العرب والأتراك وإعلان بلفور؟

حسن أوريد

Nov 15, 2017

لماذا لا يعتذر العرب للأتراك بمناسبة إعلان بلفور؟ مسؤولية بريطانيا تجاه الساكنة العربية لفلسطين قائمة، وإعلان بلفور مجروح قانونيا وأخلاقيا. ولكن أليس هناك طرف نتستر عنه حين الحديث عن إعلان بلفور، هو الإمبراطورية العثمانية التي كانت تسعى بريطانيا أن تقوضها، واستعملت لذلك شتى الأسباب، منها النزعات القومية، ومنها التكالب ضد الرابطة الإسلامية التي كانت تمثلها الخلاقة العثمانية.
كانت بريطانيا هي الفاعل الرئيسي في الشرق الأوسط، وهي التي أرست قواعد اللعبة أو البراديغم غداة الحرب العالية الأولى، أو ما سمي بالزمن البريطاني، وما انبنى عليه بعدئذ ما سمي بالسِّلم الأمريكي، وهو استنساخ لبراديغم بريطانيا، مع ما تضمنته عقيدة ترومان المتبناة سنة 1949، القائمة على حماية إسرائيل، وضمان تدفق البترول، وحماية ما كانت تسميه بريطانيا بالمشيخات.
كانت القاعدة الجوهرية لسياسة بريطانيا التي وضعها اللورد كيتشنر، تقوم بالأساس على ضمان طريق الهند عبر معبر قناة السويس، وتقوم على عنصر آخر، هو توجس بريطانيا من الرابطة الإسلامية، التي ترهن الولاء لها في كل من الهند، حيث كان ثلث الساكنة أو يزيد مسلما، قبل الانفصال، فضلا عن مصر والسودان، أي أن بريطانيا كانت تبسط نفوذها على زهاء ثلث مسلمي العالم. وكان هاجس كيتنشر الذي كان يشغل منصب وزير الحربية أثناء الحرب العالمية الأولى، وسبق له أن وضع حدا لتمرد حركة المهدي ذات المنزع الديني، في السودان، هو تقويض الرابطة الإسلامية من خلال رمزية الخلافة، بالتركيز على فكرتين استطاعتا أن تنفذا إلى أصحاب الرأي في العالم العربي، ألا وهما مغازلة القوميات سواء بالنسبة للعرب، أو في البلقان أو عند الأرمن، والثانية هي أحقية العرب بالخلافة.
حين اندلعت الحرب العالمية، تكبدت القوات البريطانية خسائر فادحة على الساحة الشرقية. كانت المعابر البحرية في الدردنيل ذات أهمية قصوى بالنسبة لبريطانيا لتقويض الامبراطورية العثمانية حليف ألمانيا، إلا أن الأتراك أبانوا عن استماتة في الذّب عن رمز الخلافة، سواء في المعارك البحرية في عرض الدردنيل لاقتحام إسطنبول، وهزموا القوات البريطانية في المعارك البرية بكاليبولي، وما أبان عنه ضابط في تلك المعارك سيكون له شأن، من رباطة جأش وعزيمة، هو مصطفى كمال، وما أقدم عليه جمال باشا، قائد الفرقة الرابعة العسكرية في الشام، في عملية «يلذر» (البرق) من عبور صحراء سيناء وبلوغه مشارف قناة النيل، واهتزاز النظرية العسكرية التي كان تعتبر الصحراء درعا واقية، وتوالي خسائر روسيا على جبهة القوقاز. الانهزامات المتوالية التي تكبدتها بريطانيا على ساحة الشرق الأوسط، حتى أضحى الشك يساورها في كسب الحرب، هو ما أزاح رئيس الحكومة هربرت أكويث سنة 1916، وبلوغ لويد جورج سُدة الحكم، ما أشّر إلى تحول في براديغم بريطانيا وسُلم أولوياتها، مثلما أنه سيؤثر على فرنسا، حليف بريطانيا في الحرب ضد المانيا، وسيتمثل في بلوغ جورج كليمنصو رئاسة الحكومة، رغم الاختلافات العميقة بين بريطانيا وفرنسا، سيلتقي كل من لويد جورج وكليمنصو، من خلال تحالف موضوعي أكثر منه استراتيجيا، أي أنهما يشتركان في العدو أكثر مما يشاطران النظرة الموحدة. يضمر لويد جورج الاحتقار للإمبراطورية العثمانية، ويمتلئ جورج كليمنصو كراهية لألمانيا. هذان الشعوران هما ما سيهيئان لاتفاقية سايكس بيكو، الداعية إلى توزيع تركة الإمبراطورية العثمانية.
لم يعد الشرق الأوسط مع لويد جورج معبرا للهند فقط، بل هدفا استراتيجيا، أهمُّ حلقة فيه هي فلسطين لاعتبارات استراتيجية ودينية، ثم البترول، ولذلك لن يراهن لويد جورج على العرب، على خلاف كيتشنر الذي توفي سنة 1916، بل على الحركة الصهيونية، من أجل ضمان ما سمي بقاعدة تحمي مصالح بريطانيا في المنطقة. أما مارك سايكس الذي عهد له لويد جورج بربط الاتصال مع الحركة الصهيونية في لندن وزعيمها حاييم وايزمان، فقد كان يشاطر عرّابه حقده على الأتراك، وأمله في تقويض تركيا كلية، والجأر بالصلاة المسيحية في آيا صوفيا ومسجد عمر، كما عبر عن ذلك في رسالة مخطوطة له.
لم يكن العرب في ما سمى «الثورة العربية» إلا كومبارس. لقد كانوا حلفاء أثناء الحرب، وصاروا عبئا بعدها، حسب تعبير للويد جورج نفسه، ولم تُعبر القيادات العربية عن مواقف حازمة بعد إعلان بلفور، من خلال ما كان كتبه شريف مكة في جريدة «القِبلة» بالحض على شيم الضيافة والسماحة، أو ما عبرت عنه جريدة «المقطم» المصرية من بهجة بمناسبة زيارة حاييم وايزمان للقاهرة، في ربيع 1918، باستثناء مواقف بعض الوطنيين العرب، المعبر عنها في ما سمي بإعلان السبعة، في يونيو 1918 والذي استطاع المكتب العربي في القاهرة التابع للمخابرات البريطانية أن يلتف عليه من خلال وعود معسولة، بالزعم في حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وحينما فضح البلاشفة فور نجاح ثورتهم، إعلان بلفور، بعث جمال باشا رسالة لكل من الشريف حسين وابنه فيصل يحذرهما من ألاعيب البريطانيين، وخدعة الثورة العربية، وفي السياق ذاته ألقى خطابا في 4 ديسمبر 1918، في بيروت وتُرجم في صحيفة «الشرق» الصادرة ببيروت، يتضمن تحذيره من خديعة البريطانيين للعرب، وتوظيفهم لهم من أجل تقويض الرابطة الإسلامية، وتلفع العرب بالوهم، والسعي لحتفهم بأنفسهم.
أياما بعد ذلك سقطت القدس، وأخذ الأتراك يتقهقرون في ساحة المعركة، وانضافت إليهم جبهة القوقاز من خلال تمرد الأرمن الذي كان يغذيه البريطانيون. وَقَر ذلك في نفس ضابط، كان قائدا للفرقة السابعة للجيش العثماني في حلب، في تلك الفترة، اسمه مصطفى كمال، واستشعر الغيظ والمرارة مما اعتبره خيانة العرب للأتراك. لا يمكن فهم ما سمي بالكمالية، أي القطع مع العرب وتراثهم، بل وعقيدتهم وحضارتهم، ما لم نستحضر هذا الشعور بالغدر الذي غلب على الأتراك أثناء تلك الفترة الحاسمة.
جميل جدا، أن يغضب العرب في مناسبة مئوية إعلان بلفور، ويجمعوا العرائض، ويجأروا بالثبور وعظائم الأمور «لأرض المحشر والمنشر»، ويُنظموا الندوات التي تجتر الخطاب نفسه من «الإعلان المشؤوم»، ولكن سيكون أفيد أن يقرأوا هذه الصفحة قراءة موضوعية، وأن يفتحوا بابا للحوار مع الأتراك خاصة، ولِم لا، أن يقدموا الاعتذار عما اعتبره الأتراك طعنة من خلف، أجهزت على الإمبراطورية العثمانية وكادت تجهز على تركيا. فالتاريخ يذكر أن السلطان عبد الحميد لم يقبل المساومة في شأن فلسطين، وأن بريطانيا، «حليفة العرب» هي التي قامت بكل شيء، من إعلان بلفور إلى فتح تدفق الهجرة إلى الانسحاب في 14 مايو 1948.
كاتب مغربي

العرب والأتراك وإعلان بلفور؟

حسن أوريد

- -

3 تعليقات

  1. على ما يبدو الكاتب المحترم لا يعرف التاريخ. اولا “الثورة العربية الكبرى” كان مشروع لعائلة حجازية وليس للعرب كمجموعة قومية ولم تشارك جموع العرب في هذه “الثورة ومن اسقط الدولة العثمانية كان الجيش البريطاني-الهندي في العراق والجيش البريطاني-الاسترالي-النيوزيلاندي (انزاك) في بلاد الشام, قبائل الحجاز كان دورها هامشيا. ثانيا, القومية التركية سبقت القومية العربية بعشرات السنين والخلافة انتهت فعليا في العام 1908 اي قبل الحرب والمثقفين الاتراك اول من طالب بدولة قومية. ثالثا, السلطان عبد الحميد رفض اعطاء فلسطين لليهود لكنه سمح لهم بالهجرة لفلسطين والهجرة الصهيونية بدأت عام 1881 اي 40 سنة قبل النهاية الرسمية للخلافة. خامسا, تركيا خسرت الحرب لانها لم تكن دولة قادرة على مواجهة فرنسا وبريطانيا حضاريا ودخلوا الحرب بسبب تعلقهم بالقيصيرية الالمانية ولم يكن سبب وجية لدخولهم الحرب. سادسا, للأسف, فقط العرب يطالبون بالاعتذار لمحتليهم وهذا دليل على اننا لم نفهم الحرية والكرامه بعد وهذا من اسباب فشل الربيع العربي.
    اذا كان لا بد للاعتذار فعلى الاتراك الاعتذار عن 500 عام من الاحتلال دون التطوير الحضاري والزج بالعرب بحرب عالمية لا دخل لهم بها.

  2. العرب استمروا مدافعين عن الخلافة حتى آخر رمق و على الكاتب أن يقرأ جيدا عن حرب الدردنيل و مساهمات المجاهدين العرب في الدفاع عن استانبول. العرب لم يخونوا الأتراك كلا

  3. كلامك وجيه يا استاذ راءد من الولايات المتحدة..ودقيق في استمداد التواريخ والمعطيات التفصيلية المتعلقة بها..، خاصة وان هذا الموضوع يصطبغ عند الكثيرين برؤية تساهم فيها مؤثرات وقراءات مختلفة…وعادة ما تكون نسبة الحيادية فيها محدودة بنسب متفاوتة…، رغم ان المجال الزمني والتاريخي لهذا الموضوع يتعلق بفترة شهدت تذاخلا مكثفا للمخططات والمؤامرات …وحركية سريعة جدا في وتيرة الاحداث سواء في التوترات العسكرية والحروب التي تلتها …او في تشكيل الولاءات والكيانات السياسية الهجينة التي تخدم كل مخطط بعينه…، ولعل مما زاد في تعتيم الرؤية هو حرص المخططين الاصليين على عدم انكشاف الاهداف الحقيقية ولو بعد زمن طويل باعتبار ان صلاحية المخططات لم تستنفذ كلية الىحد تاريخه..او التركيز المتعمد عند البعض على تغليب الطرح العاطفي الذي يتم فيه استغلال بعض الخلفيات التاريخية والدينية على سبيل اكتساب المشروعية بوساءل تدليسية لا يفهمها الا القلة….؛ وعلى العموم فان البحث الدقيق والمحايد في تفاصيل تلك المرحلة باشخاصها واحداثها ووقاءعها سيتيح امكانيات مهمة لتنقيح التاريخ العربي على وجه التحديد…وادراك الكثير من مفاتيح الاحداث الحالية التي شكلت هذا الخريف الذي سمي تجنيا بالربيع العربي!!! وشكرا.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left