الميثولوجيا «المدرحية»: انطون سعادة ـ بشير الجميّل ـ ميشال عون

وسام سعادة

Oct 23, 2017

جاء حكم الإعدام «النهائي» و»الغيابي» في نفس الوقت، الذي أصدره المجلس العدلي على المحازبين القوميين الإجتماعييين، الحيّ منهما (حبيب الشرتوني) والميت (نبيل العلم)، في قضية اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل قبل خمسة وثلاثين عاماً، ليحرّك من جديد «الجدل حول بشير الجميّل» الذي لا يكاد يفتر حتى يتجدّد ويتسرّب من جيل إلى جيل في النطاق اللبناني.
وهو جدل لم يؤدّ في خطّه البيانيّ العام منذ 1982 إلى اليوم إلا لإضافة المزيد من الأسيجة العاطفية والذهنية والميثولوجية حول «قصّة بشير» في الإجتماع المسيحي اللبنانيّ. لا يقلّل من هذا أن يكون قاتلا بشير مارونيين. بل سهّل هذا من عملية تبرّعهما بعناصر ثمينة من «الأسطورة السوداء» (الأنتي بشيرية) لمدّ «الأسطورة التقديسية» (البشيرية) بأسباب الحيوية والإستمرار، بل تبرّعا بعناصر ثمينة من الأسطورة القومية الإجتماعية نفسها، أسطورة الزمن الدائري المتكرر، للبطل الذي ما أن يقترب من حبيبته حتى يغدر به الوحش في الخريف، في أيلول، لينتظر مجيئه في أواخر الربيع (عملياً يتجدّد الجدل حول بشير في لبنان كل عام، في أواخر حزيران، في ذكرى بدء الحصار على مخيم تل الزعتر عام 1976، ويرتفع في آب، في ذكرى سقوط المخيم، لينتقل من بعدها الجدل من استعادات 1976 إلى استعادات 1982، الاجتياح والانتخاب والاغتيال واقتحام بيروت والمجزرة).
فأسطورة الزعيم المهدوي الشاب للموارنة، النقيض لأيقونة مار جاورجيوس الخضر، كونه جمع خطاباً بين «القدسية» و»الشيطانية»، («نحن قديسو الشرق وشياطينه»، جملته التي ذهبت شعاراً)، وبين «ماتشية» حبّ التصوّر مع البنادق أو فوق ملالة، وبين نعومة «سنوب» في تراجيع الصوت والأداء، والذي لم يقفز إلى الواجهة فعلاً إلا أواخر السبعينيات، هي أسطورة استكملها فعل الإغتيال، بمشهدية الغدر به في لحظة «شعننته»، وهو في ريعان شبابه وزحمة وعوده الخلاصية، في محاكاة لأسطورة أدونيس، والمرويات الإنجيلية حول المسيح، بل وفي «عيد الصليب».
أمّن القوميّان الإجتماعيان، الشرتوني والعلم، لبشير، قالباً «مدرحياً» (نسبة لعقيدة ملهمهم أنطون سعادة، «المدرحية» أي تروحن المادة وتمودد الروح، وبمعنى آخر اعتبار أسطرة كل شيء هو المدخل الأساسي لكل معرفة ولكل فعل)، قالباً لتنامي الأسيجة المنصوبة حول «قصّة بشير»، في الوجدان والإجتماع المسيحيين اللبنانيين، بما لم يكن يحلم به كتائبي من قبل أو بعد. هذا القالب الذي جهد القوميون الإجتماعيون منذ نهاية الأربعينيات لأجل تخليد مؤسس نهضتهم، سعادة، به، من دون أن يفلحوا في ذلك خارج مجتمعهم الحزبي، في حين نجح هذا القالب «القومي الإجتماعيّ» في «تخليد» عدوهم، «عدوهم ـ المحاكي لهم» (إذا ما استعدنا بعضاً من عدّة رينيه جيرار في تأوّل الأساطير المخزّنة للعنف، والمصرّفة).
فقصّة «انطون سعادة» في وجدان القوميين الإجتماعيين، تحاكيها «قصّة بشير الجميّل» في وجدان سواد المسيحيين اللبنانيين. وثمّة من تلقاهم هنا وهناك قد سعوا ويسعون بالفعل للتجسير بين الأسطورتين. وهذا حال ايلي حبيقة، الذي سيتصدّر الشاشة في اليوم التالي لاغتيال بشير، خصوصاً مع ورود اسمه في تقرير لجنة القاضي اسحق كاهان على خلفية دوره الأساسي في مجازر صبرا وشاتيلا. فحبيقة، وبعد الإطاحة به على رأس «القوات»، ثم لجوئه إلى كنف النظام السوري، وإطلاقه «الحزب الوطني العلماني الديمقراطي» مطلع التسعينيات، لن يتردّد في الجمع بين التركتين، تركة انطون سعادة وتركة بشير الجميّل. ربّما كان يتملى أكثر من سواه في مفارقة القرب الجغرافي بين البلدات المتنية التي يتحدر منها انطون سعادة وبشير الجميّل وهو، ضهور الشوير وبكفيا وبسكنتا.
وإذا كان حظّ ايلي حبيقة، الرجل الذي كانت لديه المؤهلات الكاريزمية والأمنية الأرفع بعد اغتيال بشير في الوسط المسيحي، من الأسطرة و»التخليد» حظّا عاثرا في نهاية الأمر، بل سهّلت مؤهّلاته هذه وقائع الإطاحة به، وإذا كان «تخليد» انطون سعادة منسكا «حزبيا» فحسب، فليست هذه الحال مع «قصّة بشير»، التي ما انفكت تتغذى من مصدرين.
الأوّل أنّ ثمّة زمنا مقتضبا في الواقع، إلى حد تحوله إلى زمن غير واقعي، وسعته الجماعة في الأسطورة، هو الزمن الذي يفصل بين انتخابه واغتياله، فيصير التعامل مع كل كلمة نطق بها بشير في هذا الزمن ككلمة نبوية. عكفت الجماعة على تكريس هذه الأسابيع كزمن رؤيوي خلاصيّ، في عزّ «أبوكاليبس» الإجتياح الإسرائيلي للبنان. وهو ما يرتبط بواقعة شعور الجماعة، المارونية بالتحديد، بأنّها وصلت إلى ذروة تاريخها، لحظتها، ثم أقصاها التاريخ درجات إلى الوراء ما أن حدث الإغتيال.
والثانيّ، أنّ ثمّة معايشة ومقاساة لزمن «ما بعد بشير»، أي الخمسة وثلاثين عاماً الأخير كزمن راكد، تحسّري حيناً، واحيائي حيناً آخر، وانتظاريّ على الدوام، المسعى فيه لتجميع تركة «البشيرية» تارة (ومن علامات ذلك أشكال الإحتفاء بالمصالحة بين سمير جعجع وميشال عون قبل عامين)، أو لإعمال مفاصلة ضمن هذه التركة بين «الصالح» و»الطالح»، بين «الراهن» «والمستهلك»، بين النوستالجي والرؤيوي.
وإذا كان حبيقة قد حاول تجسير الهوة بين تركة انطون سعادة وتركة بشير الجميل «عن وعي»، واذا كان حبيب الشرتوني (المولود في سنة التحام الكتائبيين والقوميين الاجتماعيين والشماعنة ضد المد القومي العربي في ثورة 1958) قد نقل بالنتيجة «رحيق انطون سعادة» إلى «قفير بشير الجميّل»، فإنّ الجامع الأكبر بين سعادة وبشير هو ميشال عون، «في السيرة». من أول هذه السيرة، عندما سعى عون الشاب في أيام عمله في المحكمة العسكرية للتخفيف من الأحكام على القوميين الاجتماعيين، المغضوب عليهم بعد محاولتهم الانقلابية الفاشلة على الرئيس فؤاد شهاب. إلى منتصف السيرة، حين بادر القوميون الإجتماعيون لخرق الحصار المفروض على مناطق سيطرة عون في أيام صدامه مع «القوات». إلى أواخر هذه السيرة، حين تعددت حالات «المزيج» العوني ـ القومي الاجتماعي (النائب نبيل نقولا، الوزيران فادي عبود والياس بوصعب).
ما لم يفهمه «حزب الله» في الطريقة التي عبر عنها نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، الذي لم يكتف بتوجيه تهمة العمالة لبشير، بل خوّن الحكم القضائي نفسه، والمحتفين به (ومن ضمنهم بالنتيجة العونيون)، هو أن هذا التمازج بين «القومية» و»العونية» هو شرط شارط لإمكان فتح ثغرة متواطئة مع الخمينية ضمن الإجتماع المسيحي اللبنانيّ. لكن هذا التمازج، ما كان بمقدوره، بالنسبة للعونية، التهرّب من اصدار حكم على الشرتوني. بل ان هذا الحكم، إذا ما استرسلنا في تأوّل المنطق الأسطوري للأمور، أساسي لاعتبار الشرتوني حلقة الوصل بين انطون سعادة، وبشير الجميّل، وميشال عون. المسكوت عنه، أسطورياً هنا، أن الإحتفاء العوني بالحكم على الشرتوني هو أيضاً احتفاء بالشرتوني كبطل «بروميثيوسي»، وإحتفاء من ثمّ بميشال عون كضابط للأساطير المعتملة في الوجدان المسيحي، الجبل لبناني، أي كمنظّم هذه الأساطير بشكل تراتبيّ، وغائيّ، يفضي إليه.
قد يكون هذا التأوّل الأسطوريّ، الوثنيّ بإمتياز، لهذه الحوادث والشخصيات المستعادة بحكم قضائي، على حساب الأبعاد الأخرى للمسألة، أخلاقية وقانونية وسياسية. لا شك. لكن هذا البعد الميثولوجي يمسك بتلابيب الحكايات اللبنانية الراهنة إلى أبعد حد.

٭ كاتب لبناني

الميثولوجيا «المدرحية»: انطون سعادة ـ بشير الجميّل ـ ميشال عون

وسام سعادة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left