سيف اجتثاث البعث في العراق نموذج للإقصاء السياسي والفكري

مصطفى العبيدي

Oct 28, 2017

بغداد ـ «القدس العربي»: من جديد، أثار إقصاء مجاميع جديدة من الموظفين في المؤسسات الحكومية بسبب الانتماء السابق لحزب البعث العراقي المنحل، استنكار ورفض سياسيين عراقيبن لقضية اجتثاث شريحة كبيرة من أبناء المجتمع العراقي وإبعادها عن دورها الطبيعي، وذلك ضمن سياسة الإقصاء والتهميش السائدة في العراق منذ 2003.
فقد أعرب نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي عن استغرابه لاستمرار سياسة الاجتثاث ضد الموظفين الذين كان لديهم انتماء سابق في حزب البعث ، وذلك رغم مرور 14 عاما على تغيير النظام السابق عقب الاحتلال الأمريكي.
وأكد في لقاء تلفزيوني لقناة عراقية، ان هيئة المساءلة والعدالة، المسؤولة عن إبعاد البعثيين السابقين من الوظائف والمواقع الرسمية والاجتماعية، ما زالت حتى الآن تواصل إصدار قوائم فصل جديدة تضم المئات من الموظفين من دوائر الحكومة المدنية والعسكرية، رغم الحاجة إلى قدراتهم وكفاءاتهم لخدمة البلد، ورغم عدم ظهور أي مواقف عدائية أو نشاط إرهابي لهم.
وسبق لعلاوي، المعني بملف المصالحة الوطنية، أن أعلن في لقاء مع «القدس العربي» أن استمرار إجراءات وقوائم الاجتثاث من هيئة المسائلة، في إبعاد الخبرات والكفاءات من دوائر الدولة، هو «عمل انتقامي انتقائي ضد فئة معينة من المجتمع، يتعارض مع ادعاء الحكومة بالحرص على المصالحة الوطنية بين مكونات الشعب العراقي». ودعا إلى «إلغاء القانون الذي أصبح سيفا على رقاب العراقيين لانتفاء مبرراته».
وأكد الكاتب والاستاذ الجامعي الدكتور قحطان الخفاجي لـ«القدس العربي» ان قرار اجتثاث البعث ذو أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية سلبية، ألحقت الظلم بشريحة واسعة من المجتمع العراقي، وأدت إلى احتقان اجتماعي وأضرار اقتصادية بحق شرائح كبيرة من المجتمع.
وأشار إلى ان قانون الاجتثاث يتعارض مع بنود في الدستور العراقي تؤكد على احترام حرية الفكر والرأي للأفراد، وان أفكار حزب البعث لا تتعارض مع الديمقراطية لذا لا تنطبق عليه مبررات إجراءات الاجتثاث، كما ان القانون لم يفرق بين أفكار الحزب وممارسات قياداته، فممارسة بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة مثل «داعش» والقاعدة لجرائم بحق الناس، لا تعني ان الإسلام على خطأ، حسب قوله.
وأكد ان هناك عدة أشكال للازدواجية في منهج الحكم في العراق بعد 2003 ومنها اجتثاث البعث في العراق مقابل التحالف مع البعث في سوريا.
وضمن السياق، أكدت مصادر في وزارة الداخلية العراقية، ان قوائم جديدة صدرت مؤخرا عن الوزارة، بفصل مجاميع من موظفيها ومنتسبيها في بغداد وباقي المحافظات، لشمولهم بقانون المساءلة (الاجتثاث). وتأتي القرارات الجديدة رغم ان وزير الداخلية قاسم الأعرجي، القيادي في منظمة بدر الشيعية، أكد في لقاء تلفزيوني مؤخراً، معارضته شمول بعض منتسبي وزارته بقانون المساءلة وإبعادهم عن الوظيفة، نظرا لدورهم في محاربة الإرهاب في البلد، حسب قوله.
وقال، انه التقى أثناء زيارته لقوات الوزارة المشاركين في المعركة ضد تنظيم «داعش» العديد من الضباط الذين يقاتلون التنظيم منذ سنوات وبعضهم أصيب بجروح خطيرة، وقد اشتكوا له لشمولهم بقانون الاجتثاث ضمن قوائم تصدرها هيئة المسائلة، كما أشار إلى أن بعض المشمولين بالاجتثاث قد استشهدوا أثناء محاربة الإرهاب في العراق، داعيا إلى «ضرورة إعادة النظر في قانون المساءلة بعد مرور 14 عاما من سقوط النظام».
وكانت هيئة المساءلة وجهت كتابا إلى وزارة الداخلية في نيسان/ابريل 2017 عن وجود عدد من المشمولين بأجراءات المساءلة والعدالة في وزارة الداخلية وهو ما يستدعي تطبيق القانون بحقهم، مشددة على المسؤولين في الوزارة ان هذه الإجراءات واجبة التطبيق وإيقافها يعد مخالفة قانونية كما ورد في نص المادة (13) من قانون الهيئة رقم 10 لسنة 2008.

موقف القوى السياسية العراقية

وبهدف الحد من أضرار قانون الاجتثاث، سعى العديد من الأحزاب والقوى والنواب السنة، إلى تحويل ملف الاجتثاث من سياسي إلى ملف قضائي، حيث تتم محاسبة الأشخاص المنتمين لحزب البعث، من قبل القضاء إذا كانت ضدهم قضايا جنائية ومخالفات قانونية، وعدا ذلك فيتم التعامل معهم أسوة ببقية المواطنين.
وجرت محاولات عديدة بهذا الصدد، ومنها «وثيقة الاتفاق السياسي» التي اتفقت عليها القوى السياسية عند تشكيل حكومة حيدر العبادي، حيث تضمنت تعهدات حكومية بالعمل على تحويل «اجتثاث البعث» إلى عملية قضائية وليس سياسية، إضافة إلى قضايا أخرى، إلا ان الأحزاب والقوى المتحكمة في السلطة في العراق، رفضت لاحقا إلغاء هيئة المساءلة واستمرت في استخدامها لتحقيق أهدافها السياسية. ولذا كررت القوى الوطنية توجيه الانتقادات لحكومة حيدر العبادي لعدم تنفيذها بنود وثيقة الاتفاق السياسي.
وسبق للنائب عن تحالف «الوطنية» كاظم الشمري، ان كشف في ايار/مايو الماضي، عن فصل 300 موظف من ذوي الخبرات والشهادات العليا في وزارة العلوم والتكنولوجيا بسبب قرارات المساءلة والعدالة، داعيا رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى التدخل شخصيا وإيقاف تلك الإجراءات في خطوة لبناء الثقة بين المواطن والحكومة والانتقال إلى دولة مؤسسات حقيقية تتعامل مع العراقيين على أساس ما يقدمونه للبلد.
وقال في بيان، إن «قائمة بأسماء 300 شخص وصلت من هيئة المساءلة والعدالة إلى وزارة التعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا» مبينا أن «تلك الأسماء تضم شخصيات يحمل 90 في المئة منهم، شهادات عليا (ماجستير ودكتوراه) والبقية هم خبرات وكفاءات تخصصية في مجال عملهم، وبعضهم رؤساء جامعات وكليات».
وتساءل الشمري، عن «اتخاذ هكذا قرارات طاردة لما تبقى من خبرات في البلد الذي يشتكي أساسا من قلة الخبرات، في حين  تتمسك بشخوص همهم الوحيد هو الإثراء على حساب الوظيفة وتعميق الترهل الوظيفي دون منفعة للدولة».
وأكد أن «محاربة هؤلاء في أرزاقهم وسمعتهم المهنية معناه طردهم إلى خارج البلد وتحويلهم من عناصر منتجة في هذا الوقت الصعب، إلى مواد خام من الممكن أن تستقطبها الجهات المعادية للعراق أو على الأقل التخلي عن تلك الكفاءات كي تذهب لخدمة دول أخرى».

موقف قوات الاحتلال

ورغم ان قيادة الاحتلال الأمريكي أصدرت بعد احتلال العراق عام 2003 قانون اجتثاث البعث، بهدف إبعاد قيادات النظام السابق وأعضاء حزب البعث الكبار عن مواقع السلطة، إلا ان تطبيق القانون أثار حفيظتها لاحقا.
فقد انتقد القائد الأسبق للقوات الأمريكية في العراق بترايوس، عمل هيئة الاجتثاث التي توسعت في شمول أعداد كبيرة من البعثيين ضمن قوائم الاجتثاث بشكل غير عادل، بينما أكد الجنرال راي أديرنو، القائد العسكري الأسبق للجيش الأمريكي صراحة إن «رئيس هيئة الاجتثاث الأسبق أحمد الجلبي، ورئيسها اللاحق علي اللامي، مرتبطان بفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني» كما تحدث السفير الأمريكي لدى العراق كريستوفر هيل عن «أن إيران تتدخل بشكل مباشر لاستبعاد مرشحين عراقيين مناوئين لها عن طريق الهيئة، وأن نتائج الانتخابات ستحدد ما إذا كان العراق سيظل صديقا للولايات المتحدة، أو يتحول إلى حليف لإيران».
واعتبر وزير الخارجية البريطاني السابق فيليب هاموند، في لقاء نشر في صحيفة الغارديان بتاريخ 7/7/2016 «أن العديد من القضايا التي نراها اليوم جاءت بسبب القرار المأساوي لتفكيك الجيش العراقي وإطلاق برنامج اجتثاث البعث، واعتبر ذلك خطأ في التخطيط لما بعد النزاع المسلح».

مراحل اجتثاث البعث

تم إنشاء «الهیئة الوطنیة العلیا لاجتثاث البعث» بقانون صادر عن سلطة الاحتلال الأمريكي برئاسة الحاكم الأمريكي بول بريمر بتاريخ 16 نیسان/أبريل 2003 بهدف إنهاء تأثير حزب البعث في العراق وإبعاد قیاداته وأعضائه عن مواقع السلطة وأي مواقع وظيفية واجتماعية وفرض عقوبات متنوعة على أعضائه. وتدار هيئة الاجتثاث من قبل الأحزاب التي كانت في المعارضة ضد النظام السابق لتنفيذ القانون الذي إدى إلى اقصاء الآلاف من الكفاءات والإمكانيات العلمية والفنية والعسكرية في الدولة لمجرد الانتماء إلى حزب البعث رغم عدم ارتكابهم لأي جريمة جنائية.
وقدر بريمر عدد أعضاء البعث المشمولين بالتطهير بـعشرين ألفا (بدرجة عضو فرقة فما فوق) ولكن المصادر المطلعة تؤكد ان المشمولين بالاجتثاث يصل عددهم إلى حوالي 700 ألف عضو، حيث تم لاحقا شمول الأعضاء العاملين أيضا بإجراءات الاجتثاث. علما ان التقديرات تشير إلى ان عدد أعضاء حزب البعث في العراق قبل 2003 وصل إلى عدة ملايين.
ولاحقا أصدر البرلمان الذي تسيطر عليه الأكثرية الشيعية، قانون «هيئة المساءلة والعدالة» رقم 10 لسنة 2008 الذي وسع المشمولين بالاجتثاث، كما فرض عقوبات جديدة منها الاستيلاء على الممتلكات، وهو الأمر الذي عدته القوى السنية والوطنية، بأنه سلاح للانتقام ولتصفية الخصوم وابتزاز المشمولين بالقانون، وانه يتعارض مع دعوات «المصالحة الوطنية» لمرحلة ما بعد الانتهاء من تنظيم «داعش».
وإضافة إلى تضمين الدستور العراقي الصادر عام 2005 بنودا حظرت أي نشاط لحزب البعث العربي الاشتراكي وأعضائه ، فقد أصدر البرلمان قانون حظر حزب البعث رقم 32 لسنة 2016 لمنعه نهائيا، الآن وفي المستقبل، من المشاركة في أي نشاط سياسي واجتماعي في العراق.
واعتادت هيئة «المساءلة والعدالة» إصدار قوائم الفصل بين آونة وأخرى، ومن ذلك القائمة التي نشرتها عام 2010 وتضمنت أسماء 376 ضابطاً في الشرطة والجيش، بحجة تورطهم في أعمال عنف أو الاتصال بالبعثيين، وبينهم قادة كبار من هيئة الأركان والألوية تولوا مهمات أساسية في بغداد وباقي المحافظات طوال السنوات السابقة، وكان لبعضهم دور في محاربة تنظيم «القاعدة» و«داعش» وأبرزهم قائد القوات البرية الحالي الفريق الركن رياض جلال توفيق، وقائد عمليات دجلة اللواء الركن عبد الامير الزيدي وقائد شرطة الأنبار السابق اللواء احمد الدليمي وخليفته اللواء كاظم الفهداوي، وغيرهم الكثير. كما وجهت قوى سياسية اتهامات إلى هيئة الاجتثاث، بانها أرسلت أسماء البعثيين وعناوينهم إلى إيران لتصفيتهم من قبل بعض الميليشيات الشيعية.
ويؤكد المراقبون، ان القوى السياسية المتحكمة في السلطة في عراق ما بعد 2003 جعلت عملية اجتثاث البعث، سيفا للانتقام من عناصر الحزب أو الذين يشكلون تهديدا للسلطة أو لمساومة بعضهم على المواقف، في وقت يعتقد الكثير من العراقيين ان إزالة تأثير حزب البعث من المجتمع العراقي ليس بهذه السهولة وعبر العقوبات والاقصاء، لكون الحزب سيطر على السلطة ومؤسسات الدولة وتوغل في المجتمع لأكثر من ثلاثة عقود وضم الملايين، وبالتالي يتطلب الأمر عقد مصالحة وطنية تستثني من ارتكب الجرائم، وتحفظ حقوق الآخرين، بدل سياسة الاقصاء والتهميش والانتقام.

سيف اجتثاث البعث في العراق نموذج للإقصاء السياسي والفكري

مصطفى العبيدي

- -

1 COMMENT

  1. إجتثاث البعث كان ولازال لإجتثاث أهل السُنة والجماعة عن إدارات الدولة العراقية
    والدليل هو بوجود الآلاف من البعثيين الشيعة بمراكز حساسة بأجهزة الدولة الأمنية وغيرها !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left