إقليم كردستان بعد عاصفة كركوك

صادق الطائي

Oct 21, 2017

بدت التداعيات متسارعة، تنذر بخطر اشتعال الحرب بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، لكن ما حصل من سيطرة سريعة للقوات الحكومية على مدينة كركوك الغنية بالنفط أذهل المراقبين. تبع ذلك تحرك متسارع للقوات الاتحادية للسيطرة على كل المناطق المتنازع عليها في محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى. وفي غضون يومين من العمليات التي سمتها بغداد إعادة انتشار القوات الاتحادية وصل الأمر إلى خسارة حكومة الإقليم ما يعادل 50 في المئة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها قبل منتصف تشرين الأول/اكتوبر الجاري، حيث تراجعت قوات البيشمركه الكردية إلى ما يعرف بالخط الأزرق أي حدود الإقليم قبل 9 نيسان/ابريل 2003 المحددة في المحافظات الثلاث السليمانية وأربيل ودهوك فقط. كيف حصل الانهيار في قوات البيشمركه؟ وهل تم الأمر بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية؟ وهل قاد التحرك الأخير جنرالات إيرانيون كما أدعت بعض الجهات الكردية؟ كل تلك الأسئلة طرحت في الأيام القليلة الماضية وتضاربت الإجابة عليها، وانفتح أفق التحليل على العديد من التكهنات ونظريات المؤامرة.

كيف أبتدأ السيناريو؟

بعد اتمام تحرير قضاء الحويجة ومناطق جبال حمرين وما تمثله من كونها آخر الجيوب التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش» شمال العراق، تغيرت خريطة القوى على الأرض، ومع تداعيات الاستفتاء الكردي الذي تم في 25 ابلول/سبتمبر الماضي، وفي محاولة لتحجيم التحرك المندفع لحكومة الإقليم، بدأ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في تطبيق مجموعة خطوات تستند إلى الدستور والقوانين الاتحادية، الغاية منها تقليم نفوذ حكومة الرئيس المنتهية ولايته مسعود بارزاني ووضعها أمام استحقاقاتها التي فرضتها على شعب كردستان، وكانت هذه الخطوات تسير بشكل تصاعدي ومتسم بالهدوء والعقلانية، بدءا بالمطالبة بإدارة المنافذ الحدودية وفرض السيطرة على مطاري أربيل والسليمانية التي اوقفت عنها الرحلات الدولية بأمر من السلطة الاتحادية، وصولا إلى الفقرة الأهم والتي توقع المراقبون انها ستكون القشة التي ستقصم ظهر العلاقات بين أربيل وبغداد وربما ستتسبب في إشعال الحرب بين الطرفين، وهي محاولة إعادة السيطرة على حقول النفط ومحطات الضخ في كركوك.

وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية

يرى العديد من المحللين السياسيين ان الولايات المتحدة كانت قد حذرت حكومة الإقليم وبارزاني شخصيا قبيل الشروع بالاستفتاء الذي قاد إلى كل هذه الأزمات، وكانت الآراء تلوم الأكراد لأنهم لم يحتكموا إلى نصيحة الأمريكان وما قدموه لهم من بدائل، وأصروا على إجراء الاستفتاء، ما جعل الأمريكان يعطون الضوء الأخضر لحكومة بغداد أن تتحرك بحرية وتعيد سيطرتها على المناطق المتنازع عليها. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد سيطرة القوات العراقية الاتحادية على محافظة كركوك وإحكام انتشارها في الحقول والمنشآت النفطية ومطار المدينة العسكري، أن بلاده «لا تنحاز لأي طرف» في الأزمة بين الأكراد وحكومة بغداد. وواصل حديثه في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض قائلا: «لقد أقمنا علاقات جيدة مع الأكراد منذ سنوات عديدة كما تعلمون وكذلك مع الجانب العراقي رغم أنه ما كان يجب أن نذهب إلى هناك».
وقال متحدث باسم البنتاغون إن استعادة السيطرة على كركوك من قبل القوات العراقية كان ضمن «حركات منسقة وليس هجمات». كما نفى المتحدث باسم قوات التحالف العقيد راين ديلون في تصريح صحافي يوم الاربعاء18 تشرين الأول/اكتوبر الجاري وجود قوات إيرانية أو وحدات غير عراقية في كركوك، مشيرا إلى أن الجيش العراقي هو الأفضل في الشرق الأوسط. وقال إن «ما حدث في كركوك هو إعادة انتشار طبيعية للقوات العراقية والشرطة الاتحادية» مؤكدا أن القوات العراقية مهنية ومنظمة ومنضبطة وتثير إعجابنا بأدائها دوما، وهي الآن الأفضل في الشرق الأوسط وكانت حريصة على المدنيين والبيشمركه. وأكد ديلون، أنه «لا توجد قوات إيرانية أو وحدات غير عراقية في كركوك، حسب ادعاء وسائل إعلام من أربيل، التي كانت غير راضية على انتشار القوات العراقية في كركوك».

السيناريو الخفي

وتبقى الأسئلة المعلقة الآتية، هل كانت هنالك سيناريوهات مخفية في ما حصل في كركوك؟ وماذا حصل في اجتماع دوكان قبل ساعات من دخول الجيش العراقي لكركوك؟ وهل حمل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، الذي حضر اجتماع دوكان مع قيادي حزبي الديمقراطي والاتحاد الكردستانيين، مشروع اتفاق إلى بغداد لكن بغداد رفضت الاستماع له؟ كل تلك الأسئلة تحوم حتى الآن دون إجابات واضحة. النائب عن حركة التغيير الكردية في البرلمان العراقي، مسعود حيدر، أعلن في وقت مبكر من الأزمة إن هناك اتفاقا أبرمه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع الحشد الشعبي برعاية إيرانية، ينص على «تسليم كركوك للحكومة العراقية وتقسيم إقليم كردستان». حيث أوضح حيدر، عبر منشور له على صفحته الرسمية على فيسبوك يوم الإثنين 16 تشرين الأول/اكتوبر الجاري، أن «الاتفاق أُبرم بين بافل طالباني نجل زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الراحل جلال طالباني، وهادي العامري، قائد منظمة بدر وأحد أهم قياديي الحشد الشعبي، عقب إجراء استفتاء استقلال كردستان نهاية الشهر الماضي، وكان بإشراف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وتكون الاتفاق من 9 نقاط». لكن مسعود حيدر سرعان ما نفى الأمر، وادعى انه ترجم نصا اطلع عليه فقط ولم يتأكد من مصداقيته قبل نشره في صفحته ونفى علمه بالأمر جملة وتفصيلا.
لكن الخطاب الرسمي الذي وجهه رئيس الإقليم مسعود بارزاني بعد الأزمة إلى «الرأي العام في كردستان والعراق والعالم» حمَل فيه ما حصل طرفا كرديا داخليا حين قال؛ «ما حصل في معركة كركوك، كان نتيجة لقرار انفرادي اتخذه بعض الأفراد التابعين لجهة سياسية داخلية في كردستان، وكانت نتيجة هذا القرار انسحاب قوات البيشمركه بهذا الشكل والطريقة التي رآها الجميع، ونتيجة لهذا الانسحاب تحول خط التماس الذي تم الاتفاق عليه قبل عملية تحرير الموصل في 17 تشرين الأول/اكتوبر 2016 بين بغداد وأربيل إلى أساس للتفاهم حول كيفية نشر القوات العراقية في إقليم كردستان».

رد الاتحاد الوطني والانشقاق الكردي

ونفى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الاتهامات التي وجهت له عبر تصريحات عنيفة، جاءت يوم 16 تشرين الأول/اكتوبر الجاري على لسان قائد جهاز مكافحة الإرهاب لاهور شيخ جنكي الطالباني، وهو ابن أخ الرئيس السابق جلال طالباني، حيث قال؛ «لن ندفع أبناءنا للموت من أجل كرسي مسعود بارزاني، والهدف من إجراء الاستفتاء في كركوك كان لإخراجها من سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني». وأضاف «بينما كنا منشغلين في حماية الشعب الكردي، كان الديمقراطي يقاتل من أجل النفط، وفي الوقت الذي كان بيشمركه الاتحاد الوطني الكردستاني يقاتلون من أجل الدفاع عن كركوك، إلا أنهم تعرضوا للخيانة» وقال أيضا، ان «هذه المعركة لم تكن من أجل الدفاع عن كركوك وانما من أجل النفط وأبناء بارازني».
وأعتبر نائب رئيس إقليم كردستان، النائب الأول للأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، كوسرت رسول علي، الأربعاء 18 تشرين الأول/اكتوبر الجاري في بيان صحافي حاد اللهجة، ان ما تشهده كركوك يعتبر «أنفالا آخر ضد الكرد» وأن «بعضا من قليلي الفهم في الاتحاد الوطني يتحملون مسؤولية كارثة المحافظة» مشيرا بطريقة ملغزة إلى بافل طالباني وجناحه في الحزب. وأضاف أن «عدداً من الأشخاص الذين انحرفوا عن نهج الاتحاد الوطني الكردستاني وقليلي الفهم دخلوا للتاريخ من بوابة العار».
ومع هذا التصعيد الخطير المنبئ بالانشقاق الواضح في الموقف الكردي، بدأت الاتهامات توجه للحزب الديمقراطي أيضا، خصوصا بعد انسحاب بيشمركه الديمقراطي الكردستاني من قضاء سنجار وسد الموصل ومدن سهل نينوى التي سلمتها للقوات العراقية. فقد صرح على اثر الانسحابات الأخيرة فاضل ميراني سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني في لقاء تلفزيوني قال فيه «ان انتشار القوات العراقية استند على تنسيق سابق مع بغداد». وأضاف «كان هناك اتفاق بين البيشمركه مع رئاسة أركان الجيش والدفاع العراقية في اجتماع عقد في 29/9/2016 رسم خط باسم 17/10/2016 وهو الخط الذي سيطرت فيه قوات البيشمركه على المناطق قبل معركة الموصل. ما جرى ان القوات العراقية أعادت انتشارها في هذه المناطق. ومع لغة المنطق والحوار والانتماء الوطني فلا مشكلة لدينا فهذه أرض عراقية». وقال «ما زلنا في بلد واحد ونرتبط بماض وحاضر مشترك. وأنا أعتز بعراقيتي طالما كردستان غير مستقلة». وأضاف «ان أربيل مدينة عراقية مثل السماوة والناصرية. وليست هناك أرض عراقية وغير عراقية. فالاتفاق الذي جرى يخص تماس القوات العراقية». ونستطيع ان نقرأ بوضوح في هذا التصريح تراجعا في الموقف الكردي الرسمي ومحاولة تهدئة تجاه حكومة بغداد.

الدور الإيراني والتركي

أتهمت العديد من الجهات الكردية في الإقليم الإيرانيين انهم قادوا التحركات الأخيرة في ما سموه اجتياح كركوك، وصرح نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي لمحطات تلفزيونية عربية ان الرئيس مسعود بارزاني أبلغه ان جنرالا إيرانيا يقود القوات العراقية التي تحاصر كركوك، بينما نفت إيران الأمر وبشدة، كما جاء الإعلان الأمريكي مؤيدا للنفي الإيراني، حيث قال الجيش الأمريكي إنه تلقى روايات متباينة تفيد بمقتل ما بين ثلاثة و11 شخصا في اشتباك وقع يوم الاثنين 16 تشرين الأول/اكتوبر بين القوات العراقية والكردية. وأقر المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بمحدودية قدرة الولايات المتحدة على جمع معلومات ميدانية بشأن المواجهة بين الطرفين الحليفين لواشنطن. وأضاف أيضا أنه ليست لديه معلومات عن وجود وحدات للحرس الثوري الإيراني داخل مدينة كركوك العراقية وحولها على الرغم من إشارة تقارير من كردستان العراق تفيد بذلك.
وأفادت الأخبار بتسليم معبر ابراهيم الخليل الحدودي بين تركيا والعراق للقوات العراقية، وان النية تسير باتجاه فتح معبر حدودي جديد بعد ان سيطرت القوات العراقية على مناطق سنجار وتلعفر وربيعة غرب الموصل، وان المعبر الجديد سيربط الموصل بتركيا بشكل مباشر. ومع سيطرة بغداد على المنشآت النفطية في الإقليم وعلى المنافذ الحدودية مع إيران وتركيا تكون قد قوضت أو على الأقل أجلت ولأمد بعيد حلم الدولة الكردية وهذا ما سعت له حكومات بغداد وطهران وأنقرة.

إقليم كردستان بعد عاصفة كركوك

صادق الطائي

- -

3 تعليقات

  1. ” بعد اتمام تحرير قضاء الحويجة ومناطق جبال حمرين وما تمثله من كونها آخر الجيوب التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش» شمال العراق، تغيرت خريطة القوى على الأرض، ” إهـ
    لم تتمكن أي قوة بالعراق من تحرير جبال حمرين العصية حتى على الأمريكان
    والسبب هو بوعورتها ووحدة العشائر السُنية فيها منذ مئات السنين !
    فهي التي وقفت ضد التمدد الصفوي بالعراق لمئات السنين
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. تحليل واقعي ومنطقي.

    غاية مسعود هو تأسيس دولة برزانية وليس كردية فهو يسعى لان تكون زمرته وبالخصوص عائلتة على رأس هرم السلطة بدون منازع وما كان استيلاءه على كركوك وثروتها وسهل نينوى الا لكي يعزز ويضمن هذا ولتكن دولة قومية ثرية تنافس الامارات او قطر في تنميتها وتفوفها المعماري وبناها التحتية. هذه الحقيقة كان لها رنين عندما وعد مسعود مستشاريه الصهاينة والأوربيين والامريكان(كوشنة, برنارد لفي, جون مكين واخرين) المتعونين معه والمستفيدين منه بان كردستان او بالاحرى برزانستان ستكون احسن من أمارة دبي

  3. كوسرت رسول وصف ما حدث في كركوك أنه ” أنفال آخر” …أجمعت كل التقارير و الأخبار أن العمليات الأخيرة شهدت أقل الضحايا …فإن كانت تلك الأنفال كهذه ، فأين قبور ال ١٨٠٠٠٠ من الضحايا اللذين طويلاً ذكروا أنهم سقطوا في عمليات الأنفال الأولى . هذا ليس دفاعاً عن النظام السابق و لكن عن الحقيقة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left