اكتشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الثلاثاء الماضي إنه ليس من شأنه «إلقاء محاضرات» على مصر بشأن الحريات المدنية. السيسي لم يكتف بردّ تحية الرئيس الفرنسي الشاب بأحسن منها بل فاجأ الجمهور الذي تابع مؤتمره الصحافي مع ماكرون بمحاضرة من الوزن الثقيل مؤكدا حرص بلاده «على الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في إطار دولة ديمقراطية ومدنية وحديثة».
ولأن هذا التأكيد لا يكفي لإقناع الجمهور بعد أن بات سجل انتهاكات أجهزة الأمن والجيش الفظيعة لحقوق الإنسان في مصر معروفاً فقد أخرج السيسي من معطفه فكرة جديدة لا تتعلق بالنظام نفسه بل بالشعب المصري الذي، حسب رأي رئيسه، «لن يقبل ممارسة سياسية عنيفة أو ديكتاتورية ضد حقوق الإنسان»، وهو رأي يتحدّى العقل حقّاً فما هو وزن قبول أو عدم قبول الشعب المصري للممارسات العنيفة والدكتاتورية ضد حقوق الإنسان إذا كان النظام دكتاتوريا وعنيفا، وإذا كان اعتراض أفراده أو جماعاته وأحزابه على تلك الممارسات ستؤدي بهم إلى السجون والمحاكم؟
ولأن نظامه لا يمارس التعذيب يطالب السيسي من الجميع «أن يتحسّب من المعلومات التى تنشر بواسطة منظمات حقوقية»، أما إذا لم يقتنع «الجميع» بأن نظام السيسي لا يمارس التعذيب وصدق المعلومات التي تنشرها منظمات حقوقية فعليهم على الأقل أن يضعوا ميزانا ذا كفتين يوازن بين «التركيز الدولي على الحقوق السياسية» و«حقوق الإنسان في التعليم والصحة»، لأن مصر «ليس بها تعليم جيد ولا علاج جيد»، وهذا المنطق الغريب يعتبر أن الحصول على تعليم وعلاج جيدين لا يستقيم من دون انتهاك الحقوق السياسية للمصريين. هذا المنطق، في الحقيقة، يتقصد تجاهل أن التراجع المهين في كل مجالات الحياة في مصر (وليس في التعليم والصحة فحسب) مرتبط باختلالات النظام السياسي وطبيعته العسكرية والأمنية.
بعد إنكار التعذيب والإساءات لحقوق البشر، تحدث السيسي عن كون بلاده تمر في ظروف أمنية مضطربة «إثر انتشار أفكار متطرفة تدعم ظاهرة الإرهاب»، وهذا طبعاً بيت القصيد، وأحد أطراف المعادلة التي جعلت السيسي، لا ماكرون، هو الأستاذ المحاضر، فالسيسي كان موضوع إشادة ماكرون بجهود قواته في مجال «مكافحة الإرهاب»، وهي كلمة السرّ التي فتحت أبواب الإليزيه للسيسي، وجعلت ماكرون، الذي كان قد أعطى الدول الأفريقية، سابقا، نصائحه الثقافية عن دور التزايد السكاني فيها في نشر التخلف، يقرّر هذه المرّة مديح «الجهود الأمنية» للمشير، وبدل التركيز على الحقوق السياسية فقد ركز على إبرام الصفقات وتقريظ «الشراكة الاستراتيجية» مع القاهرة.
تعليقات المصريين الساخرة حول لقاء الرئيسين وتصريحاتهما أصابت كبد المسألة فمن قائل إن ماكرون لا يستطيع إعطاء دروس في حقوق الإنسان لرئيس دولة دكتاتور، بلده أكبر مستورد للسلاح من فرنسا «بلد الحرية والعدالة والمساواة»، إلى متسائل عن سبب شراء السيسي لكل هذه الأسلحة، من غواصات وطائرات عسكرية، وهو يرأس بلدا غارقا في الديون، ولا يخجل في الوقت نفسه من الحديث عن تدهور الصحة والتعليم والمرافق.
رأي القدس
لا السيسي ولا ماكرون، في مقدورهما تزوير الواقع المرير الذي يرضخ له الشعب المصري في الداخل، أو زعزعة القناعة الراسخة لدى المتابعين في الخارج لما يحدث في مصر، من أن سجل انتهاكات أجهزة الأمن والجيش لحقوق الإنسان شيء معروف وليس عليه غبار.
أما ما تجرّأ على التلفظ به عبد الفتاح السيسي بصدد الشعب المصري الذي، حسب زعمه، «لن يقبل ممارسة سياسية عنيفة أو ديكتاتورية ضد حقوق الإنسان»، فهو ليس رأيا يتحدّى العقل فقط، أو سبّا لذكاء الانسان، بل يمكن اعتباره واحداً من أخطر أنواع الكذب الذي يطلق عليه محلّلو أمراض النفس ” الكذب على النفس”. الحقيقة التي يعرفها الجميع هي أن شرائح واسعة من الشعب المصري طيّبة إلى درجة السذاجة. وخير ردّ على ادّعاء السيسي هو رأي الكاتب الأمريكي سطيفان كينك: ” ثقة البريء والساذج هي أحسن قوام الكذّاب “.
في الواقع، يخيّم الخوف على حياة أغلب المصريين اليوم. لقد ركنوا إلى الصمت وعدم مواجهة النظام باعتراض ونقد لأنهم يعرفون مسبّقا ما ينتظرهم من محاكم وتعذيب وسجون.
حلف الكذب على النفس ضد حقوق الانسان ” العربي ” 2
نكرّر على مسامع عبدالفتاح السيسي إن كانت له آذان، ما قاله الشاعر السويسري جون أونطوان بوتي صِن ( 1792-1870 ) : ‘ أن تعمل على ستر خطأ بالكذب فهذا معناه تعويض نقطة وسخ بحفرة ‘. أما إيمانويل ماكرون، رأس السلطة في فرنسا التي تفتخر بهوية ثقافية وحضارية وتاريخية كانت وما تزال قائمة على احترام حقوق الانسان الكونية والالتزام بها، فنخاطبه بما فهمناه من منطوق سقراط السالف الذكر : ” سيدي الرئيس، أليس من واجب من قام بالبحث والتحقيق، وعرف الحقيقة أن يتكلّم ؟ ” . وهذا أضعف الأيمان ..
من مفارقات هذا المشهد السياسي انه مسرحي بالمعنى الحرفي للكلمة. عنوان المسرحية ” المساومة “، والموضوع ” التجارة ” والشخصيات والوسائل والبضاعة كلها تدور حول ” الاسلحة والمال والأرباح والمصالح كبؤرة مركزية، والانسان والحقوق والعرب كهوامش ومفعولات متعدّدة قابلة لأن يتعدّى إليها ويتعدّى عليها فعلُ الغرب والاستبداد العربي”.
المفارقة اللافتة في المشهد السياسي المسرحي، الماكروني والسيسيُّ، أنّ الرئيسين على اختلاف مرجعيتهما السياسية والثقافية والتاريخية تكلّما لغة واحدة يتقنها أكابرُ القرية العالمية المصابون بمرض عضال خبيث اسمه الكذب على النفس.
ياله من تحالف ماكر خبيث بين الكاذبين على أنفسهم ضدّ حقوق الانسان وحقوق الانسان العربي البئيس على وجه التحدي!