على هامش حادث الواحات

عبير ياسين

Oct 24, 2017

أعترف بأن الهامش دوما جزء من أصل الكتابة، وربما جزء من أصل السؤال. جزء من معركة الوطن، وحلم أن يكون أكثر اتساعا وبراحا وتسامحا، وأن يكون حاضنا بدون اعتبارات أخرى تفرز على أسس يصعب حصرها لأنها معرضة دوما للتغير، مادامت تسمح بالمزيد من سيطرة الأقلية على عموم الشعب.
واقع ظل راسخا رغم ثورة 25 يناير، وظهر واضحا في ما أطلق عليه «محاكمة القرن»، وماتبعها من مقارنات بين محاسبة من ينتمي للأقلية المميزة، ومن ينتمي لعموم الشعب، وفقا لعوامل التمييز القائمة، التي تجعل القانون في تطبيقه وتنفيذه واستحضار روحه، تابعا لتلك التمايزات وليس العكس.
مقدمة تبدو خارج سياق الحدث، ولكنها في عمق المعنى حين تكون القضية هي الوطن، ويكون ما يتم تركيز الضوء عليه هو التمايزات التي تساعد في استمرار الأوضاع بدون تغيير وبدون اعتراف بالخطأ، لأن الاعتراف بالخطأ يفترض أن يتبعه محاسبة وتصحيح مسار. كل هذا يبدو غائبا ونحن نواجه مرة أخرى قضية الموت في المحروسة، ولكنها في تلك المرة مختلفة، ولأنها مختلفة حاول البعض تركيز الضوء على عوامل هامشية، في حين تركت القضية الأصلية للهامش والظل، من أجل ان تتجاوزها الأحداث كما هي العادة. ولهذا كان لابد من التأكيد على أن الحديث هنا على هامش حادث الواحات، ليس لأن الحدث هامش، ولكن لأنه أصل كبير يدور حوله الكثير من الجدل الذي يعمل على تهميشه، والأكثر أهمية أن هذا الجدل نجح في تحويل دفة النقاش بعيدا عن أصل القصة، ووضعها نقطة في صالح السلط، أو يتمثل الرسمي المنشور عن حادث الواحات بشكل مختصر- ووفقا لبيان وزارة
الداخلية المصرية الصادر يوم 21 أكتوبر 2017 في اليوم التالي للأحداث- في الإعلان عن استشهاد 16 شرطيا في مداهمة أحد الأوكار الإرهابية في منطقة صحراوية على طريق الواحات في محافظة الجيزة. جاء بيان الوزارة بعد ظهور العديد من الأخبار والتصريحات التي تداولت ارتفاع عدد الضحايا عن هذا الرقم الرسمي بفارق كبير يتجاوز الضعف. وطالب البيان وسائل الإعلام بتحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية لتجنب التأثير على الروح المعنوية للقوات.
بداية أخرى تعيدني إلى محمود درويش في «حالة حصار» وهو يقول: «الشهيد يحاصرني كلما عشت يوما جديدا ويسألني: أين كنت؟». سؤال مثل الواقع مفتوح ويمكن أن يطرحه شهداء المحروسة، في أي لحظة لم يتم فيها الكشف عن الجناة ومحاسبتهم، أو الكشف عن التقصير ومحاسبته، أو الكشف عن النيران الصديقة التي تسببت بشكل مباشر أو غير مباشر في ما حدث لهم. سؤال مفتوح أيضا لمن ساهم في تهميش كل معركة، وتحويل القضية من الشهداء إلى الكراسي، ومن حماية الأرواح إلى الدفاع عن المناصب، ومن ضرورة المكاشفة والمحاسبة، إلى شماعة «الروح المعنوية للشعب» التي تستخدم بشكل متكرر لغلق المواضيع المهمة وتحويلها إلى قضايا سرية يمنع النشر فيها عبر ممارسة رقابة ذاتية – موجهة تقوم على انتقاء ما ينشر من أجل تحسين صورة الحكم، باسم حماية مشاعر البشر والمؤسسات.
شهداء لم تتم محاسبة أحد على موتهم، وتم توجيه الضربات إلى ليبيا باسم الانتقام لهم، وشهداء لا يعرف أحد كيف تم إرسالهم إلى تلك العملية التي افترض منها مهاجمة معقل أو تجمع للإرهابيين، وانتهت إلى أن يدفع عدد من
المشاركين فيها من ضباط الشرطة والعساكر المجندين حياتهم ثمنا لها، بدون توضيح الأسباب، وبدون أن نجيب عن سؤال الشهيد «أين كنا» وماذا فعلنا بعد كل حدث مؤلم، من أجل أن يكون الأخير أو يكون بوابة مسار يهدف لتقليل الخسائر ومعرفة الأسباب ومحاسبة المسؤول. المشكلة في كل التبريرات التي يقدمها النظام والأصوات التي تتحدث باسمه، بداية من «أحسن من دول الجوار»، إلى «أهل الشر» بكل تنويعاتهم، إلى «الممانعة» و»الروح المعنوية» و»الحالة النفسية لمؤسسات الدولة»، أنها اختراع يعمل على تجاوز طرح الاسئلة الحقيقية والانتقال منها إلى كشف أسباب الفشل أو أوجه القصور، ومنها إلى المحاسبة المطلوبة، والتغيير الضروري، والتطوير المستمر. مبررات تصب في فرز آخر مستمر بعد مرحلة الرئيس الأسبق محمد مرسي، حيث هناك مواطن وخائن، والمواطن ببساطة كل من يتماهى مع السلطة، والخائن ممتد من تصنيفات واضحة إلى كل من يعترض وينتقد ويطرح اسئلة المنطق التي لابد أن تطرح. كل الأشياء يتم إلقاؤها في مقابر عميقة لا يراد أن تفتح بمجرد الدخول في دائرة التبريرات الشهيرة، السابق الإشارة إليها، والتي يعاد طرحها حسب الموقف والحدث. تفسيرات تقدم بشكل شديد التناقض ما دامت تخدم اللحظة وتهميش القضية. يتوه من مات وسط مبرر حماية الروح المعنوية، بدون أن يقول أحد أن الفقر والفساد والإهمال وعدم الرشادة في استخدام موارد الدولة، وغيرها من الممارسات القائمة هي إضرار بأسس الروح المعنوية، أو أن الإهانة وعدم احترام الكرامة وحقوق الإنسان، وعدم توفر أسس الأمن الإنساني بمعناه المادي والمعنوي، هي في النهاية إضرار بأسس الروح المعنوية. ولا يقول أحد إن المحاسبة التي تتم في الدول الأخرى لا تتعارض مع حماية الروح المعنوية ببساطة، لأنها لا تقوم على افتراض الوساطة على
الشعب وانتقاء ما يقال له وما يحجب عنه من أجل تجميل النظام. في تلك الدول الديمقراطية، التي تم استدعاؤها للمشهد للدفاع عن إقرار حالة
الطوارئ، قبل أن يتم تجاهلها في كل الأشياء الأخرى، واستدعاء حالة أحسن من دول الجوار، تتم المحاسبة على إخفاء الحقيقة أيضا والأسباب التي دعت إلى تهميش المواطن والبحث عن المسؤول والتأكيد على ضرورة محاسبته.
في الوقت نفسه يتجاوز البعض عن أن تغييب الحقيقة يساعد في تعميق الفجوة بين المؤسسات والشعب وليس العكس، وأن وزارة الداخلية نفسها هي المسؤولة عما أحيط بملابسات قضية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، في مثال بسيط عن كيف يتم وضع سيناريوهات غير حقيقية من أجل إغلاق قضايا، وهو الأمر الذي لم يتم تمريره بسبب الموقف الإيطالي، أو لأن الضحية كان أجنبيا وله دولة تبحث عن الحقيقة وتتمسك، بسبب الضغوط الشعبية فيها، بمعرفة ما حدث. وإن كانت قضية ريجيني ليست إلا فاصلا بسيطا في مسار الداخلية في مصر، فإن الحديث عن الالتزام بالبيانات الرسمية، بما يحيط بها من تساؤلات عن المصداقية، لا يغلق باب الشائعات، أو المزايدة، ولكنه يفتح الباب واسعا لكل ما يمكن طرحه من سيناريوهات. كما أن كل ما يحيط بمصداقية تلك المؤسسة، أو غيرها، هو الجزء الأساسي الذي يجب العمل على ترسيخه من أجل الروح المعنوية، وليس إخفاء الحقيقة أو اللجوء إلى سيناريوهات درامية لا تقنع أحدا وتطرح تساؤلات بدلا من أن تقدم إجابات، كما حدث في حالة حادث الواحات أيضا.
يعيد طرح الحديث عن الروح المعنوية حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي انتقد فيه من قبل تناول الإعلام للتفجيرات الإرهابية وضرورة ألا يتم
التركيز على تلك الأحداث وتكرار عرضها وعرض مشاهد منها، وهي التوجيهات التي تتعامل مع الواقع في مصر وكأنه مجرد صندوق أسود يمكن السيطرة عليه، عبر السيطرة على الخطاب الإعلامي الموجه، بدون اعتبار أو تقدير للتنوع في مصادر الأخبار والصور، وأن عدم نشر ما يحدث في وسائل الإعلام المصرية، أو بعضها، لن يؤدي إلى منع وصول المعلومة، وبدلا من هذا سيزيد من حالة الشك في الرؤى التي يقدمها النظام والإعلام المحسوب عليه، والتأكد من أن كل قصة رسمية خلفها حكايات أخرى غير معلنة، لأنها تدين النظام أو تدين خطابه وأسس شرعيته القائمة على محاربة الإرهاب، وتحقيق الأمن والقدرة على تحقيق تلك الأهداف بصورة أفضل من أي طرف آخر، بما يؤكد فكرة غياب البديل.
ولهذا جاء التركيز على إذاعة تسجيل صوتي عبر أحد البرامج التي تقدم من
قبل شخص مقرب من النظام بوصفه تسريبا لطبيب من الأطباء الذين تعاملوا مع الجرحى بعد حادث الواحات، بكل ما أحيط به من تشكيك في وطنية المذيع، رغم كل سجله في الدفاع عن النظام ومؤسساته، وربما الداخلية بصورة خاصة، إلى جانب تحويل المعركة من الضحايا وقصص البشر إلى الإساءة إليهم عبر الفيديو المسرب، وما يمثله نشر الفيديو من تحالف مع أعداء الوطن وخدمة أجندات «أهل الشر» وغيرها من تفاصيل الهجوم والاعتذار الشكلي الذي حوّل الحدث كله إلى مظاهرة وطنية في حب الداخلية، تمثل جزءا كبيرا من كيف تهمش قضية وتخترع معركة على هامش الأصل تؤدي إلى ضياع الأصل وسط تفاصيل المشهد العبثية.
على هامش حادث الواحات يتحرك النظام وكل الأصوات التي تدعمه من أجل دعم حالة الحرب المفتوحة وكل ما يحد من الحقوق والحريات ويدعم السلطوية، بدون أن يقول أحد لماذا وقعت كل تلك العمليات والخسائر، رغم حالة الطوارئ وغيرها من تجاوزات الحقوق والحريات؟ وكيف تفسر مثل تلك الخسائر في عملية يفترض أنه تم الإعداد لها من قبل السلطات المعنية للهجوم على معقل إرهابي، كما أعلن وليس مجرد عملية مفاجئة على كمين من الأكمنة، أو مجموعة غير مستعدة؟ حالة عدم الاستعداد تلك لا يفترض أن تطرح للتساؤل لأنها وفقا للخطاب المسيطر تعادي الوطن، في حين أنها في الأصل تسعى إلى حمايته وحماية الأرواح التي يفترض أن تعمل على حمايته، عبر توفر أبسط قواعد الحماية، وهي طرح الأسئلة والتشكيك في الروايات الرسمية من أجل كشف الحقيقة.
في النهاية وعلى هامش الحقيقة أضم صوتي لصوت محمود درويش وتحذير الشهيد: «لا تصدق زغاريدهن. وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا: كيف بدلت أدوارنا يا بني، وسرت أمامي. أنا أولا، وأنا أولا». لعلنا نعيد تذكر أصل القضية وهي الإنسان قبل الكراسي، والوطن قبل المناصب.
كاتبة مصرية

على هامش حادث الواحات

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left