مغارة الروائي العالمي سيرفانتس: معلم أثري يختزن أسرار «دون كيشوت» في كهف جبلي

سليمان حاج إبراهيم

Oct 28, 2017

الجزائر ـ «القدس العربي»: لسنوات لم يكن الكثير من أبناء حي بلكور الشعبي الواقع في قلب العاصمة الجزائر، يدركون أن «الغار» المحيط بسكناتهم العتيقة، والذي تغزوه القذارة، وتحول إلى مكب نفايات، هو معلم أثري عالمي، ذاع صيته في الخارج.
يحمل المكان اسم كاتب معروف، ومشهور، ألّف عملا لا يزال خالدا حتى الآن، رائعة «دون كيشوت دو لامانشا، أو دون كيخوتي مثلما تلفظ بالاسبانية».
الوصول إلى مغارة سيرفانتس وسط حي بلكور الشعبي، الذي يسمى الآن محمد بلوزداد، لم يكن أمرا هيّنا، مع التغيرات التي تعرفها المدينة، وانتشار أشغال ترميم عشرات العمارات العتيقة، التي تعود للعهد الاستعماري، وتكفل السلطات الفرنسية بأغلبها، وتهديم مئات المباني المهترئة، بسبب حركة الزلازل النشطة في المنطقة.
سؤالي لعدد من شباب الحي الواقفين على ناصية الشارع، متباهين بهواتفهم الذكية، والمرتدين لملابس أنيقة، بقصات شعرهم الحديثة، عن مغارة الكاتب الاسباني المشهور، ما إذا كانت متاحة لزيارة الجمهور، لم يكن أمرا مجديا.
الحال نفسه تكرر مع مجموعة مراهقين، وجدتهم غير بعيد عن المعلم، وحاولت جاهدا اختبار معلوماتهمم حول المغارة، ودلالة اسمها، فلم يكونوا على دراية واسعة بالكاتب العالمي ميجيل دي سيرفانتس، وكل ما يعرفونه أنها تسمى «كازما».
تماديت مع بعضهم في الحديث، وأخبرتهم أنها تتعلق بأديب اسباني، ولد في ألكالا دي إيناريس، في مدريد، ردوا علي بابتسامة بلهاء، أطلقوها في وجهي.
أخبروني بعفويتهم أني كنت سأجد ضالتي لو تعلق سؤالي باختبار معلوماتهم حول لاعبي الريال، ولأمطروني حينها بمعلومات وافية عن النادي الذي يعشقه نصف هؤلاء، ويغرم النصف الثاني بغريمه برشلونة.
تركت الفتية، بعد أن أخبرتهم أن المغارة، معلم ثري، وقيمته لدى الاسبان، والمتحدثين بلغتها لا تقدر بثمن، ولا بقيمة بيع لاعبهم المشهور نيمار.
ودعني هؤلاء الشباب وهم يتغمازون فيما بينهم، وتشي ملامحهم بلا مبالاتهم بالمغارة، وقيمتها المعنوية، ولا بالحي الذي يقطنون.
لمست من ردة فعلهم وبحديثهم وهمسهم عن ما يشغل بالهم أكثر، وهمهم الأصيل، أن يلتحقوا برفاقهم الذين سبقوهم في الهجرة إلى الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط.

حالتها من حال البلد
 
وصلنا وجهتنا المقصودة، متجاوزين طوابير السيارات الواقفة في مكانها، بسبب الازدحام الشديد الذي تشهده معظم شوارع العاصمة، لتجعل الحركة صعبة وخانقة، طيلة ساعات النهار.
في منطقة الحامة، وغير بعيد عن حديقة التجارب الثرية التي تضم نفائس النباتات والمزروعات النادرة والمعمرة، تقع المغارة، في تجويف هضبة مرتفعة، وخضراء، تتطلع بثقة إلى زرقة أمواج البحر الأبيض المتوسط، مشكّلةً لوحةً مذهلةً بمنظرها البديع.
خلال زيارتي الأخيرة للمعلم، لاحظت أثرا لجهود مبذوة لإزالة أطنان القاذورات التي كانت تغزو المكان، لعقود زمنية شهد خلالها صنوف التهميش، وتأثر كثيرا بالفوضى التي شهدها البلد منذ انتكست حالته نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولازمته حالة شلل، وخدر.

محاولات ترميم خجولة

أول محاولة جادة لتهيئة مغارة سرفانتس كانت في سنة 2006 وتزامنت مع زيارة وفد من الأدباء العرب، المقيمين في الخارج، بمبادرة من المكتبة الوطنية، وإشراف الروائي الأمين الزاوي.
نفذ البرنامج بالتعاون مع المركز العربي للأدب الجغرافي «ارتياد الآفاق» وأحيا نحو 70 كاتبا مهاجرا من 25 بلدا عربيا، يقيمون في أوروبا والأمريكيتين، ليلة الشعر العربي في ضيافة سيرفانتس.
سريعا توقفت الأشغال في المعلم، ولم يستكمل مسعى ترميم المغارة، وظلت مهمشة، حتى سنة 2016 لتُزال الأوساخ، والقاذورات.
منعت السلطات، تحويل المكان إلى مأوى للمشردين، كما أزيلت عدد من الأكواخ الآيلة للسقوط.

في كهوف الجبال استلهمت الأفكار
 
عند الوصول إلى موقع المغارة، يلاحظ المرء الجهود الخجولة لإعادة إحياء المعلم، الذي لو كان في بلد آخر غير الجزائر، لتحول لمضخة تدر عملات صعبة، تغذي خزينة الدولة، على حد قول صديق تحدث بأسى عن حالة المكان.
قابلتنا ثلاثة نُصُبٍ تعريفيةٍ بالمكان، ولافتة مرفوعة تشير إلى اسم الموقع، وتدل على المعلم الذي يقع غير بعيد عن مؤسستين ثقافيتين وطنيتين هما المكتبة الوطنية، والمتحف الوطني.
سطرت على اللافتة المرتفعة إلى الأعلى فقرات تشير إلى الأديب الاسباني، وتواجده في المغارة، وأسره فيها، ونبذة عن الرائعة التي ألفها، واستلهم جوانب منها خلال تواجده فيها.
يبلغ طول المغارة سبعة أمتار، وعرضها متران، وتضم بعض الغرف الصغيرة، التي تعتبر منحوتات أثرية، تكونت بفعل الطبيعة، وتشكلت عبر عقود من الزمن، هي عمرها الطبيعي.
وحول المغارة حديقة صغيرة تزينها بعض الأشجار، وأدراج كانت تؤدي قديما إلى غابة ممتدة ومترامية، تشكل متنفسا طبيعيا للموقع.

من هنا مر مؤلف دون كيشوت
 
تشتهر الجزائر بالعديد من المغارات الواقعة في الكهوف، وتتوزع على مناطق البلد، لكن هذه المغارة تشكل قيمة تاريخية، وتميزت بكونها ترتبط بفترة مهمة من حياة الأديب الاسباني ميغيل سرفانتس مؤلف دون كيشوت.
الأيام الطويلة والمقلقة التي أمضاها الأديب في المكان، زودته بما يحتاج إليه من مشاعر وتجارب، وصقلت الصدمات أحاسيسه، ومنحته تلك الصدمات الإلهام اللازم، ليبدع سنوات من بعد أشهر رواية اسبانية في العالم.
يعتبر الروائي الجزائري واسيني الأعرج في أحد نصوصه، أنه «في عمق الكهوف نشأت كل الممنوعات التي غيرت وجه العالم، القرآن في غار حراء، ومقدمة ابن خلدون في مغارة فرندا، ومغارة سرفانتس التي خرج منها أجمل نص وأخطره ضد محاكم التفتيش المقدس.
ويستطرد لاحقا عن قصة محاكاته لـ «دون كيشوت» نفسه في أحد نصوصه، بشخصية فاسكيس دلميريا، وينتقل من شخصيّة حقيقية إلى إخرى خيالية إبداعية، فيلبس لباس الشخصية.
ويتفنن في رسم الصورة بالإيحاء لما يرتديه بطله، «واضعا السامبريرو على رأسه ذاهبا إلى المكان الذي سجن فيه حقيقة، مغارته، التي تحولت الآن إلى مزبلة، بالرغم من أن كبار المثقّفين وعشاق سرفانتيس كانوا يأتون بعد الاستقلال إلى الجزائر، ليزوروا المكان الجميل الذي يشرف على البحر».
ويتحسر واسيني على حال المعلم، مشيرا إلى أن الزمن يدور دورته المؤلمة، ويصبح المكان مزبلة يلتقي فيها السّكارى، وهو مشهد يلخّص صورة الجزائر التي انهارت.

هل كان دون كيشوت جزائريا
 
يعتبر المترجم بوبكر بلقاسم في نص منشور، بعنوان: هل كان دون كيشوت جزائريا؟ أن سائر من درس رواية دي سرفانتس، يجمعون أنه وظّف شخوصًا حقيقية التقاها أثناء فترة أسره، بل وكانت اللمسة العربية الإسلامية حاضرة بقوة في بعض التفاصيل، داخل دفات الرواية.
ويؤكد أن دي سرفانتس، لم يكتب أي شيء أثناء تواجده في الجزائر سواء إبان أسره، أو بعد مكوثه في مغارته، لكنه وظف كل مشاهداته من أجل تأثيث رواية «دون كيشوت دو لا مانشا».
ويضيف أن الأديب الاسباني، كان يحكي عن لغة الناس هناك، وعن طبائعهم، ولباسهم، وطريقة العيش داخل القصر وخارجه.
في الفصل 41 والذي عنونه بـ»قصة أسير» يخيل لك وكأنك تمسك بيد دون كيشوت وتهيم في شوارع «مزغنة» حنين يربط دي سرفانتس بالجزائر التي عاد لها مرّة أخرى قاصدًا «باهية المدن» وهران.

المغارة السجن
 
ميغيل دي ثيربانتس مثلما ينطق اسمه بالاسبانية، علقت ذكراه بالمكان، وكل نقطة فيه تروي قصة أسره، وسجنه لخمس سنوات.
أمضى الأديب فترة من سجنه في الجزائر، بين 1575 و1580 في المغارة، منتظرا دفع فدية معتبرة قدرت بـ500 سبيكة ذهبية واعتبرت ثروة بمقايسس ذلك الوقت.
أسر الأديب الاسباني المولع بالبطولات في الجزائر، حدث أثناء عودته من نابولي إلى إسبانيا، وقيام أسطول عثماني صغير من الجزائر، بقيادة أرناؤوط مامي باعتقاله، وشقيقه رودريغو، في ضواحي كاداكيس، أو بالاموس واسمها الآن كوستا برافا، واقتيدا إلى الجزائر.
عثور القراصنة العثمانيين على خطابات التوصية من دون جوان النمساوي ودوق سيسا غونثالو فرنانديث دي كوردوبا، لدى الأديب الاسباني، جعلهم يعتقدون أنه شخص مهم جداً، ما أغراهم بالتفكير في الحصول على فدية جيدة جراء هذه العملية. وطلبوا خمسمائة سكودو ذهبية لإطلاق سراحه.

محاولات هرب من المغارة
 
حاول سيرفانتس المتباهي بكونه رجلًا قويًا شديد العزيمة، وثابت الروح القتالية، الهرب أربع مرات، خلال سنوات الأسر الخمس، لكنها باءت بالفشل جميعها، واضطر لاستكمال فترة الاحتجاز حتى دفع الفدية.
 تمكنت والدة الأديب والشاعر، من جمع كمية لا بأس بها من العملات المعدنية لإنقاذ ابنيها، وأُعدت ترتيبات الصفقة عام 1577، إلا أن المبلغ الذي جمع لم يكن كافيًا لتحريرهما.
فضل ميغيل أن يطلق سراح أخيه رودريجو، الذي عاد إلى إسبانيا، ليظل هو في الأسر ومستقبله مجهول.
عام 1580، وصل إلى الجزائر الآباء الثالوثيون أنطونيو دي لا بييا وخوان خيل، التابعون للنظام المختص بتحرير سراح الأسرى، وعرضوا فدية لإطلاق سراح أديبهم، ساهمت بجمع جزء معتبر منها والدته.
عاد مؤلف دون كيشوت إلى بلدية دانية (اسبانيا) وانتقل منها إلى بلنسية، ليصل مدريد عند عائلته، التي افتقدته فترة طويلة أمضاها أسيرا في الجزائر.

معلم بحاجة للاهتمام
 
يروي العديد من المثقفين العرب والأجانب، بذهول تجربة زيارتهم للمغارة، ويتعجبون كيف أن المعلم لم يحظ بالاهتمام الكافي، واللازم، لما يحمله من مكانة، كون أشهر أديب عالمي، مكث فيه زمنا، واستلهم في جوفه إحدى أهم أعماله الخالدة.
يستذكر المولع بالسفر وأدب الرحلات، محمد أحمد السويدي، في نص له نشره قبل سنوات خلت بعنوان: «سرفانتس يحصي أيامه» تجربة زيارته للمعلم، ومشاهداته في المغارة.
«سرفانتس بلحمه ودمه الذي ترك حروبه وطواحينه وعبر المتوسط ليختبئ في مغارة في الجزائر؟ إنها حكاية طريفة ومؤلمة، حدثت للرجل في القرن السادس عشر، فالرجل لم يكتب حرفاً من روايته «دون كيخوت» هنا، بل لقد استلهم كثيراً مما تركته الواقعة في نفسه وضمّن أوجاعها في نصّه الذي نشره في جزأين».

تحرك اسباني
 
بذلت السلطات الاسبانية، بمختلف مستوياتها، جهودا معتبرة لإحياء المعلم، وترميم أجزائه، وحمايته من التهميش، وإبرازه كمعلم تراثي عالمي، لا يقتصر إشعاعه على الجزائر فحسب، بل ليكون تراثا عالميا.
وتبنت السفارة الاسبانية في الجزائر، وبالتنسيق مع عدد من الجمعيات المحلية، وبالتعاون مع السلطات المحلية، خطة لإعادة بعث هذه المعلمة، وإحيائها من جديد، وصون ذاكرتها.
وراهنت مديرة المعهد الثقافي الاسباني راكيل روميرو، منذ تعيينها في منصبها على إحياء المغارة، وتنظيم عدد من الاحتفالات تزامنت مع مناسبة مرور 400 سنة على وفاته (1547 ـ 1616).

حسرة المثقفين
 
لسنوات ظل عدد من المثقفين الجزائريين، يتحسرون كلما مروا من المكان على حال المغارة، وما ألم بها، ودعوا السلطات إلى ضرورة الاهتمام بها، ونفض الغبار عنها وتنظيف محيطها لما تحمله من ذكريات تخلد مرور أديب عالمي من المكان.
وانتُقِدت وزارة الثقافة بتعاقب المسؤولين الذين مروا على المنصب، لعدم تحركها لإبراز المغارة، وتحويلها لمزار، على غرار ما تقوم به نظيرتها في الدول المحيطة.
واعتبر الكاتب المهتم بحياة وآثار سرفانتس، جمال غلاب، مؤلف كتاب «سرفانتس في الحامة» الذي أصدره سنة 2006، أن الأديب العالمي، ما زال حيا على الصعيد الأدبي، وقد خلد الجزائر في رائعته «دون كيشوت» التي عرفت أكثر من ثمانمئة طبعة وترجمت إلى أغلب لغات العالم.

وزارة البيئة تتحرك
 
قامت وزيرة البيئة، فاطمة الزهراء زرواطي المعينة حديثا في منصبها بمبادرة مع جمعية «سيدرا» بتنظيم حملة باسم «نقي حومتك»، شملت تنظيف عدد من الأحياء، من بينها موقع مغارة سرفانتيس.
المبادرة كانت محل إشادة عدد من المثقفين الجزائريين، والمهتمين بالآثار، وتمنوا تعميمها لتشمل عددا من المواقع والمعالم.
وفي حديث سابق مع رئيس جمعية الكلمة للثقافة، الشاعر عبد العالي مزغيش، أبدى نيته المساهمة في إبراز أهمية مغارة سيرفانتس، وتحويلها لمعلم ثقافي مشرق.
وكشف عن استعداده «التواصل مع السلطات البلدية، ومعهد سيرفانتس الاسباني، لتنظيم أمسيات فنية وشعرية هناك باسم جمعية الكلمة».
وقال مزغيش إن «من الجميل أن تقوم السلطات بالمزيد من المحاولات والجهود لرفع الغبن عن بعض معالمنا قبل أن يجرفها الإهمال ويقتلها».
غادرت مغارة سيرفانتس التي لا تزال مجهولة لدى شريحة واسعة من الجزائريين، محتفظا بحديث الشاعر مزغيش الذي يمنح جرعة أمل.
تصورت وأنا أترك هذا الفضاء، لو فعلا تقع المغارة، مثلما تحدث الصديق والزميل توفيق رباحي، في بلد آخر، كيف سيكون حالها؟
وللأسف مثلما أكد «نحن بارعون في الخراب» ولا نهتم كثيرا بما يكتنزه البلد من مآثر وكنوز، ظلت معالم مثل مغارة سيرفانتس، مهمشة وفقدت مكانتها، ودمرها النسيان وتعرضت للسطو والإهمال.

مغارة الروائي العالمي سيرفانتس: معلم أثري يختزن أسرار «دون كيشوت» في كهف جبلي

سليمان حاج إبراهيم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left