ساحة «جامع الفنا»: معلم أثري يختزن أسرار «دون كيشوت» في كهف جبلي

فاطمة الزهراء كريم الله

Nov 04, 2017

الرباط ـ «القدس العربي»: تعد ساحة جامع الفنا الشهيرة، القلب النابض لمدينة مراكش، وفضاء شعبيا للفرجة والترفيه، يحج إليها سكان المدينة وسياحها من كل أنحاء العالم للاستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة لمروضي الأفاعي ورواة الأحاجي والقصص الشعبية، والموسيقيين والبهلوانيين وواشمات الحناء، ما جعل منها تراثا غنيا وفريدا كان سببا في إدراجها في قائمة التراث اللامادي الإنساني التي أعلنتها منظمة «يونسكو» عام 2001.
وحسب بعض الروايات التاريخية، فإن ساحة جامع الفنا كانت على مر العصور فناءً لتنفيذ أحكام الإعدام بحق المتمردين والمجرمين، وروايات أخرى تميل إلى نسبة الاسم إلى الدمار الذي يرادف معنى الفناء، فيما تدلّ روايات ثالثة على أن أصل التسمية يعود إلى العصر السعدي الذي كانت تشكل فيه الساحة فناءً واسعاً لمشروع المسجد الأكبر الأعظم في القرن السادس عشر بعد الميلاد، وبعض المصادر ترجع تسميته بالفنا إلى قرب الساحة من قصر الحجر المرابطي، الذي فنا ووجدت آثاره أسفل جامع الكتيبة.

غويتوسلو: عاشق مراكش

«مدينة مراكش بغير ساحة جامع الفنا لا أهمية لها». هكذا تحدث الكاتب الإسباني الراحل، خوان غويتوسولو الذي كان مقيما في مراكش وأحد المغرمين بالساحة، وقد كان له فضل اعتراف «يونسكو» بها تراثا شفهيا إنسانيا، وقد أوضح أن ساحة جامع الفنا ليست فحسب موئلا للذاكرة الشعبية وفضاء للتراث الشفهي، بل إنها أيضا أفق المستقبل، مستقبل مراكش الذي يتطلع إليه سكان المدينة بكل الآمال والأماني. وأضاف غويتوسولو قائلا إن الفرنسيين شيدوا برج إيفل، وهو اليوم يعتبر رمز العاصمة الفرنسية باريس وفرنسا ككل، بينما ساحة جامع الفنا تأسست عبر التاريخ تلقائيا من طرف المجتمع المغربي ليس وفق قرار إداري أو إرادة سياسية، وهي اليوم رمز مراكش، بل رمز المغرب ويجب احترامها وحمايتها وهذه مسؤولية الإنسانية ومسؤولية العالم ككل.
ساهم خوان بشكل كبير في التعريف بالتراث والثقافة المغربيين، باعتباره من أهم الكتاب الإسبان المعاصرين، وولعه بساحة جامع الفنا، لم يأت هكذا اعتباطيا، فهو مفتون بالثقافات والحضارات، بل إنه صرح أكثر من مرة أن موطنه الأصلي ليس اسبانيا، لأنه لا يتقاسم الناس هناك همومهم ومشاكلهم اليومية، وإنما موطنه هو الثقافات بشتى ألوانها.
صاحب خوان في بداية استقراره في مراكش بعض «الحلايقية» من الذين كانوا يقدمون عروضا داخل الساحة، مثل «الصاروخ» الذي يعد من أشهر الحلايقية في ساحة جامع الفنا. ولقب بـ«الصاروخ» لبنيته الجسدية القوية، حيث كان قادرا على رفع حمار فوق كتفيه أمام اندهاش الزوار. تعلم غويتوسولو الدارجة المغربية التي يتحدث بها بمساعدة الصاروخ.
في مقهى «مطيش» الذي كان خوان من زبائنه الأوفياء، كتب عن نادلة كانت تلقب بـ«السواعد» نظرا لشخصيتها القوية وبنيتها الصلبة التي كانت تشبه الرجال. هذه النادلة استرعت اهتمام خوان وكان دائم التردد على المقهى الذي كان يتخذ لنفسه مكانا محددا فيه، ويراقب بشكل دقيق التدفق البشري الذي تعرفه الساحة كل يوم.
لكنه سيصاب بصدمة بعد عودته ذات يوم من سفر دام شهورا خارج المغرب، عندما اكتشف أن مقهى «مطيش» تمت إزالته ووضعت أكشاك في مكانه. ظل خوان أياما لا يبرح بيته في حي القنارية المحاذي للساحة، من أثر صدمته بإزالة مقهاه المعتاد. وشيئا فشيئا بدأت التخوفات التي كشف عنها في كتاباته تنكشف، وأصبحت تحولات عميقة تطرأ على الساحة. فعدد الرواة تقلص لدرجة أنه لم يعد هناك أكثر من راويين اثنين، هما عبد الرحيم الأزلية ومحمد باريز، والفرجة انكمشت المساحة المخصصة لها، وحلّت مكانها مطاعم تتكاثر كالفطر، بسبب حسابات انتخابية ضيقة.
هذه الأشياء مجتمعة جعلت خوان يصاب بإحباط اندثار الدهشة والانبهار اللذان كان يخلفهما ولوج ساحة ظلت تتميز بغرائبيتها وعجائبيتها على مدى عقود من الزمن.

فرجة متنوعة

منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدماك الساحة، يتردد على مسامعك صخب الأصوات الصادرة من كل الاتجاهات، هنا مجموعات تراقص وتعزف للثعابين السامة، وأخرى تقدم عروضاً فكاهية، وهناك بعض الأفراد يتفننون في سرد الحكايات لجمهورهم، وآخرون يرددون أغاني مجموعات مغربية تراثية معروفة، كفرقة «ناس الغيوان» و«المشاهب» و«جيل جيلالة» بالإضافة إلى مقطوعات مجموعة «لرصاد « المحلية. 
في الوقت الذي تعد فيه ساحة جامع الفنا، بالنسبة لمشاهير العالم عاصمة السياحة المغربية، يرى فيها الفقراء من الحكواتيين المبدعين، ومروضي الأفاعي والقرود، ومتخصصات في قراءة الطالع، والنقاشات، فضاء لكسب قوتهم اليومي ومصدر عيشهم.

 وراثة الحرفة

يوسف بوروادا، وهو شاب في العشرينيات من عمره وواحد من رواد الحلقة في الساحة، يقول لـ«القدس العربي»: أنه «أمتهن هذه الحرفة وورثها عن أجداده وأبيه الذين جعلوا من أحضان ساحة جامع الفنا موردا لقوتهم اليومي، ولم يجدوا غير فن تقديم العروض الموسيقية، للكسب». مضيفا: «لكل يوم نصيبه، فمثلا في أيام ذروة النشاط السياحي يكون الدخل اليومي وفيراً، خاصة في فصل الصيف، أما بالنسبة لباقي الأيام، فنحصل فيها على مصروف يومنا فقط»..
ويؤكد أحد مروضي الأفاعي، بوشعيب (40 عاما) الملقب بـ«البهجة» إنه يجعل من الأفاعي مصدر رزق ومعيل لعائلته ولأبنائه، وكشف لـ«القدس العربي» أنه لا يملك دخلا آخر غير ما يعادل دولار ونصف مقابل التقاط السياح لصورة واحدة مع إحدى الأفاعي أو الثعابين وكلما زاد عدد الصور زادت القيمة.
بينما تتخذ سميرة (30 عاما مطلقة وأم لثلاثة أطفال) من مهنة النقش مورد رزقها الوحيد الذي تعيل به أطفالها. وتقول سميرة وهي تأخذ مكانها إلى جانب عشرات النساء اللواتي يمتهن الحرفة نفسها في الساحة، أن هذه المهنة تعرف انتعاشا خصوصا خلال موسم الصيف وأيام العطل الأسبوعية، وعادة ما يكون الطلب من قبل  السياح الأجانب وزوار المدينة من مختلف الجنسيات ومن مختلف الأعمار. وتؤكد أن دخل أغلب النقاشات لا يتجاوز  15 دولار يوميا في أحسن الأحوال، فالنقش على الأصبع يساوي  دولارا ونصف، بينما النقش على الأيدي والأرجل لا يتجاوز 7 دولارات.

تحول خطير

بعد أن كانت ساحة جامع الفنا، في الماضي القريب، فضاء  للتثقيف ولإعمال الحس النقدي لدى جمهور «الحلقة» ومدرسة لما تزخر به من تجارب في فن الحكاية، سجل على أنها اليوم تعيش تحولا خطيرا من خلال حالات الاستياء العارم التي عبّر عنها العديد من السياح الأجانب نتيجة لبعض الممارسات المتمثلة في النصب والاحتيال من طرف الحكواتيين وباعة المأكولات، والسرقة وسلوكيات جنسية شاذة أثرت في السنوات الأخيرة على سمعة الساحة، حيث أصبحت مرتعا للمتسولين واللصوص والمتحرشين جنسيا، ما جعل عددا من المهتمين يدقون ناقوس الخطر حول مستقبل هذه الساحة باعتبارها صنفت ضمن التراث الإنساني اللا مادي، وتصاعدت الدعوات لحماية هذا التراث الإنسانيّ، وإعادة تنظيم حلقات ساحة جامع الفنا، بما يليق وأهميتها الثقافية والتاريخيّة باعتبارها ذاكرة المغرب الحيّة.
وقد حذر المدير العام السابق لمنظمة «يونسكو» فيديريكو مايور، من الخطر المحدق بالساحة، ومن أن التصنيف الذي نالته من المنظمة مُهدد بالضياع، معتبرا أنها فقدت جزءا كبيرا من بريقها وهويتها وتتآكل بشكل تدريجي. وقال فيديريكو في حوار صحافي: أنه «من غير المعقول أن يتم إهمال ساحة جامع الفنا، وألا يتم تأمين المؤهلات التي جعلتها تحظى بشرف الانتماء إلى نادي التراث العالمي، إنه لخطأ جسيم، خاصة أن مراكش أبانت إلى يومنا هذا عن قدرة كبيرة في اجتذاب السياح من مختلف بقاع العالم».
وأضاف: «لقد أنجزنا ريبورتاجا مُطوّلا، واستقينا من خلاله شهادات الحكواتيين وانفتحنا على وجهات نظر عدد من المختصين في المجال الثقافي والتراثي ودققنا ناقوس الخطر، وقلنا أنه آن الأوان للتحرك العاجل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن إلى حد الآن لم نجد آذاناً صاغية، فعلى المسؤولين أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة».

سوقٍ مفتوحٍ

ولكون الساحة عبارة عن سوقٍ مفتوحٍ، فقد سمح ذلك لبعض أصحاب الحرف العشوائية بإحداث الفوضى، وتطبيق قانون الأقوى في المكان، دون مراعاة لخصوصيتها وجماليتها المعهودة، ما جعل العائلات المراكشية التي كانت تتخذ من الساحة متنفسا لها أيام نهاية الأسبوع، تمتنع عن اصطحاب أفراد أسرهم بسبب الممارسات الشاذة التي يختلقها بعض الملازمين للعروض في الساحة، والذي قد ينتهي في بعض الأحيان إلى مشادة كلامية وتشابك بالأيدي.
هذا التردي والتقهقر لم يؤثر فقط على السكان المحليين بل أيضا على نسبة السياح الأجانب جراء استياءهم من الوضع الراهن، ما أدّى إلى تراجع أعداد فناني «الحلايقية» أو الحكواتيين، وبالتالي ألحق ضررا بدينامية وحركية الساحة، حيث تراجعت معها المداخيل المالية للحكواتيين الملتزمين بفن الحلقة، كما اضطر عدد من روادها إلى مغادرتها، لتكون بعدهم الساحة مرتعا للمتسولين والمنحرفين. بالإضافة إلى النقاشات اللائي لا يتورعن عن مضايقة رواد المكان من خلال اعتراض سبيلهم وهي الممارسات التي تتنامى مع وجود البعض ممن يتعاطين المخدرات والدعارة بشكل يسيء إلى المهنة التي باتت من مكونات الساحة الشهيرة إلى جانب باقي المهن والحرف الأخرى. 
تقول مواطنة مغربية لـ«القدس العربي»: «زرت ساحة جامع الفنا لأول مرة في حياتي الصيف الماضي، لم تكن في صورتها التي حكى لنا عنها آباؤنا الذين زاروها في السبعينيات والثمانينيات. هناك بعض الممارسات المخلة بالحياء بالإضافة إلى مضايقات المتسولين ومنشطي الحلقات».

ساحة «جامع الفنا»: معلم أثري يختزن أسرار «دون كيشوت» في كهف جبلي

فاطمة الزهراء كريم الله

- -

6 تعليقات

  1. بالأمس كنت في حوار مع سيدة هولندية عجوز مقيمة بمراكش
    -
    منذ سنين فحدثتني عن ساحة جامع الفناء اول مرة زارتها في
    -
    بداية الستينات وعن دهشتها من تمكن راوي الحكايات من سلب
    -
    ألباب الحاضرين دون ضجة ، حدثتني ايضا عن غبارها الكثيف و
    -
    مقهى فرنسا و حاله المتواضع آنداك ، و تأسفت في الأخير على
    -
    انقراض مثل ذلك الثرات ، وتسيد مرودي الأفاعي و القردة فيه ،
    -
    في ختام لقاءنا بشرتها بمقهى ادبي افتتحه البريطانيون بحي “القصبة”
    -
    الغير بعيد عن ساحة ” جامع الفناء ” ففيه يتم حفظ ما تبقى من فن “الحكواتية”
    -
    “الحلقة ” وفنون اخرى أزاحها التوجه السياحي المربح
    -
    تحياتي

  2. مقهى ” مطيش” كان هو المكان المفضل لدي في مراهقتي لأطالع اي
    -
    رواية منفلوطية اقتنيتها من كتبيي ساحة جامع الفناء ربما لكونها كانت
    -
    الأرخص فكوب الشاي حينها كان بدرهم فقط ” اواسط الثمانينات” ، كانت
    -
    تسترعي انتباهي صورة معلقة لشخص بحائطها و قد كتب تحتها بعاميتنا
    -
    ” انا ولد جامع الفنا” و مع مرور الأيام انتبهت لمجلس يتحلق اشخاص حول
    -
    احدهم ، ولم يكن ذلك الشخص سوى صاحب تلك الصورة ، بعد بحث سيتبين
    -
    لي ان الرجل من كبار ادباء اسبانيا و هو عاشق لمراكش و اسمه خوان غويتوسلو
    -
    آخر مرة شاهدته كان بمقهى في فضاء يطل على قصر البديع كان فيهل يتأمل
    -
    لقالقا تعبث بأعشاشها و لعله كان يرثيها قبل ان يغادرنا لدار البقاء فقد حدس
    -
    ان معالم مراكش الى زوال بعد تغول البازارات السياحية ومحلات الوجبات
    -
    شكرا للأخت فاطمة الزهراء على اُلتفاتتك الطيبة نحو غويتوسلو فلن تنساه
    -
    مراكش و إن نسيه من نسوها شكرا ايضا على التنويه بمجموعة ” لرصاد”
    -
    المجموعة الملتزمة التي همشها الاعلام الرسمي
    -
    تحياتي

  3. كانت المغرب قديماً تُسمى بمراكش !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  4. في موسوعة ويكبيديا ان المغرب عرف قبل اختراع الكتابة …حوالي 4000 سنة قبل الميلاد..ومرت عليه مجموعة كبيرة من الحضارات قبل الاسلام تجدها مفصلة في نفس الموسوعة…واما مراكش فهي مدينة بناها بطل الاسلام والمسلمين السلطان المجاهد والمصلح يوسف بن تاشفين رضي الله عنه .واتخذها عاصمة لحكمه الذي كان يمتد جغرافيا من حدود فرنسا والى تخوم نيجريا…واما تسمية المغرب بمراكش فهو من باب اطلاق الجزء على الكل على سبيل الاصطلاح في فترة معينة بحكم اشتهار امر هذه المدينة في عصر المرابطين والموحدين ….وتحية خالصة الى ابناء بلدي بهذه الجوهرة الخالدة …

    • المغربي-المغرب
      -
      اود ان ابادلك التحية بافضلها باسم كل ساكنة مدينة ابن تاشفين
      -
      شكرا

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left