هادي زكاك: الوثائقي بات ضرورة محلية وعالمية لفهم المجتمعات

"يا عمري" يوقظ في السويد موجة ذكريات وينال جائزة

زهرة مرعي

Oct 28, 2017

بيروت-”القدس العربي”: مؤخراً حصد المخرج اللبناني هادي زكاك جائزة  لجنة التحكيم الخاصة من “مهرجان مالمو للأفلام العربية في السويد” عن فيلمه الوثائقي “يا عمري”. هو أحدث الأفلام التي قدمها زكاك مسجلاً فيه لحظات ممتعة أمضاها مع جدته “هنريت”. تواصل في تصوير جدته عبر مراحل متباعدة، تبدلت خلالها تقنيات التصوير، كما تبدلت الحياة والـ”تِتا” أيضاً.

 في جعبة هادي زكاك الفنان حوالي 20 فيلماً وثائقياً استقى افكارها مما يدور حوله من أحداث متنوعة. ومن خلالها ساهم زكاك في حفظ الذاكرة على مستويات عدة منها الإنساني، الاجتماعي، الاقتصادي والسياسي أيضاً.

مع هادي زكاك كان هذا الحوار:

* “يا عمري” في 2016  جديد حصادك نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان سويدي. النقاد يقيمون عالياً هذه الجائزة فماذا عنك؟

** ينظر النقاد إلى مثل تلك الجائزة وكأنها ممنوحة منهم. شاركت في المهرجان دون أي توقعات. كانت الجائزة مفاجئة لطيفة.

*أن تكون مع جدتك في “يا عمري” وفي السويد حيث يكثر المهاجرين قسراً. فهل ايقظت شجناً مكبوتاً لدى الجمهور العربي؟

** مفيد الإشارة أن غلبة الحضور خلال عرض “يا عمري” كان نسائياً. الحضور البارز عربي، وبنسبة أقل سويدي. وفي كل مرة أعرض فيها الفيلم أجده يتحدى ذاته لينطلق من الشخصي إلى العام، بحيث يصل إلى كل مشاهد ويمسه. وهذا ما يحدث، حيث تستفيق موجة من الذكريات. نتذكر الأم، الجدة أو حتى الذات إلى جانب الدموع التي تترقرق من البعض. أعرف البعض ممن حمسهم “يا عمري” لقضاء وقت إضافي مع جداتهم. ومنهم من باشر تصوير العائلة ليحتفظ بذكرى لكبارها كما الأب والأم، الجد والجدة.

*لماذا جدتك؟

** هي “التاتا” ولنا معها تواصل كبير إلى جانب جدي. هما والدا والدتي، فجديَ لوالدي متوفيان. شخصياً كانت لي علاقة مميزة جداً بها. في عمر المراهقة تفتحت رغبتي بكتابة “خبرياتها”. كنت أحمل دفتري وأذهب إليها. عندما امتلكت آلة تسجيل صار لي حظ الإحتفاظ بصوتها. ولاحقاً كانت لي كاميرا فيديو، وتابعت معها المشوار المصور وأنا في عمر الـ18سنة. 

*جدتك برازيلية من أصل لبناني فما جاء بها إلى بلدها الأم؟

**جاءت في زيارة تعارف مع جذورها. قطعت رحلة شاقة في “البابور” الباخرة مروراً بمحطات إيطاليا وفرنسا. في لبنان اكتشفت تلك الصبية الحب والحياة. أتت لتمضي  الصيف، وأمضت كامل عمرها هنا. وبالطبع حصدت الندم على قرارها.

*لماذا؟

** لفتني في حواراتي معها أنها منذ وصلت إلى بلدها الأم لم تجد فيه ما يعجبها سوى جدي. قارنت بيروت بريو دي جينيرو فلم تلق منها اعجاباً. موقفها هذا ترك عندي تساؤلات، فنحن نملك عن بيروت ولبنان صورة جميلة خاصة ما كان قبل الحرب الأهلية. وكان موقفاً فريداً أن يعطيني شخص مسن صورة غير مثالية عن الماضي.

*متى قررت أن يكون لك فيلم جاهز للعرض عن جدتك؟

** تنقلت في وسائل التسجيل والتصوير كما سبق الذكر وتبعاً للمراحل. في يوم زرتها وكانت بعمر 101 سنة ولم تعرفني، وكانت صدمة كبيرة لي. فأنا أعتبر نفسي رفيق دربها ودائماً أصورها وأحادثها، ولم أبتعد عنها طويلاً كي تنساني، بل كانت ذاكرتها قد بدأت تتعرض للتحول. وفي تلك اللحظة قررت تحويل مشروعي إلى فيلم، في حين كنت أشعر قبلها أني بصدد أرشفة ذاكرة جدتي، ومساعدة مني لها في مصارعة الموت. لكن في لحظة ما صارت الذاكرة محوراً أساسياً.

*حوارك وتصويرك لجدتك خرج من الشخصي إلى العام فهي حافظة لنسق ثقافي واجتماعي ومديني في الوقت عينه. كم أغنى هذا الفيلم؟

** كان حال لبنان من وجهة نظر جدتي موجوداً في خلفية الفيلم دون أن ندخل في التفاصيل التاريخية، السياسية والاجتماعية. فقد كنت أتابع شخصية جدتي اللافتة بالنسبة لي. وبما أننا في وطن فاقد لذاكرته فهذا المستوى بما هو خلفية موجود في الفيلم، دون أن يشكل أساساً له. في حين الخلفية السياسية والتاريخية هي أساس وفي مقدمة بقية أفلامي، كما “كمال جنبلاط ومرسيدس″ وسواهما. في “يا عمري” المحور الأساسي هو الإنسان.

*هل لفتك أن جدتك وقد قاربت المئة عام تنبهك لعدم سؤال المرأة عن عمرها؟

** طبعاً لفتني. الأنثى لديها حافظت على وعيها. وكأن المرأة التي فيها لم تمس. دائماً تهتم بمظهرها، تسرح شعرها وتستقبل الضيوف من فريق العمل بكامل اللياقة والأناقة. وتحرص على الضيافة وشرب السيجارة معهم. بدا الجانب الأنثوي لديها وكأنه صورة رسمية تجب العناية بها.

*كيف عملت لإشراك المشاهد بذاكرة جدتك؟

** جدتي صارت جدة الجميع. الروابط لا تزال موجودة في علاقاتنا الاجتماعية والعائلية. وفي خلفية موضوع الجدة نحن حيال وطن يتعرض بشكل متواصل للزهايمر والنسيان. وكما نسيت جدتي الكثير، يواصل المسيرة على درب النسيان.

*ألهذا السبب تصر على توثيق مواضيع كثيرة في هذا الوطن؟ وماذا هو دورها المستقبلي في رأيك؟

** أفلام تأتي في سياق محاربة النسيان. كل فيلم يوثق مرحلة، وصور من حياتنا نراها تندثر سواء  في الأماكن أو الأشخاص. في وطن يفتقد لكتاب تاريخ موحد تتحول الأفلام الوثائقية التي يقدمها الجميع إلى وثيقة لكل تاريخنا بكافة محطاته.

*هل ستكون الأفلام بديلاً عن كتاب تاريخ نبحث عنه؟

** لن يكون لنا كتاب تاريخ موحدا. التاريخ في مدارسنا عبارة عن مادة تُحفظ وليس مادة للنقاش. ولهذا تتحول الأفلام إلى مساحة للتفكير والحوار. فقد سبق وقدمت فيلما بعنوان “درس في التاريخ”.

*قدمت أفلاماً من واقعنا السياسي كما “هاني مون 58، أصداء سنية، أصداء شيعية وغيرها”. هي عناوين إشكالية فماذا حصدت منها؟

** في الأساس هي حاجة شخصية وشغف. وكذلك مبرر لأتمكن من متابعة العيش في هذا البلد. هي عملية كفاح وصمود وليس بالضرورة التوصل لنتيجة. أدرك تماماً من خلال مقاربتي للتاريخ أن أمراً لن يتغير. شخصياً هي كفاح كي لا أستسلم. وعلى الصعيد العام عملية خرق بسيطة وخجولة أدرك محدودية تأثيرها. ليس للفيلم الوثائقي  حضوره الجماهيري، لكنه حاز فسحة عرض في سينما متروبوليس، والجمهور إلى ازدياد. لهذا ثمة أمل بخرق يترافق مع جهود المخرجين الذين يقدمون هذا النوع من الأفلام.

*وكيف ترى كأستاذ جامعي أثر هذا النوع من الأفلام على طلاب الفنون؟

** فتحت هذا الأسبوع مع طلابي موضوع الحرب الأهلية من خلال أفلام الجيل المؤسس في لبنان من مارون بغدادي، برهان علوية، جوسلين صعب وجان شمعون. أفلام هذا الجيل عرّفت الطلاب إلى مدينة لم يعرفوها من قبل. فالمدينة الحالية مختلفة تماماً. إذاً هذه الأفلام تشكل مرآة لفهم الواقع، وربما تساعد في فهم معنى الإلتزام السياسي، وفهم معنى التبعية للأحزاب والرموز نفسها التي أشعلت الحرب وتعمل للسلام. هذا ما نعيشه في يومياتنا دون إدراك لجذوره.

*في فيلمي “أصداء شيعية… وسنية” اقتربت من برميل بارود جاهز للإشتعال بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كيف تمكنت من ذلك؟

** دخلت إلى المساحة المشتعلة بعد أن سألت نفسي لو كنت مخرجاً في الحرب الأهلية كيف كنت سأتعامل مع الموضوع؟ بين 2005 و2006 شهدنا حرباً أهلية غير معلنة، ومفاعيلها لم تنته بعد، بل تمددت في المنطقة العربية بمجملها، وتتغذى جيداً. لهذا سميت الأمور بأسمائها. في هذين الفيلمين بحثت أيضاً عن مصير الشخص غير المنتمي طائفياً، وعن العلماني مثلي. وسألت لماذا يوضع في هذا القفص؟

*تصر على اختيار موضوع يجيب على أسئلتك؟

** هي مخاوف شخصية أسعى لإجابات عنها عبر الشخصيات التي أختارها. وأحياناً أنزل إلى الأرض بحثاً عن جواب.

*ماذا عن السؤال في أصداء سنية وشيعية؟

** من أصعب ما يكون. الشارع كان محقوناً، ولا ثقة بين الناس. أنجزت الفيلمين قبل أشهر من 7 أيار/مايو سنة 2008 حين كان الإنفجار الفعلي والجواب على توقعاتي. تضمن الفيلمان الكثير من التفجير عبر المفرقعات.

*لماذا استحضرت أحداث سنة 1958؟

** “هاني مون 58″ ناتج عن كوننا ننسى. حرب سنة 1958 المنسية شكلت تمريناً لحرب أطول بدأت سنة 1975. ونحن متواطئون مع الاستسهال وسريعاً نضع اللوم على طرف خارجي. وإن كنا أدوات للخارج، فالمصيبة أكبر.

*يتيح لبنان بحراً من العناوين لأفلامك إليس كذلك؟

** في كل بحث أقوم به لتنفيذ فيلم ما تطالعني أفكار لأفلام لاحقة. خلال أبحاثي في ارشيف يمتد لـ60 سنة للبدء بفيلم “مرسيدس″، برزت مرحلة الخمسينيات والحرب التي تخللتها. الأحداث تتدافع، وكل فيلم يغذي ما سيليه.

*”كمال جنبلاط الشهيد والشهادة” لماذا هذا الاختيار الوحيد من بين وجوه الحرب الأهلية؟

** أهتم بشخصه من منطلق رومانسي يساري، بأفكاره وأسلوب حياته، والجانب الروحاني لديه. جوامع مشتركة كثيرة نلتقي عليها. صعب التحدث عن شخصية لبنانية أخرى سواء من الذين صنعوا الحرب أو سواهم. كمال جنبلاط حالة خاصة من خلال مشروع الحركة الوطنية للإصلاح، التي بقيت حلماً. ومن خلاله رحت صوب حلم لم يتحقق.

*وماذا في جعبتك بعد؟

** “يا عمري” يتابع جولته في العالم وقد حصد حتى الآن ثلاث جوائز. هي جوائز مشجعة، بعضها مالي. نلت جوائز مالية على فيلم “مرسيدس″ شكلت عنصراً مساعداً لإنتاج فيلم “يا عمري”.

*دائماً تبحث عن منتج؟

**أسسنا مع زملائي شركة تتولى إنتاج أفلامنا المستقلة واسمها “زاك فيلمز″، وهم مديرة التصوير، مهندس الصوت، مصمم الصوت، المونيتور ومؤلف الموسيقى.

*ستبقى مثابراً على الأفلام الوثائقية؟

** حتى اللحظة نعم. في السنوات الـ15 الأخيرة حقق الوثائقي حضوراً لبنانياً، وتأكدت أهميته عالمياً بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر 2001 لفهم المجتمع بشكل عام. وللفيلم الوثائقي انتشاره مع وجود محطات فضائية. الهاتف الذكي الذي بات يتميز بجودة أعلى وكلفة أقل في خدمة التوثيق. وعدد المهرجانات في العالم العربي يتزايد، إضافة لصناديق الدعم للسينما. جميعها عناصر ساهمت بدور كبير للفيلم الوثائقي، وأدت لتناقص الفروقات بينه وبين الروائي. حلمي أن أستمر في العمل على “فيلموغرافيا” متكاملة. 

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left