اللاجئون الفلسطينيون في لبنان: الحلم ممنوع!

رلى موفّق

Nov 11, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: ثمة مسار يمكن وصفه بالإيجابي تسير إليه العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية قياساً بواقع الأمور في الربع الأخير من القرن الماضي، والذي شهد نزاعات دموية بين الفلسطينيين واللبنانيين المسيحيين عموماً. تغيّرت الظروف، فأضحت القضية جزءاَ من الماضي الأليم، وجزءأً من التاريخ. تراجع منسوب التوتر والتشنج و«العنصرية العمياء» لكن هاجس التوطين بقي حاضراً، وساهم ذاك الهاجس مع القوانين اللبنانية المجحفة بحق اللاجئين الفلسطينيين في خلق ظروف معيشية وإنسانية وحياتية مزرية، والأهم حرمانهم من أن يحلم شبابهم أن يكونوا أطباء أو مهندسين أو أصحاب مهن حرة معينة أو موظفين في حقول محددة، كما حرمانهم من أن يملكوا مسكناً أو أن يتمتعوا بحقوق مدنية بحدها الأدنى إلى حين عودتهم إلى أرضهم الأم، وهم الذين ولدوا في لبنان وقبلهم ولد آباؤهم. فجيل النكبة لم يبق منه أحياء شهود. فقط ذكريات يتوارثها الأولاد عن الآباء والآباء عن الأجداد.
من الصعب زرع الأمل في نفوس الجيل الحالي الذي يشعر أن لا مستقبل له، لكن ثمة ضوءاً في هذا النفق المظلم ينبع من توّلد قناعة لبنانية بأن الضغوط التي تواجه المجتمع الفلسطيني في لبنان لا تترك آثارها فقط عليهم بل أنها تضغط بدورها على المجتمع المُضيف، والذي بات مُطالباً أن يخطو بجدية في إيجاد حلول عملية ومعالجات صحيحة تأخذ في الاعتبار الظروف المُعقدة والصعبة داخليا وإقليميا حيال ملف اللاجئين الفلسطينيين، تجنباً لتفاقم انعكاساتها السلبية سواء بشكل مباشر أو غير مباشرعلى لبنان والمجتمعات العربية المضيفة.

مقاربة جديدة للمشكلات

المحاولة الجدية في مقاربة ملف اللجوء الفلسطيني جاءت مع تأليف «لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني» عام 2005. هي خطوة انطلقت، وفق قراءة رئيس لجنة الحوار الدكتور حسن منيمنة، من أن لبنان تغير، وكذلك تغيرت العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، ومع تغيّر أوضاع اللاجئ فيه، رأت الحكومة اللبنانية أن الوقت بات مناسباً للتعامل مع حقوق الفلسطينيين من منطلق مختلف. فقد خرجت قيادات منظمة التحرير ومعظم قواتها المسلحة من لبنان بعد 1982 وتوقفت الحرب الأهلية عام 1990 بموجب «اتفاق الطائف» الذي في عهدته انتفى أن يكون الفلسطينيون عنصراً متداخلاً مع الصراعات اللبنانية – اللبنانية. غير أن التحولات التي حصلت بعد 2005 مهدت الطريق أمام تحرير وضع اللاجئين من استخدامهم روقة إقليمية، الأمر الذي يخدم الفلسطينيين واللبنانيين على السواء.
خطت لجنة الحوار خطوات مهمة عدة منذ تأليفها، لكن الاختراق الفعلي حصل بعد تسلم منيمنة رئاسة اللجنة، وذلك مع تشكيل «مجموعة العمل اللبنانية حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين» التي شملت مختلف الأطياف السياسية اللبنانية على اختلاف مشاربها وانتماءاتها. لم تكن المهمة سهلة، لكن التقاط اللحظة كان الأساس، في رأي ميسّر الحوار في مجموعة العمل الخبير الدكتور أنطوان حداد، الذي رأى أن فلسفة العمل كانت تقوم على التوفيق بين هدفين: معالجة مخاوف اللبنانيين التي منها مشروعة وأخرى مضخّمة، خصوصاً أن النزاع كان بين الطرفين الفلسطيني والمسيحي، فعدا عن الرواسب، فإن هاجس التوطين هو الأكبر لدى هذا الفريق من اللبنانيين. في المقابل هناك أوضاع معيشية صعبة لدى الفلسطينيين كشعب، مصحوبة بتجربة مثقلة بالسلاح والمؤامرات ومحاولات لاستغلال المخيمات وحال البؤس والفقر من قبل أجهزة واستخبارات وتنظيمات متطرفة. ولكن لا يستطيع المرء أن ينكر أن هناك شعباً اسمه الشعب الفلسطيني هم أخوة لنا وضحايا وليسوا متآمرين. وكان التحدي التوفيق بين هاتين النقطتين.

رؤية لبنانية مشتركة

نجحت «مجموعة العمل» وفق حداد، في إيجاد مساحة تفاهم مشتركة بين اللبنانيين نتيجة ضمها لغالبية الأطياف السياسية ولأشخاص أصحاب قدرات حوارية وأكاديمية بهدف التعامل مع الوقائع لا الرغبات والخطاب السياسي. ولم يكن ثمة أجندة سياسية مباشرة، بل أجندة بحثية استراتيجية للوصول إلى التوافق حول كيفية حل الواقع الفلسطيني المعاش. جمد المشاركون كل خلافاتهم وتطلعاتهم الحزبية وجلسوا سويا كي يبنوا ورقة سياسات قائمة على الوقائع، فكان أن ولدت وثيقة للمرة الأولى تُعبّر عن تفاهم لبناني عميق يتصدى لهذين الهاجسين في قراءة موحدة لبنانية لقضية التوطين وكيفية التعامل مع الفلسطينيين من منظار أنهم موجودون في لبنان ويجب أن يعيشوا حياة كريمة إلى حين عودتهم إلى وطنهم.
ويذهب المستشار في لجنة الحوار اللبناني -الفلسطيني زهير هواري إلى التأكيد أن الدولة اللبنانية لا تستطيع بعد سبعين سنة من اللجوء الفلسطيني التغاضي عن وجود مشكلة. فهناك مشكلة ويجب دراستها واعتماد سياسات تجاهها. ولا يمكن أن نبقى نقول إن الفلسطينيين هم مسؤولية «الأونروا». فهم جزء من مسؤولية «الأونروا» وجزء من مسؤولية الدولة. ولا يمكن إبقاء التعامل مع الفلسطيني على هذا المنوال، بل يجب التعامل معهم على قاعدة أننا سويا متفقون على أمور كثيرة وصارت هناك علاقات دبلوماسية بين البلدين، ويأتي الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان ويُستقبل كرئيس دولة.
«وثيقة مجموعة العمل» التي تُعرف بـ»رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان» قاربت كل العناوين وتوصلت إلى مفاهيم مشتركة، والأهم توصلت إلى رسم «خريطة طريق» لحل هذا الملف، سواء في ما خص الإطار المرجعي الناظم أو التوافقات اللبنانية المنجزة في موضوع اللاجئين الفلسطينيين أو لجهة تعرف التوطين وتعريف اللاجئ الفلسطيني وكيفية التعامل مع الأبعاد السياسية – السيادية والاجتماعية – الثقافية والمعيشية – الحياتية للاجئين، إضافة إلى كيفية إدارة المخيمات، وتشكيل الجمعيات وحق العودة والعلاقة مع «الأونروا» وتطوير عمل لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني وإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين.

مقومات الحياة اللائقة

في تقييم الوضع الإنساني، ترى «الرؤية» – الوثيقة أن يتم رفع القيود غير الضرورية على منح وتمتع اللاجئين الفلسطينيين بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك حق العمل والحماية الاجتماعية، على أن يجري تنظيم هذه الحقوق وتجلياتها الملموسة من خلال التشريع والسياسات العامة التي تراعي هذه الحقوق بما لا يتعارض مع مصلحة لبنان العليا وقدراته الواقعية ومصالح اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
وتؤكد على حق اللاجئ بالسكن اللائق وضرورة مقاربة مسألة التملك، ومعالجة القضايا العالقة بعد صدور قانون عام 2011 الذي حرم اللاجئ الفلسطيني من حق التملك، بما لا يتعارض مع أحكام الدستور ومصالح لبنان العليا وحقوق الإنسان.
لكن هذا النهج المتقدم تعتريه ثغرة أساسية. فمجموعة العمل التي استلزمت ما يقارب السنتين من الاجتماعات المتتالية والحوارات المُعقمة والمشاورات والنقاشات للتوصل إلى توحيد رؤيتها وتقديمها للدولة اللبنانية، هي عملياً ليست لها صلاحية تنفيذية، بل لها صفة استشارية. يقول هواري: لا شيء ملزم للدولة اللبنانية ولكن هناك رؤية مهمة بين أيديها إذا أرادت اعتماد سياسات للحل. غير أن ما يمكن فعله اليوم هو النفاذ من الثغرات الموجودة في القوانين من أجل تحسين الوضع الراهن للفلسطينيين، والدفع في اتجاه ما يمكن القيام به من خلال قرارات وزارية يجيزها القانون بانتظار إقرار تشريعات جديدة.

الدمج في المجتمع
كقوة اقتصادية

بالنسبة لهواري، فإن لبنان لم يوقع على اتفاقية اللاجئين. ووضع اللاجئ الفلسطيني يختلف عن أي لاجئ آخر، فلا دولة له. هو لاجئ تم اقتلاعه من أرضه وهناك سلطة ترفض عودته، بمعنى أنه ليس كأي لاجئ في العالم عندما تزول العوامل الأمنية يستطيع الرجوع. العوامل الأمنية هنا هي سياسية في الدرجة الاولى في ظل وجود سياسة دولة قائمة بذاتها على اقتلاع هذه الكتلة البشرية. ومن هنا، لا يمكن الاستمرار بالتعاطي مع الفلسطينيين كأنهم ليسوا موجودين أو كحالة أمنية. فالمسألة ليست كذلك، حتى مخيم «عين الحلوة» الذي يتم تصويره على انه بؤرة وقنبلة مؤقتة، هو تصوير فيه كثير من القصور، إذ أن هناك كتلة صغيرة من 150 شخصا من الجماعات التكفيرية مقابل مئة ألف من المواطنين.
لعل التحول اللافت في العقلية اللبنانية هو تبلّور وعي جديد ومختلف، وهو أن المخيمات الفلسطينية هي جزء من المحيط الاجتماعي والحضري اللبناني، ما يجعل الدولة مسؤولة عنهم، ومسؤولة عن عملية دمجهم في مجتمعها، بعيداً عن الجدال حول مؤامرات التوطين. فتطور المجتمع يحتاج إلى نهضة كل من هو موجود فيه، وهو عمل يحتاج إلى دمجهم في اقتصادها وتسمح لهم بهامش من حرية العمل وتنمية أوضاعهم والعيش الطبيعي، وتوفير حقوق مدنية لهم، والعمل على تعزيز كل عمل اجتماعي – ثقافي وتسهيل نشاط منظمات المجتمع المدني الذي من شأنه أن يحافظ على الهوية الفلسطينية لإبقاء القضية حيّة في نفوس وعقول ووجدان الجيل الفلسطيني الجديد، بالتوازي مع العمل المطلوب من المؤسسات الرسمية العربية والضغط دولياً من أجل ضمان حق العودة والشروع به.

إنسان من فلسطين

والمهم أيضاً أن ازدياد القناعات من أجل كسر الصور النمطية والأحكام المسبقة والتعميم، والتي تترافق مع نشاطات ونقاشات وحوارات تصب في هذه الخانة، ما يسهم في إيجاد المناخات الداخلية المؤاتية لصياغة الدولة لسياسة أكثر واقعية وأكثر عدالة إزاء اللاجئين الفلسطينيين.
وشكل «هاشتاغ» (#انسان_من_فلسطين) جزءاً من حملة إلكترونية تمّ إطلاقها مؤخراً في لبنان بالشراكة مع السفارة السويسرية ومع سفارة دولة فلسطين، لدعم حقوق الإنسان الفلسطيني في لبنان. الحملة قامت بها «جمعية مسار» وهي لبنانية من جمعيات المجتمع المدني التي تعنى بـ»تعزيز مشاركة المواطنين نحو مجتمع مندمج علماني لا طائفي وديمقراطي». يقول المسؤول في الجمعية كمال شيا أن مبادرة «هاشتاغ» إنسان من فلسطين هدفها: أولاً، كسر الصور النمطية حول الفلسطينيين في لبنان والمخيمات. وثانيا، المطالبة بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم في لبنان، والذي يجب أن ينظر إليه من منظارين: منظار اقتصادي يعود بالفائدة بداية على اللبنانيين، حيث أن أي شريحة في المجتمع هي شريحة إضافية وصحية ومنتجة، ومن منظار الأمن الاجتماعي، إذ لا يمكن أن يتم ضرب هذه الشريحة بهذه الطريقة لان ذلك يشكل خطرا على لبنان.
ما يعوّل عليه كثيرون في لبنان من أنها المرة الأولى التي يتم فيها وضع «رؤية موحدة لقضايا الفلسطينيين في لبنان» بمشاركة مختلف الأطياف السياسية اللبنانية المتنوعة المشارب. وهذا ما يشكل اختراقاً حقيقياً للجمود القائم بما خص موضوع حقوق الفلسطينيين في لبنان، لكن العبرة تبقى في الدفع نحو تنفيذ المقترحات المقدمة، والتي تعيد رسم مسار صحيح للتعاطي مع حق الفلسطيني في الحياة الكريمة وأن يحلم مثله مثل أي إنسان آخر.
غير أن الأزمة الجديدة التي دخل فيها لبنان مع استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، والتي يمكن أن تتفاقم وتعيد البلاد إلى حال من الفوضى المؤسساتية وسط قلق من انزلاق لبنان في أتون الخضات الأمنية، قد تدفع بهذا الملف إلى مرتبة متدنية من المتابعة، في ظل تقدّم أولويات أخرى وتحديات جديدة.
كانت الآمال على إمكان التقدم في هذا الملف مربوطة بأجواء الهدوء التي سادت الوضع الداخلي في ضوء التسوية السياسية التي أنهت الفراغ الدستوري وأنتجت تعاوناً سياسياً بعد سنوات من التعطيل. اليوم لا يمكن لأحد أن يتكهن كيف ستسير الأمور. فالحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان معلقة منذ زمن ومعها معلقٌ الحلم الذي قد يصبح متاحاً في المستقبل القريب وقد يبقى سرباً!.

لبنان وتعريف التوطين

الدستور اللبناني ينص في مقدمته على منع التوطين، إلا أن النصوص التشريعية اللبنانية تخلو من تعريف رسمي للتوطين وللاجئ بشكل عام واللاجئ الفلسطيني بشكل خاص، الأمر الذي يخلق التباسات. لذا اقترحت «مجموعة العمل حول قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان» تعريف توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أنه يعني: «إعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الجنسية اللبنانية بشكل جماعي، بعضهم أو كلهم، من خارج السياق القانوني بموجب قرار سياسي مفروض في سياق تسوية إقليمية أو دولية، خلافاً للدستور، سواء تمّ ذلك دفعة واحدة أو بالتدرج».
القانون اللبناني يتيح منح الجنسية إما بمرسوم خاص من رئيس الجمهورية أو بمرسوم عام بناء على مشروع قانون تتقدم به الحكومة ويقره مجلس النواب ويوقعه رئيس البلاد. وقد سبق في عام 1994 زمن الوصاية السورية أن حصلت أكبر عملية تجنيس في لبنان شملت من هم يستحقون الجنسية لكنها في المقابل تضمنت مئات الآلاف من غير المستحقين لغايات انتخابية وحسابات سياسية شملت عراقيين وفلسطينيين وعدداً كبيراً من السوريين.

اللاجئون الفلسطينيون في لبنان: الحلم ممنوع!

رلى موفّق

- -

2 تعليقات

  1. تحياتي استاذة رلى ويعطيك العافية على مقالك الموضوعي

    لطفاً التفضل وقراءة مقالنا مع الشكر

    مخاوف حول الرؤية اللبنانية للفلسطينيين في لبنان
    هافنغتون بوست عربي
    http://m.huffpost.com/ar/entry/17696978

  2. يعلمنا التاريخ ان الحقوق المدنية في مثل ظروف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا تتحقق بدون نضال مدني منظم على الارض و هذا يختلف عن ” نضال الهاشتاغ”! الفلسطينيون في لبنان يحتاجون الى مبادرات شعبية للتواصل مع المجتمع اللبناني بشكل مستمر و بناء، انشاء تحالفات مشتركة و تنفيذ مشاريع عمل ميدانية منها ما يهدف الى التوعية وتغيير الصورة النمطية، و منها لا بد ان يهدف الى الضغط السلمي على السياسيين و السلطة بشكل صريح وواضح. للأسف، التنظيمات و الجمعيات المدنية الفلسطينية في لبنان مقصرة في هذا المجال و مصابة بحال من التردد و الخوف الى حد تكيفت فيه مع متطلبات الاجهزة الامنية اللبنانية التي لها دور نافذ في كل المخيمات الفلسطينية.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left