الردة على الثورات العربية وتصفية حماس مسألة وقت

د. عبد الحميد صيام

Sep 06, 2013

تعرضت غزة في الخمس السنوات الماضية إلى حربين إسرائيليتين: ‘عملية الرصاص المصبوب’ (كانون الأول/ديسمبر 2008 إلى 18 كانون الثاني /يناير2009)، وعملية ‘عامود السحاب’ (14-22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012). المعركة القادمة، ونتمنى أن نكون مخطئين، ستضع إسرائيل فيها رجلا على رجل وتشبك يديها خلف رأسها وتجلس على أريكة قرب مستوطنة ساديروت وتتفرج على مسرح العمليات: رصاص يسكب على غزة فتتصاعد في السماء أعمدة الدخان، ويسقط مئات وربما آلاف الضحايا، ولكن هذه المرة بأياد عربية. حجم الإجرام والعنف والفظاعة ربما يضاهي ما جرى في الغوطة أو حمص أو سرت أو طرابلس أو ميدان رابعة أو جامع الفتح. ولنا عبرة في ما يجري من صراعات في العراق وسورية وليبيا ومصر واليمن والصومال، حيث يقتل العربي على يديّ عربي آخر، أو متأسلم وافد جاء من خارج الحدود ليساهم في القتل؟ أنظمة فاسقة مجرمة تقتل شعوبها بالجملة وميليشيات دموية تفخخ الأجساد والسيارات لتحصد آلاف الأرواح البريئة. تتفكك الدول وتتمزق الشعوب وتتغول الطائفية وتستهدف الأقليات وتدمر الآثار التاريخية، وتنحرف بندقية المقاومة ويكون الاحتماء بالأجنبي، بل والهرع إليه للانتقام، والنتيجة الواضحة هناك منتصر واحد من كل ما يجري هو، إسرائيل.
الحرب الأولى على غزة أعلنت عنها تسيبي ليفني من القاهرة وهي تجلس قرب أحمد أبو الغيط يوم 26 كانون الثاني /ديسمبر 2008، أي قبل الحرب بيوم واحد. أما الحرب الثانية فلم تستمر أكثر من ثمانية أيام، فقد حركت جرائم إسرائيل الجماهير العربية، خاصة في مصر حيث بدأت تزحف نحو معبر رفح للتضامن مع أهل غزة، من بينهم رسميون وناشطون وكتاب وفنانون من كل الوطن العربي. في عملية عامود السحاب كان يمكن لأي مراقب أن يرى الفرق بوضوح بين جماهير حرة تجتاز معبر رفح وتتجه إلى غزة لإعلان التضامن مع شعبها في أرض المعركة، وبين الموقف أيام عملية ‘الرصاص المصبوب’ عندما اختبأ الرئيس المخلوع/المعاد تأهيله في منتجع شرم الشيخ ليتآمر على المقاومة ومنع انعقاد اجتماع من أجل غزة وإحكم الحصارعلى القطاع من الجانب المصري. بعد الثورة المصرية المجيدة وسقوط الكنز الاستراتيجي لإسرائيل، على حد تعبير بنيامين أليعازر، وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، انفتح الطريق أمام الجماهير العربية، خاصة في دول الربيع العربي، لتتحول تدريجيا إلى رصيد استراتيجي لفلسطين لو استمر تجذير الثورة وتعميقها والاتجاه بها نحو الاستقرار، لأن الشعوب الحرة التي تملك مصيرها بيدها لا تقبل قيادات من الطغاة يغلقون الحدود على إخوتهم ويساعدون العدو في الاعتداء عليهم، ويتآمرون لتصفية ما تبقى من نفس مقاوم يرفض الخنوع والاستسلام. إذن كان لا بد من إفشال ثورات الربيع العربي وإعادة الأمور الى ما كانت عليه أو أسوأ، وإعادة الجماهير إلى حكم الطغاة والعسكر.

عرقلة مسيرة ثورات الربيع العربي
هل من مصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل أن تقوم ثورات عربية حقيقية تسقط الطغاة وتمكن الشعوب من ممارسة حقها في انتخاب قياداتها الشريفة بطريقة حرة وسلمية ونزيهة؟ هل من مصلحة أمريكا وإسرائيل أن ترى حكومات عربية مسؤولة ومنتخبة تتمتع بثقة شعوبها وتلتزم بدستور أقره الشعب بغالبيته، يراقبها برلمان قوي وشرعي؟ هل من مصلحة الثنائي الأمريكي الإسرائيلي أن يرى حكومات عربية بعيدة عن الفساد ولا ‘تبعزق’ ثروات البلاد على هواها، بل تنفذ مشاريع تنموية رشيدة أقرها البرلمان وتراقبها صحافة حرة لا تحمي فاسدا ولا تجامل مسؤولا ولا تتستر على ظالم؟ إذن كان لا بد من وقف مد الثورات الشعبية السلمية. وقد أوعزت الولايات المتحدة إلى جماعاتها في المنطقة العربية لقمع الثورات ووأدها وحرفها عن مسارها، وإعادة عجلة الثورة إلى الوراء. ثورة البحرين تم سحقها عن طريق قوات درع الجزيرة، ثورة اليمن تم احتواؤها عن طريق تغيير فوقي أزاح علي عبد الله صالح وأبقى نظامه كما هو، بمن في ذلك ابنه أحمد الذي ظل يتحكم في الحرس الجمهوري الأقوى من الجيش. أما ثورة الشعب الليبي فقد انتهت إلى فوضى السلاح وانتشار الميليشيات المتعددة التي تتحكم في الشوارع والمطارات والموانئ، وأغرقت البلاد في الفوضى، لدرجة أن الكثيرين أصبحوا يترحمون على أيام العقيد المهوس. أما سورية التي أطلقت ثورتهاالسلمية ضد نظام الطغيان القائم على حكم العائلة الأكثر قهرا في المنطقة العربية، تم اغراقها بالدم وتحولت إلى ساحة للحرب الأهلية، بعد أن قامت أموال النفط بتمويل كل الحركات الإسلامية المتطرفة وزجها في الساحة السورية، وهذا ما كان يتمناه، بل يسعى إليه النظام كي يصور المجازر على أنها معارك بين دولة الممانعة والإرهابيين والتكفيريين.
بقيت الثورتان التونسية والمصرية تترنحان وتتعثران، وعلى وشك السقوط، لكن كلا البلدين مر بتجربة الانتخابات الحرة والتعددية وانطلاق طاقة جماهيرية عارمة وصحافة حرة إلى حد ما. ومع أننا لا نشك بأن هناك أخطاء قاتلة ارتكبها الإسلاميون في مصر وتونس، إلا أن مخطط الانقضاض على الثورتين بدأ منذ انتصارهما. في مصر كانت المقدمة عندما وضع الشعب المصري أمام خيارين أحلاهما مر: إما الفلول أو الإخوان فاختار الشعب أهون الشرين، ليبدأ بعدها مسلسل إفشال التجربة الديمقراطية الوليدة. ورغم أن غالبية المصريين لا تحبذ حكم الإخوان المسلمين، لكن الطريقة التي خلع فيها الرئيس المنتخب وما تبع ذلك من خطوات دموية واعتقالات وتكميم الأفواه وخنق حرية الصحافة وشيطنة جماعة الإخوان المسلمين كلها، ووصفها بأنها حركة إرهابية، وهو وصف حتى إسرائيل لم تطلقه، وانتهاء بإطلاق سراح مبارك ووضعه في جناح ملكي في المستشفى للعلاج كل هذه الخطوات لا يمكن أن توصف إلا بانها ردة على ثورة 25 يناير، وليس استكمالا لها كما يدعي اللواء السيسي وجماعته. وليس أدل على ذلك من الموقف الداعم للانقلاب من قبل إسرائيل ومنظمة الإيباك في الولايات المتحدة. تونس كذلك تعيش الآن مرحلة مخاض وتكاد الثورة تنهار تماما، بعد أن قدمت نموذجا عاليا في سلميتها وحضاريتها. ومع أن حزب النهضة فاز في الانتخابات الحرة والسلمية التي جرت لأول مرة في البلاد في أكتوبر 2011، إلا أن الحزب آثر أن يتحالف مع الاحزاب العلمانية ويشكل حكومة إئتلافية مع شريكه التجمع والمؤتمر. هذا التحالف يكاد الآن ينهار، وعملية إسقاط النهضة من السلطة أصبح مسألة وقت ليبدأ بعدها العد العكسي للملمة ما تبقى من ثورات الربيع العربي وطي صفحتها مرة وإلى الأبد.

الفصل القادم من الصراع غزة
الأهداف الأمروإسرائيلية في المنطقة أصبحت غير خافية: إلغاء الثورات السلمية، إغراق المنطقة بالدم والحروب أو الصراعات المحلية، تأجيج الصراعات الطائفية، هدر الأموال العربية بعيدا عن التنمية، تحويل الصراع مع إسرائيل إلى نزاع هامشي وثانوي ورفع مستوى الخلاف مع إيران إلى صراع إستراتيجي تناحري. والأهم من هذا وذاك اقتلاع أي أثر للمقاومة، بحيث لا يبقى فيها أي دولة أو حزب أو جماعة أو حركة تعارض ولو أيديولوجيا مشروع الهيمنة الإسرائيلي، كي يتم تركيع المنطقة للخمسين سنة القادمة.
بعد تدمير العراق وسورية وإغراق حزب الله في المستنقع السوري وانقلاب مصر، جاء الآن الدور على حركة حماس. المبالغة في شيطنة حماس من قبل قيادة الانقلاب المصري لا يمكن أن تكون صدفة. نعم فرحت حماس بفوز جماعة الإخوان المسلمين، وما العيب في ذلك؟ لكنها آثرت الصمت عندما تم الانقلاب على حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر. ومع هذا فما تقوم به سلطة الانقلاب لا يمكن تفسيره إلا بتضييق الخناق على قطاع غزة كمقدمة لاجتثاث حركة حماس.
السيناريو الجاري تنفيذه الآن يقوم على زيادة معاناة الناس في القطاع بعد تشديد الحصار على غزة وتدمير الأنفاق وإغلاق المعبر الوحيد بشكل يكاد يكون متواصلا، وتصعيد حالة التوتر والتخوين والاتهامات لحركة حماس، وكأنها هي التي وضعت مرسي في السلطة وهندست حركة الأخونة التي قام بها مكتب الإرشاد واعتدت على جنود الجيش المصري في سيناء.
في 11 نوفمبر تستعد حركة ‘تمرد’ لأن تطلق مظاهرة عارمة تحت شعار ‘تمرد على الظلم الحمساوي’. وتقوم أجهزة الإعلام المصري بتضخيم حجم حركة ‘تمرد’، وكأنها ستطيح بحركة حماس مجرد أن تنطلق المظاهرة. من غير المستبعد أن تكون حركة ‘تمرد’ تتلقى دعما من بعض الأجهزة الفلسطينية والمصرية. وبانتظار اللحظة الحاسمة لا نستبعد قيام ميليشيات مسلحة تشتبك مع قوات الداخلية التابعة لحماس، وإذا ما انفجر الصراع المسلح فلا نعتقد أنه سينتهي لصالح حماس في ظل الحصارين المصري والإسرائيلي، والوضع الصعب الذي تعيشه الحركة بعد أن تعرضت لمجموعة من النكسات في علاقاتها مع العديد من الدول مثل إيران وسوريا والسعودية فقد تكون نهايتها الدموية كما انتهى مرسي وجماعته في مصر. وتصبح عودة السلطة الفلسطينية مطلبا شعبيا، رغم ما تمثله تلك السلطة من انهيار وطني يكاد يودي بالقضية الفلسطينية برمتها.
لا يظنن أحد أنني من أنصار حماس أو الإخوان المسلمين، ولكنني بالتأكيد ضد المواجهات المسلحة والانقلابات الدموية وسفك دم أحد. أنا مع الإسقاط الشرعي عن طريق الا نتخابات أو الاستفتاء النزيه أو الاستقالة الطوعية… فكما جاءت حماس بالانتخابات الشرعية يكون إسقاطها بنفس الطريقة، لا بالطريقة التي أسقط فيها مرسي وجماعته وأوصلت مصر إلى حالة الاحتقان الحالية، التي لا يستفيد منها إلا العدو الاستراتيجي والتاريخي لمصر، رغم أن وسائل إعلام الفلول لا تذكر إسرائيل الآن بكلمة سوء واحدة.
مخاض عسير تعيشه الأمة كلها: قوى جماهيرية تريد أن تكسر قيود الطغاة، وهيمنة الأجنبي وارتهان البلاد للخارج وبناء دولة القانون والتعددية، واحترام حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية والتنمية الرشيدة، وقوى متخلفة ومرتبطة وعميلة ومجرمة، تريد أن تبقي على حكم الطغاة والعائلات والعملاء والانتهازيين، وهيمنة الأجنبي والمواطنة غير المتساوية. فلمن تكون الغلبة في النهاية؟ لا نعرف ولكننا دائما نثق في الجماهير النظيفة الشريفة صاحبة المصلحة العليا في التغيير. قد يكون المشوار عسيرا ولكن الشعوب الحية لا بد أن تصل في نهاية المطاف إلى شاطئ الاستقرار.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

- -

4 تعليقات

  1. كلام جميل سيدي الكريم لكن الم تلاحظ سيدي الكريم انك تجاوزت مرحلة اساسية في الحراك العربي و هي تقزيم القضية الفلسطنية من قضية امة و جعلها مجرد خلاف بين الضفة و القطاع اين القدس اين القبلة الاولى اين مصير الامة سيدي الكريم

  2. تحليل صحيح وموضوعي وصادق ومع تمنياتنا الا يحدث ذلك لكن المتابع للاحداث لا يمكن الا ان بتكهن بذلك ولكن املنا الوحيد هو ان الله لن يترك الصالحين وان كل ما يحدث الان هو الشعله التي ستوقظ ضمير الشرفاء من هذه الامه وستكون النتيجه على رؤووس هذه الشرذمه المتامرم على امتنا ومهما بلغت قوة الكفر فان قوة الله هي الاعظم وصدق الله العظيم القائل ” ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرن” صدق الله العظيم .

  3. اكثر من رائع .فقط اضيف ان عصا الجبناء لا تهوي الا على العزّل من الشعوب . وحركة حماس لها انياب حادة في غزة لذلك سيطيلون امد الحصار لخلع انيابها وقد بدأ ما تقوله فعلا واعلن عنه من اكثر من قيادي في السلطة ويمهد له في مصر ميدانيا واعلاميا .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left