي كتب بها «الكوميديا الإلهية» عام1308 كانت بعض بلاد أواسط أوروبا تتكلم اللغة الجرمانية، في لهجات متقاربة، في ما صار يعرف بلاد ألمانيا، والنمسا، وهنغاريا وأقسام من سويسرا. وهنا ظهر في أواسط القرن الحادي عشر شعراء يكتبون في موضوعات «دنيوية» غير كنسية، موضوعات في الحب الدنيوي، غير الكنسي، وتهويمات حول نساء دنيويات لا يشبهن السيدة مريم العذراء. ولم يكن هذا مما ترضى عنه الكنيسة ولا رجال الدين الكاثوليك . وجاء هذا التطور من شعراء التروبادور الذين ها جروا من إقليم «بروفنس» في جنوب وغرب فرنسا الحالية، بعد أن هاجم بلادهم البابا إنوسنت الثالث البريء عام 1209، قادما من باريس «ليطهّر البلاد الوثنية» في الجنوب الفرنسي. والسبب الحقيقي هو الطمع بغنى الجنوب الفرنسي. وتسبب ذلك بهجرة الكثير من الشعراء التروبادور إلى صقليا وجنوب إيطاليا وبعض البلاد الجرمانية. هناك بدأ الشعراء المحليون بمحاكاة هذا النمط الوافد من الشعر الغنائي، الذي يعنى بالأمور الدنيوية، وأولها الحب، وأوضح الأمثلة على هذا التطور ما جرى في صقليا برعاية الإمبراطور فريدريك الثاني (1194 ـ 1250). وقد كانت ثمة علاقات بين الاباطرة الألمان وأقاليم «بروفنس» مما شجع على ظهور «المينيزنغر» وهم الشعراء التروبادو الألمان، الذين أقام بعضهم في إيطاليا وصقليا في عصر أباطرة «هوهنشتاوفن» بين 1138 ـ 1250. كل هذا ساعد على انتشار شعر «مينيزنغر» أي غنائيات الحب الجرمانية.
ثمة جُذاذة لشاعر مجهول، وجدت في مجلد مخطوط في دير «تيغرنزية» تعود إلى القرن الثاني عشر، وهي أقدم المعروف من شعر بلغة جرمانية تعاصر بدايات شعر التروبادور بلغة بروفانس. وفيها نظام قافية يشبه ما في شعر التروبادور، الذي هو محاكاة لنظام الموشح والزجل أساساً:
(أنتِ لي وأنا لكِ A/من هذه تأكدي A/أنتِ في حبسٍ أمين B/في القلب مني B/ضائع هو المفتاح A/لذا ستبقين فيه إلى الأبدA). وهذه الأشطر ترد متلاحقة وليست على سطر واحد.
كانت منطقة «التيرول» الألمانية شمال جبال الألب وجنوبها في القرون الوسطى مسرحاً لكثير من الأنشطة الأدبية والشعر الغنائي في قلاع النبلاء المنتشرة هناك. وكانت اللغة المستعملة هي «الجرمانية العليا الوسطى» لغة مخطوطات التيرول الجنوبي».
فمن منطقة التيرول الجنوبي جاء أهم شعراء الغناء الجرمان في العصور الوسطى، وهو أوزفالد فون فولكنشتاين إلى جانب شعراء آخرين، يضيفون على أغاني الحب «منيزانغر» موضوعات سياسية وأخلاقية، وحتى أغاني تأبين الموتى، عندما انتشر الطاعون، وكل ذلك برعاية النبلاء الإقطاعيين، قبل انتشار تلك الأغاني في المدن. ومن شعراء غنائيات الحب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر فالترفون دير فوغلفايده الذي اشتهر مع أوزفالد فون فولكنشتاين في نظم غنائيات الحب، يقدمونها غناءً أمام جمهور ذي مشارب شتّى . من أولئك الشعراء المغنين الجوالين نايدهارت الذي بدأ حياته الفنية في بلاط دوق بافاريا، ثم انتقل على ما يدعى اليوم «النمسا السفلى» في بلاط آل بارنبرغر وله 157 غنائية محفوظة في عدد من المخطوطات في أديرة المنطقة. هذه «أغنية الربيع» التي تشبه الكثير من أغاني التروبادور البروفنسية، وقبلها الموشحات والأزجال.
(أيّار نورك يتوهّج/والطيور الصغيرة/تحمل كنزاً من البهجة/فمرحباً بهم!/أنا على ابتهاجي/أسقَمَني العالم/فأنا أشكو كل يوم/لأن التي أمدحها/والتي تملك قلبي/غير راضية عني/لقد فقدتُ الأمل/لأنني ما كنت فالحاً قط). ونظام القافية في هذه الأشطر هو A خمس مرات تنتهي بقافية B سادسة. وفي المقطع اللاحق خمس قوافٍ C تنتهي بسادسة D. وهكذا نجد صورة الغنائية البروفنسية وسابقتها في الموشح والزجل، كما نجد الروح الغنائية موروثة اباً عن جد.
ومن الشعراء المغنين في التيرول الجنوبي «هاينرخ فون مايسن» الذي اتخذ له إسماً أدبياً هو فراونلوب أي «مادح السيدات» وزميله روميلانت الذي يقول (إسم المرأة أعظم من مديح السيدات/إن ورَدَ في تواضع أو في إفراط/بايجاز أو باطناب/كيفما شاء المرء أن يفعل ) والقافية هنا زجلية بامتياز DC BB AA ثم تتكرر وتتنوع.
وثمة هافارت من القرن الثالث عشر، المنسوبة اليه عدد من غنائيات الحب، حول «الفجر» مما يشبه «الفجريات» في الموشح الأندلسي، روحاً وقافية. (أحسّ في هدأة الطيور/أن الليل سيعلن عن سطوته/ليلٌ طويلٌ باردٌ/يجعل العشاق شجعانا/ليس غيرهم من يقدر على الإلتصاق معاً/مثل هذا السرور أفضل من يوم طويل حار).
وقد استمر هذا الشعر الغنائي في التطور حتى ظهرت الرومانسية في المانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وانتقلت إلى الشعر الإنكليزي على يد وردزورث وكولرج وكيتس وغيرهم. لكن القرن العشرين شهد عدداً من الشعراء الألمان يكتبون في موضوعات قليلة الارتباط بالرومانسية أو أغاني حب «المنيزنغر» قد لا يسيغها القارئ العربي، ولكن لا بأس من ايراد أمثلة منها.
من مشاهير الشعراء الألمان في القرن العشرين راينر ماريا ريلكه المولود في براغ من والدين يتكلمان الألمانية. وقد دخل المدارس العسكرية وسافر إلى روسيا حيث قابل تولستوي ثم عاش في باريس قريباً من النحات رودان مما حوّل أسلوبه إلى «الموضوعية» الصورية أو النحتية، ثم تأثر بالمذهب «التعبيري» الذي ظهر قبيل الحرب الأولى، وقضى بقية حياته في سويسرا حيث توفي بسرطان الدم، عام 1926. ويمكن وصف غالبية شعر ريلكه بالشعر الحر الذي يخلو من الوزن والقافية. هذا مثال بعنوان «شكوى» بتاريخ تموز/يوليو 1914:
(لمن، يا قلب، تريد أن تشكو؟ طريقك المهجور بتزايد/يتحسس خلال الجنس البشري غير المفهوم. ربما بمزيد من العبث/للحفاظ على اتجاهه،/اتجاه نحو المستقبل،/المستقبل المفقود/مِن قَبل. هو شكوت؟ عمَّ؟ ثمرة فرح سقطت/غير ناضجة./ولكن الآن شجرة فرحي هي التي سقطت./فالذي يسقط في العاصفة/هي شجرة فرحي البطيئة/الأجمل في مشهدي غير المرئي، أنتِ التي حملتِني أقرب/إلى معرفة الملائكة اللامرئية/.
وثمة بيرتولت بريخت المولود عام 1898 ودرس الطب في ميونيخ وخدم في الحرب الأولى في العناية الطبية. عاش في ميونيخ وبرلين قبل ظهور هتلر عام 1933 ثم هرب إلى زيويخ وبراغ وفيينّا والدانمرك وفنلندا ثم استقر في أمريكا في كاليفورنيا ونيويورك حتى 1947 حيث عاد إلى سويسرا وبرلين الشرقية، حيث تفرغ للمسرح، لكنه لم يتوقف عن كتابة الشعر على الرغم من كثرة تنقلاته في البلاد، حتى وفاته عام 1956 ببرلين الشرقية. هذا مثال من شعره: «بقايا العصور القديمة»: (ما يزال القمر، مثلاً/معلقاً فوق البنايات الجديدة في الليل/هو من الأشياء المصنوعة من النحاس/الأقل قيمة. لكن/ما تزال الأمهات تحكي قصصاً عن حيوانات/تسحب عربات ـ تدعى خيولاً/صحيح، في حكايات القارات/هذه لم تعد موجودة، ولا أسماؤها:/المجسّات الهوائية الكبرى لا تعلم شيئاً الآن/عن عهد مضى).
وقد أختم هذا الاستعراض بمثال من شعر غُنتر غراس (1927 ـ 2015) الذي نظم قصائد بعنوان «خزانة الملابس المفتوحة» و»الكراسي المطويّة» و»المبيعات» حيث يتحدث عن بيع جميع أثاثه مثل ما فعل سكنة بضعة شوارع قريبة. ولا أدري إن كان مثل هذا «الشعر» أو هذه الموضوعات يسيغها القارئ العربي المعاصر، الذي تربّى على شعر المعلقات وشعر المتنبي وصولاً إلى قصائد نزار قباني. ولكن، كيف تطور شعر المنيزنغر الألماني بأصدائه من شعر التروبادور والموشح والزجل فصار شعر غُنتر غراس يحمله إلى جائزة نوبل في الآداب عام 1999 هو سؤال أمام القارئ العربي المعاصر.

تراث عريق من القصائد الغنائية والرومانسية والمسرحية: مشهد الشعر الألماني

عبد الواحد لؤلؤة:

- -

1 COMMENT

  1. كل الشكر أستاذ عبد الواحد لؤلؤة الفاضل على أفساحك المجال للاطلاع على الشعر الغربي والتعريف بأشعار وشعراء فترات معينة من تاريخ تطور الادب الغربي
    المتابع أو المهتم لم يعد يمتلك الوقت للبحث والقراءة،،وها أنت توفر هذا الجهد علينا بأسلوب شيق ومختصر وتوفر علينا الكثير من الجهد وبأعلى قدر من الفائدة والمتعة والمعرفة،،وننتظر لقائك هذا في العطلة الإسبوعية بفارغ الصبر..
    تحية لك على مجهوداتك القيمة وإسهاماتك الرائعة..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left