من تطلعات الاستقلال إلى خسارة كركوك وموقف تفاوضي أضعف

سامان نوح

Oct 21, 2017

خلال ساعات فرض الجيش العراقي مدعوما بفصائل الحشد الشعبي سيطرته على مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي كانت تخضع لسلطة حكومة إقليم كردستان منذ انسحاب الجيش منها في حزيران/يونيو 2014 إثر هجمات تنظيم «داعش». وظلت المدينة المتنازع عليها تدار بشكل منفرد رغم دعوات حكومة بغداد المتكررة بتشكيل إدارة مشتركة فيها يكون للعرب والتركمان الذين يعيشون إلى جانب الكرد دور في صنع القرار فيها.
السيطرة السريعة جاءت بعد انسحاب وحدات من البيشمركه من مواقعها في محيط كركوك دون قتال، التزاما بأوامر وجهت لها من قياداتها التي عقدت تفاهمات مع بغداد، فيما دخلت وحدات أخرى في قتال غير متكافئ مع وحدات عراقية لعدة ساعات انتهى بخسائر كبيرة، ما أدى في النهاية إلى انهيار الخطوط الدفاعية والانسحاب الكامل من المدينة ومحيطها.
سيطرة الجيش والحشد على كركوك دفعت عشرات الآلاف من الكرد للنزوح عنها سريعا (قدرتهم جهات دولية بأكثرمن 65 ألف شخص) بتجاه أربيل والسليمانية خوفا من المعارك والفوضى أو من «انتقام الحشد» اعتمادا على أخبار وشائعات عن تجاوزات عديدة حصلت بحق الكرد في المدينة وفي بلدة طوزخورماتو القريبة التي سيطر عليها الحشد والتي ذكرت تقارير وشهود ان عشرات من بيوتها تعرضت للحرق.
الانسحابات غير المنظمة للبيشمركه والنزوح الكبير للأهالي، دفع باتجاه استمرار تقدم الجيش والحشد وفرض سيطرته على مناطق واسعة ظلت خاضعة طوال سنوات لسلطة الكرد المطلقة مثل مخمور القريبة من أربيل، وسنجار التي تقع غرب نينوى وتشكل غالبية حدود الإقليم مع سوريا، إلى جانب خانقين على الحدود مع إيران، وتم في كل تلك المناطق فرض إدارة جديدة بعد تفاهمات سريعة على إعادة انتشار القوات العراقية كما قوات البيشمركه في حدود تمركزها عام 2003 أو حدود انتشارها في 2014.

تبادل اتهامات

المنصات الإعلامية للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، اتهمت بعض قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني بالخيانة وتسليم المدينة للجيش العراقي بعد اتفاقات حصلت على عدم القتال، متحدثة عن اتفاق جرى بتخطيط إيراني وتنسيق تركي وموافقة أمريكية ضمنية، بين زعيم منظمة بدر هادي العامري وبافل طالباني نجل الأمين العام الراحل للاتحاد الوطني جلال طالباني. وهي اتهامات رفضها الاتحاد الوطني وقال عدد من قادته انه كان من المستحيل الدفاع عن المدينة في مواجهة قوة عراقية كبيرة ومحترفة ومزودة بأفضل السلاح، وان قرار التخلي عن القتال جاء لمنع سقوط آلاف القتلى وتدمير المدينة. وتساءل المتحدث باسم الاتحاد الوطني سعدي بيرة: إذا كنا قد استسلمنا وخنا قضيتنا في كركوك فلماذا لم تقاتل وحدات الحزب الديمقراطي في المدينة ولماذا انسحبت لاحقا من مخمور وسنجار؟ وأشار بيرة إلى ان المقاومة كانت غير مجدية بعد الاتفاق العراقي الإيراني التركي، وان الأوضاع في كركوك تتجه إلى الاستقرار وسيتم اختيار محافظ كردي جديد.
بينما ذكر العديد من قادة الاتحاد في كركوك والسليمانية ان كل ما جرى هو بسبب القرار الخاطئ في إجراء استفتاء الاستقلال رغم اعتراض بغداد والدول الإقليمية والمجتمع الدولي عليه، مؤكدين ان كركوك تدفع ثمن الإصرار على ذلك القرار الذي اعترض عليه معظم قيادة الاتحاد لكن دون جدوى.
فيما اكتفى رئيس الإقليم مسعود بارزاني بالقول، وفي بيان قصير ان «ما حصل في معركة كركوك، كان نتيجة لقرار انفرادي اتخذه بعض الأفراد التابعين لجهة سياسية داخلية في كردستان، وانتهت نتيجة هذا القرار بانسحاب قوات البيشمركه بهذا الشكل والطريقة التي رآها الجميع». وأضاف انه نتيجة لهذا الانسحاب تحول خط التماس الذي تم الاتفاق عليه قبل عملية تحرير الموصل في 2016/10/17 بين بغداد وأربيل إلى أساس للتفاهم حول كيفية نشر القوات العراقية والقوات الكردية في إقليم كردستان.

الأوضاع في كركوك

تشهد كركوك وضعا أمنيا غير مستقر، مع مخاوف الأهالي من إندلاع اشتباكات بين القوى التي تدفع في إتجاه المواجهة مع القوات العراقية وفصائل الحشد الشعبي التي ما تزال تحتفظ بوجود لها في بعض مناطق المدينة رغم إعلان الاتفاق على سحبها بشكل كامل، خاصة مع دعوات قنوات إعلامية تابعة للحزب الديمقراطي المواطنين الكرد إلى التحرك لدعم ما تصفه بـ»انتفاضة شعبية في خانقين وكركوك ضد الحشد الذي يقوم بعمليات استفزازية وانتهاكات لحقوق المواطنين الكرد والتركمان».
ونقلت مؤسسات إعلامية تابعة للديمقراطي أخبارا عن «نجاح مئات المنتفضين في طرد الحشد» من خانقين مساء الأربعاء، وذلك بعد ساعات من إعلان رئيس الوزراء حيد العبادي بدء عملية سحب الحشد من معظم المناطق المتنازع عليها والاكتفاء بتواجد وحدات للجيش وبالتنسيق مع القادة الكرد. في وقت يقول الحزب الديمقراطي انه الآن يعيد تنظيم قواته ونشرها بالتنسيق مع الحكومة العراقية والتحالف الدولي ووفق اتفاقات جديدة.
قد تتغير عمليات إعادة الانتشار على الأرض في بعض المناطق عدة مرات قبل ان تستقر، وقد يضطر الجيش العراقي إلى الانسحاب من بعض المناطق المتنازع عليها وعدم التمدد كثيرا خاصة انه لا يملك القوات الكافية للسيطرة وبسط الأمن على تلك المساحات الكبيرة التي انسحب منها البيشمركه، ولا يمكن توريط الحشد بنشره في تلك المناطق لأن ذلك سيولد تشنجات وعمليات تجييش واعتراضات من أربيل ومن واشنطن كما من أنقرة.

تحت سقف الدستور

بعد التطورات السريعة في كركوك والتي أنهت عمليا آمال المضي في عملية الاستقلال، خاصة مع فقدان قيادة الإقليم لنحو نصف الأراضي التي كان يسيطر عليها (المناطق المتنازع عليها) ونحو نصف صادراته النفطية أيضا، دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الكرد إلى الحوار وقال «الاستفتاء الآن انتهى وأصبح من الماضي، أدعو للحوار تحت سقف الدستور».
ووافق الإقليم سريعا على تلك الدعوة، وجاء في بيان صدر عقب اجتماع لحكومة الإقليم ان مجلس الوزراء «رحب بمبادرة السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الاتحادي الفدرالي، لبدء المفاوضات مع حكومة الإقليم من أجل حل القضايا العالقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية وفق الدستور، وضمن مبدأي الشراكة والتوافق» ودعا المجتمع الدولي إلى المساهمة والمساعدة في رعاية الحوار بين الجانبين.
ويرى كتاب كرد ان العبادي وبدعم أمريكي سيعمل على تخفيف التوتر مع الكرد وفتح صفحة جديدة، وسيقوم بكل ما يستطيع لبسط الأمن في كركوك بالتنسيق مع الاتحاد الوطني، فالفوضى والتحشيد هناك سيحملان نتائج كارثية على الجميع وقد تدخل المدينة في دوامة الحرب الأهلية، مشيرين إلى ان العبادي لن يمارس سياسة عدائية ضد الكرد لأنه في حاجة إليهم بعد ستة أشهر مع خوضه الانتخابات البرلمانية في مواجهة المتشددين الشيعة.

الحوار الصعب

مع الانقسامات الحادة في البيت الكردي وتبادل الاتهامات بشأن من يتحمل ما حصل، والتحذير من انقسام الإقليم إلى إدارتين والذي حذر منه القيادي الكبير في الاتحاد الوطني ملا بختيار، طالبت حركة التغيير والجماعة الإسلامية وقوى أخرى بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تتولى إدارة الإقليم بعد فشل القيادة الحالية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، إلى جانب توليها مهمة التحضير للانتخابات البرلمانية (التي ستتأخر عن موعدها المقرر في 1 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل) فضلا عن مهمة الحوار مع بغداد.
لكن تشكيل تلك الحكومة أمر في غاية الصعوبة، فهو يتقاطع مع رغبة الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني في الاستمرار في السلطة من خلال تمديد عمر البرلمان شبه المعطل لنحو عامين، إضافة إلى تمديد فترة استمرار بارزاني في الرئاسة، ليتولى الطرفان مجددا تشكيل وفد للتفاوض مع بغداد وهو السيناريو الأرجح، خاصة ان وضع الإقليم لا يحتمل حدوث فوضى إضافية.
ولا يرغب الأمريكيون في دورهم في تغيير القيادة الحالية في كردستان وهم في العموم لن يتخلوا عن الكرد وسيعودون لمساعدتهم، بعد ان لقنوهم «درسا قاسيا» بسبب إصرارهم على الاستفتاء. الحاجة الأمريكية للتعاون الكردي ما تزال أساسية لتحقيق التوازن السياسي في العراق في مواجهة إيران، وهم سيفرضون على كل اللاعبين خطوطا حمراء جديدة ستُعرف خلال أسابيع.
باختيار قيادة جديدة مستقبلا أو باستمرار القيادة الحالية في الحكم في كردستان، فإن التفاوض مع بغداد سيكون صعبا ومعقدا وطويلا ولن يحصل الكرد إلا على جزء من مطالبهم، فإذا اختاروا المضي إلى بغداد للتفاوض بالوجوه الحالية فهي ستذهب ومعها شعورها بالهزيمة، وإذا تشكل مجلس قيادة جديد فسيكون ضعيفا ويحتاج إلى وقت طويل لتثبيت وجوده وفرض مطالبه.
رغم ذلك فإن القادة الكرد ما زالوا يملكون عددا من أوراق الضغط واللعب الجيدة كالدعم السني والموقف التركي المتحفظ من تزايد النفوذ الإيراني، والحاجة الأمريكية لوجودهم، وهذا في مجمله قد يعيد لهم شيئا من الخسائر الكبيرة التي حصلت، لكن ذلك سيرتبط أولا وأخيرا بوحدتهم ونجاحهم في حل أو على الأقل تنحية مشاكلهم جانبا وتشكيل قيادة واحدة للتفاوض والتعامل مع بغداد وإلا فانهم سيخسرون أكثر وأكثر.
في كل الأحوال هناك أمنيات كثيرة سقطت خلال ساعات، ولا بد من مراجعات كردية شاملة. مراجعات لا تعتمد على الطموحات الشخصية وأحلام القادة الذين ثبت خطأ قراءتهم للواقع الإقليمي والدولي، لكن وفق التجربة كل الأحزاب الكردية تتجنب المراجعة والتصحيح والإصلاح إلا إذا كانت مجبرة ومهددة في وجودها.

من تطلعات الاستقلال إلى خسارة كركوك وموقف تفاوضي أضعف

سامان نوح

- -

4 تعليقات

  1. هذا ما جناه البرزاني على شعبه
    فالنزعة السلطوية أعمت بصيرته!
    أما النزعة القومية فقد كانت غطاء
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الى الأخ الكروي داوود… من أسبوعين وانت تنوح على كردستان, ما الذي حصل؟, كردستان ومنذ البداية تعني المحافظات أربيل سليمانية دهوك, واذا كان الاكراد قد توهموا يوما بانهم سيكسبون الرهان على أراضي استولوا عليها في غفلة من الزمن عبر العنتريات فقد سقط هذا الرهان والى الابد وكما يقولون رحم الله امروا عرف قدر نفسه. انظر للأمام اخي داود فالعراق الموحد هو املنا نحن العراقيين جميعا فكردستان هي جزء من العراق ولا يعلو العين على الحاجب.

    • حياك الله عزيزي صلاح وحيا الله الجميع
      عن أي عراق تقصد يا أخي ؟ العراق الذي يحكمه سليماني وميليشياته أم العراق الذي يحكمه الفساد ؟
      قارن بين بغداد وأربيل وأنت تفهم قصدي !
      ولا حول ولا قوة الا بالله

  3. تحياتي لك اخي الكروي…ومن يحكم كردستان اذا كانت هذه الجزئية هي صلب الموضوع؟. كما ان المقارنة بين بغداد واربيل غير جائزة لان أربيل ازدهرت بأموال العراق ولا تنسى بان الاكراد مشتركون في حكم العراق بمعنى انهم مشتركون في الفساد الحكومي في الدولة العراقية وراضون بحكم سليماني وميلشياته وحتى قبل الازمة الحالية كانوا يحتفون بسليماني كمنقذ لهم من داعش. لذا اقولها ثانية انظر الى الامام فهؤلاء السراق سواء في الحكومة العراقية او في الإقليم مصيرهم في مزابل التاريخ ونحن العراقيون الشرفاء من كل القوميات والاطياف والمذاهب من سيبني المستقبل.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left