النظر إلى المرآة واجب على الأكراد

براء صبري

Oct 23, 2017

تلقيت العديد من الرسائل من الأصدقاء يستفسرون عن ما حدث في كركوك من تقدم مفاجئ للجيش العراقي والحشد الشعبي أمام قوات البيشمركه في الأيام الماضية. التقدم الذي شكل صدمة للجميع، وجعل الكل في حالة ذهول. ما حدث لم يكن وليد مفاجئة، ولم يأت من لا شيء. هذا العالم له تجربته التي يستحق من الفرد الوقوف عليه من خلال الإطلاع، ومن خلال النظر فيه، وفهم العبر منه. الأكراد كشعب مرير الذاكرة واحد من هذه الشعوب الذي يحتاج قراءة ذاكرة الآخرين، وقراءة دفاتر جواره، وشركائه، وذاته قبل كل هؤلاء بالطبع.
الكآبة العابرة للحدود، والتي خيمت بظلالها على جميع الأكراد في الدول التي يتوزعون فيها، وفي دول المهجر شعور طبيعي لواقع الحال. وهو شعور يوضح الرابط المتنامي بينهم كقاعدة يبنى عليها الهوية الشاملة، والتي تعرضت لمحاولات التشويه المستمر من الدول التي تحكمهم. الكآبة هذه جزء من مسيرة طويلة من ذاكرتهم المليئة بالتعدي الآتي من الآخرين المجاورين، ومن واقعهم الداخلي المتعب أيضاً. هذا حالهم والذي نعرف عنه الكثير.
ولكن، هل حال الذين يمرون بالزهو في بغداد أفضل منه؟ وهل ذاكرتهم ومستقبلهم أكثر إشراقاً؟
هذا ما لا يمكن التصديق عليه، وما لا يمكن اعتباره حقيقة. النكسات الآتية ستشمل المحيط كله، والنهوض كمسار مقبل سيكون عند الاعتراف بالحقائق مصير المُعترف، والذي نتمناه أن يكون الكرد كشعب لهم تاريخ طويل من الحرمان على يد الدول التي تحكمهم لعقود طويلة واحد من هؤلاء المعترفين الساعين لقراءة ذاتهم، والوقوف على مشكلاتهم، والوصول إلى حقوقهم المشروعة في الدول التي تقسم جغرافيتهم، وهويتهم الجمعية ككل.
مر الدخول العراقي لكركوك بعوامل كثيرة. كركوك التي لن ينتهي مصيرها النهائي بإنزال علم إقليم كردستان ورفع العلم العراقي ستشهد تغييرات مستمرة حتى ترسو على المصير المنشود كردياً. بغداد المنتشية بنصرها المفترض على الأكراد ليست متماسكة كما يظن البعض. عوامل التفكك السياسي ساطعة، وتوقيت ظهور هذا التفكك قريب، وهو تفكك موجود حالياً أصلاً.
مفهوم التشتيت على مشاكل الداخل بالتركيز على قضايا أخرى لم تنجح مع الحكومات العراقية وحكومات الدول في المنطقة ككل. العراق الذي نعرفه حالياً أصبح مخترق الهوى المذهبي. هواء «قم» يجتاح بغداد، والجنوب، ويحاول اجتياح المناطق السنية التي وصل الحال بها لتقبل واحدة من أشرس التنظيمات الإرهابية في العالم، لردع هواء قم الآتي من الشرق. التماسك السني الشيعي الذي حاول أن يظهره لنا الساسة في بغداد، وبدعم إقليمي من طهران وأنقرة، تماسك غير راسخ، ولين جداً. التجربة التاريخية في العراق تثبت أن الطرفين (السنة والشيعة) رغم استخدام الحكومات خيارات متعددة لطمس ذلك الخلاف المزمن منذ الملكية، ومروراً بالشيوعية التي تركز على عامل الطبقات المجتمعية، والبعث الذي حاول جمع الجميع تحت عباءة القومية ظلا على نقيض تام.
وأصبح بعد ظهور الأمريكان في العراق نقيضا داميا مخيفا وغير قابل للاندمال. وبالتالي، هذا التماسك قابل للانفساخ قريباً. العوامل التي استفاد منها بغداد لصالح تقدمه في كركوك وكامل المناطق المتنازع عليها متعددة، فبعد انتهاء معارك الإقليم مع تنظيم الدولة بعد تطهير مناطقه ومعظم المناطق المجاورة له منه مٌرر كل الدعم الغربي لبغداد على اعتبار أن باقي المناطق التي كان يقاتل العراقيون فيها هي مناطق تابعة للمركز باستثناء الحويجة.
أمريكا ترامب مع من يحارب تنظيم الدولة، وأمريكا مع الدول الفدرالية، وتحاول الاحتفاظ بالخرائط مخافة مجابهة وقائع قد لا تناسب سياساتها الخارجية، ولا يمكنها احتواؤها. وقرب الانتخابات في بغداد حتم على العبادي الذي يراقبه المالكي عن قرب إظهار هذه الشدة في التعامل مع الإقليم، والذي رفض كل دعوات التفاوض الصادرة من الإقليم، وواقع الإقليم المتعب اقتصادياً وسياسياً، والجغرافية المعادية كلها عوامل سببت ما حدث.
الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن القفز عليها أن هذه القضايا ليست مشاكل وقتية يمكن التغلب عليها بنصر هنا، وتقدم هناك. هذه المشاكل هي قضايا تتعلق بهويات مجتمعات تبحث عن ذاتها. ومستعدة لتحمل كل شيء عند ظهور الفرصة لتحقيق أهدافها. الهروب من مجابهة الحقائق بمعاركة ثانوية كالتي تحاول بغداد العمل عليها هو هروب مسقط لصاحبه عاجلاً أم آجلاً. مرت تركيا المجاورة للعراق بمراحل عدة كان الاقتصاد فيه منهكا ثم صاعدا ثم منهكا ثم صاعدا، وكانت تتلقى التغطية الكاملة من الغرب لوجود السوفييت، وظهرت فيها حكومات عسكرية وسياسية يمينية وغير يمنية وظلت لا تستطيع مجابهة مشكلتها الرئيسية وهي تقديم الحل لقضية الشعب الكردي هناك. وبقيت القضية الكردية مثار قلق مستمر لها. إيران مثلها وسوريا أيضاً.
قضية الأكراد في هذه الدول لا يمكن التعتيم عليها، والهروب منها. كما يحاول العبادي وغيره من ساسة العراق فعله في العراق. الحلول الدائمة لا بد أن تأتي، وغير ذلك عبارة عن تضييع للوقت وتكثير للدم. التقدم الوحيد الحقيقي والنصر الفعلي لبغداد لا يكون بالحصول على قاعدة عسكرية، والسيطرة على حقول نفطية، وإنزال علم الإقليم من مبنى، النصر والتقدم الحقيقي هما عندما تكون بغداد عارفة بحقيقة التباعد الكردي معها.
مهما تقلبت الظروف لا ينظر أكراد الإقليم لنفسهم على أنهم عراقيون. هذا واقع الحال الذي لا مفر منه وسيظهر مع كل فرصة مع بغداد المتمسكة بمن لا يريدون التمسك بها. كان من المهين لبغداد التبجح بقوة تركيا وإيران ضد الإقليم. مرحلة ما قبل الاستفتاء وبعده حتى مرحلة السيطرة على كركوك شكلت قناعات راسخة لدى الأكراد كانت موجودة أصلاً، وهي أننا لسنا جزءا من عالم هذا البلد الذي يفرح بتهديدات الجوار لنا! وهي بطبيعة الحال جزء من ثقافة الفشل في السياسات المديدة لدى دول المنطقة. كانت سوريا تجمع الدول المجاورة مع العراق للوقوف ضد الإقليم عندما كانت بعد سقوط الديكتاتور صدام حسين تشكل كيانها في العراق. أين سوريا الآن؟
العراق الجديد، وبصورة غريبة يحاول ان يُقلد الدول الثلاث المجاورة له، والتي لها باع طويل في قمع أكرادها في طرق ردعها للأكراد عن حقوقهم رغم أن ظروف العراق بعد إسقاط نظامه حتمت عليها لا عن قناعة وحب على تقبل ظهور كيان في الشمال. وهو حقيقة يدركها الأكراد، ويزيد من ريبتهم من بغداد، ويزيد من قناعتهم على بناء دولتهم لعله يشكل سور يحميهم.
النظر إلى المرآة واجب على الأكراد. دخول بغداد لكركوك نكسة أكيدة، ولكنها، ليست نهاية العالم. مر الناس في الإقليم بسنوات عجاف كبرى. كانت المدن الكردية ثكنات عسكرية تنتهك وجودهم. العودة إلى كركوك يحتاج إلى مراجعات شاملة في واقع الحال. لا رسوخ في عالم العراق. العملية التي حدثت كانت تعطيبا كبيرا لمسيرة أكراد العراق، وتعطيب يحتاج إلى وقت كبير لتصليحه.
ولكنه، جزء من تاريخ المجتمعات ككل. المهمة الرئيسية المطلوبة من الكرد في الإقليم هي مجابهة الواقع، والاعتراف بالحقائق للعمل على تجاوزها. رفض التنابذ السياسي جزء ملح من هذه المجابهة. يبدأ العمل ببناء القاعدة، والتركيز على عوامل معرفة نقاط الخلل العامة. التثبيط الحالي مؤقت على اعتبار الزهو في بغداد مؤقت. العراق المثالي الذي يعتقد البعض أنه سيتشكل عبارة عن رسمة غير قابلة للرسم. الحديث هنا ليس معناه هو التمني في زيادة شرخ ومشاكل الآخرين.
أبداً، بل هو حديث عن واقع الحال في العراق، والذي لا بد للساسة في الإقليم معرفته. واجب الإنصات للناس في الإقليم يقع على عاتق الجميع، والعمل على تجاوز مشكلاتهم، والتنمية الشاملة مطلب ملح في هذه المرحلة، وضرورة تعزيز الوحدة الداخلية أكثر مطلب وهي كلها أمور ليست سهلة بالطبع. ضرورة تجاوز المطب الحالي بصورة سليمة مستدامة هدف ملح على الكل التركيز عليه. واضح من واقع العراق وحتى الدول المجاورة لها أن النهوض غير مستحيل، ومتوفر إلى أبعد حدود. ولكن، المطلوب أن يكون هذا النهوض راسخا لأن كل فورة مؤقتة تأتي حسب ذاكرة التاريخ بنكسة أكيدة.

محلل وحقوقي وكاتب من سوريا

النظر إلى المرآة واجب على الأكراد

براء صبري

- -

1 COMMENT

  1. مقال ثمين وتحليل منطقى وواقعى وسليم ولطالما تعرض الكورد وعبر تاريخهم الدامى والمجيد الى مؤامرات ودسائس داخلية وخارجية وكانوا ضحايا غدر وخيانات وخلافات وصراعات داخلية ولكن وبكل الحسابات والمقاييس وبالرغم من وجود نواقص واخطاء وسلبيات وفساد الا ان حكومة الإقليم بمواردها وامكانياتها الضعيفة ومشكلاتها وازماتها العديدة حققت مكاسب وانجازات اكثر بكثير من حكومة المركز ووفرت الامن والأمان واستقبلت ما يقارب مليوني نازح في الوقت الذى فشلت حكومة المركز في تامين ابسط متطلبات الحياة الا وهو الامن والأمان في العاصمة ومدن وحواضر سنية كثيرة ودمرتها وحولتها الى انقاض واهدرت وبذرت وسرقت ميزانيات فلكية انقلبت اليوم على الكورد وشقت صفوفهم وابرمت صفقات معيبة ومخجلة مع ايران وتركيا وبقايا الحكومة االسورية لاخضاعهم واركاعهم واجبارهم للتخلى عن حقوقم المشروعة والعادلة تحية للكاتب على مقاله المنصف وموقفه الانسانى النبيل كثر الله من امثاله الشرفاء والمخلصين أصحاب الذمة والضمير الحى وللقدس العربى المزيد من التقدم والازدهار

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left