تمخّض الجبل الأمريكي… فولّد فأراً

جلبير الأشقر

Oct 25, 2017

إن الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض قبل أسبوعين تحت عنوان «استراتيجية الرئيس دونالد ج. ترامب الجديدة تجاه إيران» لائقة تماماً بتسميتها. ليس أن هذه التسمية مناسبة لادعاء التجديد الاستراتيجي الذي تنطوي عليه، بل ما هو ملائم تماماً فيها هو نسبها الاستراتيجية إلى دونالد ترامب بعينه!
وإذا كان من النادر أن تسمّى وثيقة استراتيجية أمريكية باسم الرئيس المشرف عليها، فالشذوذ عن المعتاد مبرّر كلياً في هذه الحالة، إذ تعكس الوثيقة بصورة صادقة مدى الكارثة التي حلّت بالدولة الأمريكية مع اعتلاء ترامب سدة رئاستها.
وإنها حقاً لوثيقة «ترامبية» بكافة جوانبها. فهي تنمّ عن النرجسية منقطعة النظير التي يتميّز بها رجلٌ لا ينفك يقارن نفسه بأسلافه ليعلن تفوقه، وكأنه في مباراة دائمة معهم. ومن المرجّح أن تكون هذه الوثيقة أول نص «استراتيجي» أمريكي رسمي يتضمن ذمّاً صريحاً بالإدارات السابقة. فقد جاء فيها تنديدٌ بما أسمته «تركيز الإدارة السابقة القصير النظر (كذا) على برنامج إيران النووي»، ثم شملت إدارة جورج دبليو بوش في التنديد بتأكيدها على أن «سياسة الولايات المتحدة خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة أعطت الأولوية بشكل دائم للتهديد الذي شكّلته منظمات سنّية متطرّفة مقارنة بالتهديد الأطول مدىً الذي شكّلته النشاطات المدعومة من إيران»، هذا كله قبل أن تُطمئن القراء بنبرة طاووسية إلى أن «إدارة ترامب لن تكرر هذه الأخطاء».
والحقيقة أن هذا الوعد بعدم تكرار «الأخطاء» هو لبّ ما احتوت عليه الوثيقة من «استراتيجية جديدة»، إذ أنها أشبه ما تكون بعنتريات ترامب إزاء كوريا الشمالية: كلام فارغ، أو «هواء ساخن» كما يقولون بالإنكليزية. فليس في الوثيقة التي أصدرها البيت الأبيض تحت ذاك العنوان الرنّان سوى إعلان نوايا بمنتهى العمومية: إزاء الحرس الثوري الإيراني، «نريد أن نعمل مع شركائنا للجم هذه المنظمة الخطرة». وحيال الاتفاق النووي مع إيران، الذي كرر ترامب وصفه له بأنه من أسوأ الاتفاقات التي عقدتها الولايات المتحدة في تاريخها، وذلك في كلمة ألقاها يوم صدور «الاستراتيجية الجديدة» التي حملت اسمه، فقد أكّدت الوثيقة على أنه… «يجب فرض احترامه (أي الاتفاق) بحذافيره»!
والحق يُقال، فإن السخرية التي واجهت بها شتى دوائر السلطة في إيران الفأر الذي ولّده الجبل الأمريكي بعد تمخّضه طيلة «تسعة شهور من المباحثات مع الكونغرس وحلفائنا» (كما جاء في بداية الوثيقة)، كانت هي الردّ المناسب. وقد أتت الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير خارجية ترامب، ريكس تيلرسون، للمنطقة لتؤكد هزالة التهديد والوعيد اللذين صدرا عن رئيسه والفراغ الاستراتيجي الفاقع الذي يكمن وراءهما. فقد وبّخ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ضيفه الأمريكي عندما ردّ على دعوة هذا الأخير إلى انسحاب «الميليشيات الإيرانية» من العراق بالتأكيد على سيادة بلده ورفضها لأي تدخل في شؤونها الداخلية. ومما زاد في المهزلة التصريح الذي أدلى به لصحيفة «نيويورك تايمز»، قبل ثلاثة أيام في الرياض، مسؤول أمريكي من مرافقي تيلرسون فضّل عدم الافصاح عن اسمه، فسّر كلام الوزير بأنه يتعلق بـ«فيلق القدس» الإيراني وبوحدات «الحشد الشعبي». وقد أضاف المسؤول فيما يخص هذه الأخيرة أن الحل المثالي هو «أن تعود إلى بلادها أو تنضم إلى قوات الأمن العراقية»! ويبدو أن طاقم الخارجية الأمريكية يجهل أن وحدات «الحشد الشعبي» مؤلفة من العراقيين وأنها رسمياً جزء من المؤسسة الأمنية العراقية!
ولم تُضاهِ هذه التفاهة وهذا الجهل المطبق بما يجري في المنطقة سوى دعوة تيلرسون مَن وصفهم بأصدقاء بلاده في بغداد وأربيل إلى التحاور، معرباً عن رأيه في أن الفروقات بينهم يمكن تخطّيها «لو أكّد الطرفان التزامهما بعراق موحّد». ويبدو أنه فات الوزير أن فحوى الخلاف بين «أصدقائه» هو أن الذين يقيمون في أربيل يسعون وراء استقلال إقليم كردستان عن العراق بينما يصرّ الذين يقيمون في بغداد على وحدة الدولة العراقية.
ولو أضفنا إلى كل ما سبق ذكره المناورات المضحكة التي تقوم بها المملكة السعودية بإيعاز من واشنطن سعياً وراء تشكيل محور إقليمي عربي/أمريكي مضاد لإيران، في الوقت الذي يقوم فيه وفد من حماس بزيارة طهران مساهماً في تجديد المحور الإقليمي الإيراني/الإسلامي/«الممانع»، وذلك بعد دخول الحركة في مصالحة مع أصدقاء واشنطن في رام الله تمت بوساطة من الأعداء اللدودين لأشقائها المصريين ومن عدوّها اللدود الخاص بها محمد دحلان، يكتمل مشهد «الملهاة المأساوية» التي أخذت تدور في منطقتنا منذ أن دشّنها الاستراتيجي العبقري دونالد ترامب قبل خمسة شهور في الرياض، عندما شارك برفقة وزيره تيلرسون في عرضة نجدية (أي رقصة بالسيوف) مثيراً ضحك العالم أجمع.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

تمخّض الجبل الأمريكي… فولّد فأراً

جلبير الأشقر

- -

3 تعليقات

  1. صحيح أن أفراد الحشد الطائفي معظمهم عراقيين, لكن ولاؤهم للولي الفقيه بطهران !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. ان هذا الرجل ” السياسي الفاشل” ترامب الذي اعتلى كرسي الرئاسة الامريكية هو امتداد لسياسات امريكية فاشلة في المنطفة من البوشين أبا وإبنا إلى أوباما وهذا الفشل وقصر النظر أوصل أمريكا إلى التخلي عن دورها في الشرق الاوسط لصالح روسيا حليفة ايران، وكان بوش الابن لديه مقولة ان محور الشر هو بيونغ يانغ-طهران- بغداد وقد بدأوا بضرب بغداد كون النظام العراقي السابق ( صدام حسين) هو رأس محور الشر الذي يطور اسلحة دمار شامل، والواقع هو ان أيران هي التي تطور اسلحة الدمار الشامل وكوريا ايضا، أما العراق فلم يكن يمتلك لهذه الاسلحة بعد تدمير المفاعل النووي من قبل اسرائيل. واليوم انتبه ترامب ان سياسة اسلافه كانت خاطئة ويجب تعديل الاتفاق النووي مع ايران بعد ان سيطرت على رأس محور الشر ( العراق) وبات هذا المحور مهددا حقيقيا ويواجه امريكا ويناكدها ويسخر منها بدءا من كيم جونغ اون إلى ولاية الفقية علي خامنئي مرورا بحيدر العبادي.. ومحور الممانعة اليوم هو المسيطر على الوضع في الشرق الاوسط بدعم من روسيا والتحالف الترومبي الجديد مع دول الحصار الجائر لن يصمد في وجه محور الممانعة لأنه في الاصل هو الذي ساهم في ترعرعه بعد القضاء على دولة العراق والان على سورية.. صح النوم

  3. اعتقد انه ليس من الانصاف تحميل ترامب و اركان ادارته “الملهاة المأساوية” التي تدور في المنطقة.

    أمريكا فشلت في حربها على العراق و فشلت في تدارك هذا الفشل بسبب فشلها في اسقاط النظام في سوريا.

    إدارة ترامب فقط تحاول مواجهة تداعيات هذا الفشل المزدوج في ظل انقسام او عدم توافق صناع القرار في أمريكا على كيفية مواجهة هذا االاستحقاق .

    بالنسبة لاستراتيجية ترامب في مواجهة ايران، الامر لا يعدو ان يكون محاولة ترضية لنتنياهو الذي يعلم اكثر من غيره انه الأمور قد حسمت سنة 2014 و الاتفاق النووي ليس الا نتيجة حتمية لذلك و هو أي نتنياهو يتصرف فقط كخاسر سيئ لا يملك لا الشجاعة و لا الحكمة و لا الروح الرياضية للاقرار بفشله. و لان أمريكا لا تستطيع الانسحاب من الاتفاق لعدم قدرتها على تحمل تكلفة ذلك فكانت تلك المسرحية التي سميت استراتيجية ترامب الجديدة تجاه ترامب.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left