تنظيم «الدولة» يحسم الصراع للتيار الأقل تشددا وتيار ثالث يكفر الجميع

رائد الحامد

Oct 21, 2017

لا خلاف على ان تنظيم «الدولة» الإسلامية هو الأكثر تماسكا في الصف الداخلي والأقل عرضة للانشقاقات الداخلية من بين الفصائل التي ظهرت في الساحة السورية والعراقية التي انفرد التنظيم دون غيره بالعمل المسلح فيها بعد الانسحاب الأمريكي من العراق في نهاية عام 2011؛ وتبدو الصورة العامة أشبه بعملية مخاض تعيشها التنظيمات الإسلامية الأكثر تشددا، تنظيم القاعدة وتنظيم «الدولة» الإسلامية، لكن لا يمكن القول بوجود مراجعات فكرية واسعة شبيهة بالمراجعات التي أجرتها بعض التنظيمات في العقود الماضية، مثل جماعة التكفير والهجرة المصرية.
الخلافات داخل تنظيم «الدولة» لا تزال في إطار صراع فكري بين تيارين اثنين خلافا لتنظيم القاعدة الذي بلغ الصراع الداخلي فيه حد المطالبة بإقصاء زعيمه ايمن الظواهري لصالح حمزة بن لادن كقائد جديد للتنظيم يمكن ان يعيد إليه بعض ما فقده من بريق في السنوات الأخيرة مستمدا شرعيته من والده الزعيم الروحي «للجهاد العالمي».
وكانت وسائل إعلام قد نشرت نقلا عن مصادر من داخل تنظيم القاعدة ان قيادات من الصفين الأول والثاني داخل التنظيم تسعى للتخلص من ايمن الظواهري الذي فقد قدراته على السيطرة على فروع التنظيم حول العالم وعجزه عن اتخاذ القرارات في الوقت المناسب وحالة تراجع انتشار التنظيم خلال المرحلة الماضية قياسا إلى نجاح تنظيم «الدولة» في الانتشار إلى دول عدة في قارتي آسيا وافريقيا ونشر خلايا تابعة له أو عناصر نفذوا هجمات باسم التنظيم في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي.
يمكن التأريخ للانقسام الأوضح داخل تنظيم «الدولة» بعد مقتل مفتي التنظيم تركي البنعلي البحريني الجنسية في نهاية أيار/مايو 2017  في غارة جوية في مدينة العشارة التابعة لمحافظة دير الزور وما تبع ذلك من خلافات بين كبار الشرعيين المتواجدين في مدينة الميادين القريبة من العشارة من بينهم سعيد الغناش مسؤول التعليم في دير الزور «ولاية الخير» وأبو عبدالله الكويتي وأبو تراب الليبي الذين أصدروا فتوى اعتبروا فيها قادة التنظيم مثل الزرقاوي وأبو عمر البغدادي وتركي البنعلي من «الخوارج» طالما انهم لم يقرّوا بـ «ردة الجاهل بأمور الدين» أي أنهم اعتبروا «الكافر بالجهل غير كافر».

التناحر داخل تنظيم «الدولة»

يتركز الصراع داخل تنظيم «الدولة» على اتباع التيار «الحازمي» وتيار «البنعلي». وينتسب أتباع التيار الحازمي إلى الشيخ احمد بن عمر الحازمي المولود في مكة المكرمة والمتخصص في علوم الكتاب والسنة من جامعة أم القرى وكان إمام وخطيب مسجد بدر في حي الزاهر في مكة قبل اعتقاله في أيار/مايو 2015. تتلمذ الحازمي على يد عدد من العلماء بالأخص الموريتانيين «الشناقطة» وكان بارعا في علوم اللغة العربية متمكنا من أدواتها ما ساعده على فهم ما يحفظ من «الألفيات» والأحاديث النبوية والقرآن الكريم، ويميل بعض الدارسين للقول انه ينتمي إلى إحدى المدارس السلفية المعروفة باسم «المدخلية» أو على الأقل متأثرا بها بعد ملازمته لأحد أهم رموزها، محمد علي آدم الاثيوبي لنحو عقدين.
لعبت جولات الحازمي في عدد من البلدان العربية أثرا في نشر أفكاره في أوساط الشباب من خلال الدروس والمحاضرات والدورات العلمية التي كان ينظمها، ومن بينها نشاطاته في مصر وتونس التي تردد عليها أكثر من مرة بعد نجاح الثورة في عام 2011 حيث ألقى عددا من الدروس في اللغة والعقيدة في أحد مساجد حي الخضراء في العاصمة، وهو من أكثر الأحياء التي ينشط فيها السلفيون الجهاديون؛ ويتبع منهجه معظم قيادات تنظيم «الدولة» المنحدرين من أصول تونسية، وهؤلاء يشكلون نسبة مهمة من قيادات التنظيم خاصة في الجانب الشرعي.
اما تيار «البنعلي» فينسب إلى الشيخ تركي البنعلي البحريني الجنسية والذي قتل في أيار/مايو 2017 عن نحو 34 عاما، وهو من تلامذة المنظر السلفي الأردني أبو محمد المقدسي والمغربي عمر الحدوشي قبل ان يختلف معهما، وشغل البنعلي مواقع متقدمة في اللجان الشرعية ويعد من بين كبار القادة الشرعيين في التنظيم؛ وهناك ثمة «اتهامات» بضلوع التيار «الحازمي» بمقتل البنعلي في غارة جوية نفذتها طائرات تابعة للتحالف الدولي إلى جانب رفيقه المقرب السعودي عمر القحطاني بعد استدعائهما من قبل اللجنة المفوضة السابقة لمناقشة اعتراضاتهما على وثيقة 17 أيار/مايو؛ وسبق للتيار «الحازمي» ان سجن عددا من المعترضين على الوثيقة من بينهم أبو عبد البر الصالحي الكويتي الجنسية والذي قتل في أحد السجون بعد قصف طائرات التحالف أيضا.
كشف مقتل تركي البنعلي عن وثائق أشارت إلى عدم رضاه على بعض القيادات الشرعية في التنظيم «التيار الحازمي» ومساهمة هؤلاء في تقليل عوامل الجذب في عمليات التجنيد التي تعد من أهم عوامل ديمومة واستمرار مشروع «دولة الخلافة» التي يسعى تنظيم «الدولة» لإقامتها؛ ودوّن البنعلي 20 بندا يرد بها على وثيقة 17 أيار/مايو منتقدا بعض الأصوات المؤيدة للوثيقة التي ستؤدي إلى «سلسلة من تكفير المسلمين لا نهاية لها» طالما ظل التيار «الحازمي» هو الغالب.

تكفير أبو مصعب الزرقاوي

ونقلت قنوات خاصة على التليغرام عن خباب الجزراوي أحد القيادات الشرعية رأيا يفيد ان وثيقة 17 أيار/مايو ذهبت بعيدا في «تكفير» أبو مصعب الزرقاوي وأبو عمر البغدادي اللذين رفضا تكفير المسلمين الذين شاركوا في الانتخابات طالما ان هؤلاء يجهلون الحكم الشرعي في أمر الانتخابات، كما أشار الجزراوي إلى تناول الوثيقة مسألة خطيرة للغاية حين بدأت تقترب من مناقشة مسألة «تكفير» بن تيمية الذي يحظى بقبول واحترام التنظيمات «الجهادية» دون استثناء.
تأصيل التكفير وتكفير الذين يقرّون في الانتخابات «دون اعتبار لعامل الجهل» وكذلك تكفير «العاذر» الذي يتبنى التكفير بالتسلسل، أي على قاعدة «من لا يكفر الكافر فهو كافر» دون إعذار بالجهل والحكم عليهم بـ «الردة» وهو منهج التيار «الحازمي» فيما يتفق معه تيار «البنعلي» على عدم إعذار الجاهل في مسائل التوحيد والشرك بالله لكن هذا التيار يأخذ بالعذر بالجهل ولا يكفر الجاهل بنواقض الإسلام الذي يكفره اتباع التيار «الحازمي» الذي لا يعطي العذر بالجهل في مسائل التوحيد والشرك بالله سواء بلغه الإسلام أم لم يبلغه معتبرين ان كل من تلبّس بناقض من نواقض الإسلام فقد كفر، وأبعد من هذا يقولون بتكفير من «توقف عن تكفير من أتى بأحد نواقض الإسلام» وتكفير من لم يكفر هذا أيضا وهكذا.
أثار التياران المختلفان حول مسائل «عقدية» صراعا حادا داخل تنظيم «الدولة» في الصفين الأول والثاني طيلة أشهر انتهت منتصف أيلول/سبتمبر بإعلان من صفحة واحدة تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي القريبة من التنظيم حسم الجدل الدائر حول «التكفير» أصدرته «اللجنة المفوضة» لصالح التيار الأقل تشددا.
 أعطى تنظيم «الدولة» أهمية للترويج للجنة المفوضة والتعريف بمهامها الرئيسية واستقلاليتها من خلال مقطع مصور أصدره في تموز/يوليو 2016 بعنوان «هيكل دولة الخلافة» وبين الإصدار المصور ان اللجنة المفوضة مهمتها توصيل الأوامر بعد إصدارها ومتابعة تنفيذها من قبل مجموعة من القيادات التي يتم اختيارها وفقا لضوابط الاستقامة ومهارات القيادة والإدراك والخبرة، وهذه اللجنة تختص بالجوانب الشرعية وتمتلك سلطة القرار في هذا الإطار دون ان يكون لأمير التنظيم أي دور على اللجنة التي تعكس المنهج الشرعي لتنظيم «الدولة».
كما تتمتع اللجنة المفوضة بصلاحيات إدارية واسعة على «ولايات» التنظيم والدواوين وتلعب دورا استشاريا للولاة في المسائل الحساسة من منطلق دورها الرقابي على أداء الولاة والدواوين للحفاظ على مصالح عامة الناس الخاضعين لسلطة التنظيم.
يسجل للجنة المفوضة «السابقة» نجاحها في مسك زمام الأمور وعدم السماح بسيادة حالة «فوضى شرعية» داخل صفوف التنظيم بعد مقتل الشرعي تركي البنعلي الذي أحدث غيابه فراغا واضحا على الساحة الشرعية؛ وسجنت وحاكمت العشرات ممن يتوقفون في مسألة «تكفير العاذر» من أتباع تيار «البنعلي» مقابل صعود واضح لأنصار تيار «الحازمي» في مواقع المسؤولية الحساسة داخل التنظيم للحد من «المخالفات الشرعية» كما تصفها اللجنة المفوضة السابقة.

الانشقاق الأول

في 8 سبتمبر/أيلول 2017 أصدر أبو عبد الرحمن الزرقاوي بيانا باسم اللجنة المفوضة بصفته أميرا عليها ليحسم الجدل الدائر بين أنصار التنظيم حول صحة الخبر المتداول والمختَلف عليه من اختيار الزرقاوي على رأس اللجنة بعد فترة من خروجه من السجن بتهمة مخالفة تعليمات اللجنة المفوضة التي كانت تحت سيطرة التيار «الحازمي» الذي خاض كبار رموزه مناظرات عدة مع الزرقاوي انتهت بإيداعه السجن من قبل اللجنة السابقة؛ وتشير تغريدات لحسابات تابعة لأنصار تنظيم «الدولة» إلى ان أوامر أصدرها أبو بكر البغدادي بإلغاء العمل ببيان 17 أيار/مايو الصادر عن اللجنة المفوضة السابقة وعزل الشرعيين العاملين فيها ممن يدينون بمنهج «الحازمي» وعدم الإفراج عنهم ما لم يعلنوا توبتهم من «عقيدة الخوارج».
وأشار بيان اللجنة المفوضة الأخير إلى ان بيان 17 أيار/مايو كان مليئا بالأخطاء العلمية التي تسببت بالانقسامات بين صفوف «المجاهدين» والمسلمين عموما؛ ويعد تشكيل اللجنة المفوضة الجديدة من قبل تيار «البنعلي» وسجن أو اعدام رموز تيار «الحازمي» انتصارا للتيار الأقل تشددا داخل تنظيم «الدولة» الذي أقدم على سجن «رؤوس الغلو» حسب توصيفات يطلقها أنصار التنظيم في مواقع التواصل الاجتماعي مع إشارات إلى تيار ثالث لا يزال قيد النمو يعد الأكثر تشددا والذي لا يتوانى عن تكفير أمير التنظيم أبو بكر البغدادي إضافة إلى تكفير تياري الحازمي والبنعلي؛ والتيار الثالث هو تيار محدود العدد والامكانيات وهو خارج سلطة تنظيم «الدولة» ويمكن ان يمثل حالة الانشقاق الأول في صفوف التنظيم.
ضمت اللجنة المفوضة السابقة كل من أبو اسحق العراقي وأبو حفص الجزراوي وأبو مرام الجزائري وعبد الناصر العراقي الذي كان أميرا لها والذي أصدر بيان 17 أيار/مايو المكون من سبع صفحات توسعت في مسائل «التكفير» حمل عنوان «ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينة» كفّر به قيادات سابقة في التنظيمات الجهادية مثل أبو مصعب الزرقاوي وأبو حمزة المصري وأبو عمر البغدادي فيما لوّح إلى تكفير أمير تنظيم «الدولة» أبو بكر البغدادي في حال عدم توافقه مع بيان اللجنة.
لكن وفقا لمعلومات منشورة على بعض قنوات التليغرام التابعة لمناصري التنظيم، أشاعت قيام البغدادي باستدعاء أبو مرام الجزائري وأبو حفص الجزراوي وأبو عبد الرحمن الشامي (الزرقاوي) لعقد مناظرات شرعية بين هذه القيادات الشرعية المتنازعة فكريا والتي انتهت إلى سجن عدد منهم، فيما تم اختيار أبو عبد الرحمن الزرقاوي أميرا للجنة المفوضة الجديدة؛ لكن أنباء تداولها أنصار التنظيم في 12 أيلول/سبتمبر تشير إلى اعدام أربعة من القيادات الشرعية في تيار «الحازمي» دون ان يتم التأكد من صحتها، وهم أبو مرام الجزائري وأبو أسماء التونسي وأبو داود المغربي وأبو حفص الجزراوي؛ واعتقال عدد من الإعلاميين المشرفين على مجلة «النبأ» التي تأخرت عن الصدور في موعدها المحدد.
تبقى الخلافات داخل تنظيم «الدولة» أو أي تنظيم مشابه له محصورة في نطاق ضيق من التأثير على البنية الأساسية للتنظيمات ذات التطلعات العابرة للحدود والتي وجدت لتبقى طالما تتغذى على ايديولوجيات تستمد شرعيتها من الإسلام وتنمو في ظل شيوع الظلم وعدم معالجة الأسباب التي أدت إلى ظهورها بشكل جذري وسيظل العنوان الأبرز يعتمد على الصراع من أجل البقاء وغض الطرف عن كل ما من شأنه ان يؤدي بها إلى الزوال، وفي أسوأ الأحوال سيجد القائمون على هذه التنظيمات ما يكفي للظهور بشكل متجدد ونسخ جديدة غير مكررة في العادة.

تنظيم «الدولة» يحسم الصراع للتيار الأقل تشددا وتيار ثالث يكفر الجميع

رائد الحامد

- -

3 تعليقات

  1. كأني اعيد قراءة التاريخ الاسلامي من جديد و حكايات الخوارج التي تتغنى ببطولاتهم و شجاعتهم التي ابهرت خصومهم و لكن ايضا غلوهم و استباحتهم للدماء ،تنظيم الدولة ومعه التنظيمات الجهادية الأخرى استنسخ تجربة الخوارج التي ما كان لتكتب لها النجاح و تستمر لأنها قائمة على تكفير المجتمع و سفك الدماء،ستنتهي هذه التنظيمات أن اجلا او عاجلا بعدما تكون قد أصابت الجسد العربي بكثير من الاعطاب و تبقى ذكرى تحكى عنها الحكايات و عموما ستكون حكاية بغيضة تروى للاتعاظ منها…

  2. شكراً للمعلومات الموسعة عن ما يجري بتنظيم داعش الخارجي
    يجب على الإسلاميين إختيار الوسطيين منهم وليس الغلاة والتكفيريين
    كالدكتور حُذيفة بن المجاهد عبد الله ابن عزام المحارب لفكر القاعدة وداعش
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. يلاحظ أبسط المتابعين أن جميع تيارات “الغلو” و”التكفير” إنما هي نتاج المدرسة “السلفية” التي لن تكن إلا منتج الدولة السعودية الرسمية تحديداً.. والتي امتطت مبكراً حركة محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية المتشددة.. ونفخت في أدبياتها وفقهها المنغلق فجعلته منهج التعليم والتثقبف والـ”الدعوة” لعقود.. وروّجت له ولأتباعه وأنفقت المليارات على ذلك…. لتبسط من خلال ذلك سطوتها وتشرعن وجودها ممثلاً لدولة الخلافة البديلة التي سقطت بسقوط الدولة العثمانية بدايات القرن العشرين.. وما ذلك إلا استباقاً ممنهجاً لظهور كيان إسلامي حقيقي يؤمن بالوسطية ويسوس بالعدل ويحمي الدين والمؤمنين كما هو واجب من يقود أمة الاسلام… وما تبدلات الوجه السعودي الرسمي تجاه الإسلام مفهوماً وممارسة إلا دليل على أن المسرحية لم تنته وفق ما أراد المخرج أو المخرجون… وأن الممثلين لم يلبثوا أن خرجوا عن النص الرسمي.. وورطوا المخرج والمنتج بما لم تحمد عقباه!!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left