لبنان صراع الشرق والغرب

عبد الرحمن مظهر الهلوش

Nov 18, 2017

لبنان هو ذلك الجزء من المنطقة التي بقيت في ظل السيطرة التركية منذ عام 1516م وحتى عام 1918وإن هذه البقعة من الأرض لم تعرف بعض الاستقلال الذاتي إلا بعد الحوادث المشؤومة التي وقعت عام 1860. حيث توالى على حكم لبنان بعض المتصرفين التابعين للدولة العثمانية مثل داوود باشا (1861 ـ 1868) ورستم باشا (1873 ـ 1883) ساهموا في خلق توازن سياسي طائفي بين جميع الطوائف اللبنانية، مرة بالتوافق وأخرى بالقوة العسكرية. وأراد اللبنانيون الخروج من نطاق «المتصرفية» جغرافياً، لأنها أقل من مستوى الولاية، وأعلى مستوى من القضاء أو القائمقامية. وكان لبنان على الدوام ساحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية والمحلية. حيث ألقت استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بظلالها على المشهد السياسي العام في لبنان بمختلف فئاته وأحزابه، ربما نستطيع أن نقول بأنها (نصف استقالة) لأنه في العرف الدستوري، لا يؤخذ بالاستقالة عبر وسائل الإعلام.
وكانت هناك قوى دولية وإقليمية عملت على تكبير لبنان جغرافياً وتوسيع دوره سياسياً، ونتيجة لذلك اتجه بعض السياسيين من اللبنانيين بولائهم نحو الغرب وتحديداً فرنسا محاولين ربط السياسية اللبنانية (الخارجية) بالسياسة الفرنسية في المنطقة، واعتماد السياسية اللبنانية الخارجية على الغرب، وارتباطه بها بدأت مع ميشيل شيحة المهندس الرئيسي للنظام اللبناني وسياسته الخارجية، وبعد الاستقلال 1946م تولى (تشارلز مالك) مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة محاولة ربط السياسة اللبنانية بالسياسة الأمريكية وإشراك الولايات المتحدة بالشأن اللبناني الداخلي (1943 ـ 1984)، باستثناء فترة وجيزة بعد العام 1958 أثناء تشكيل حكومة طوارئ ـ بعد استقالة حكومة عبد الله اليافي ـ فقد ظل الغالب في التفكير السياسي الاتجاه إلى الغرب. وبالمقابل هناك من اتجه إلى دول إقليمية وتحالف معها من اللبنانيين. ذلك أسس للبيئة الطائفية في لبنان، ففي لبنان لا مكان للسياسة أو الساسّة. هناك منطق طائفي فوق الجميع، فكان التحليل الطائفي للقضايا السياسية يؤدي على الأغلب إلى نتائج سلبية تنعكس على اللبنانيين مثلما هو حاصل اليوم.
تلك الأجواء دفعت لبنان إلى الانضمام إلى أحلاف ومساندة قوى كبرى في العالم، وقضية الحمايات الأجنبية بعد فتنة(1840 ـ 1860) أكبر دليل على ذلك، إنّ عملية الولاء للخارج هي عملية تشمل كل الفئات اللبنانية، فعندما جاء الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى سوريا في عهد الوحدة (1958 ـ 1961) زحف المسلمون لاستقباله وبالمقابل عندما استعاد الحلفاء باريس ودخلها الجنرال شارل ديغول، كان قسم كبير من المسيحيين اللبنانيين أشعلوا الدنيا ناراً ورصاصا ابتهاجا، والهدف أن تحافظ تلك القوى على وجودها وتوازنها الداخلي.
إن ذلك الماضي كان المقدمة للخط الذي اتبعه بعض اللبنانيين في السعي إلى تكبير حدود لبنان لا بل إلى تخطيها عبر تحالفات مرحلية وأخرى دائمة، وإلى مماشاة سياسة المنافسات الدولية التي سببت تكبيره.
وقد أثبتت الأيام إنهم وقعوا في الإشراك وضلوا سبيلاً، وإن الهوس أثارهم في تفهم بناء الأوطان، كما أضلهم فقدانهم الكيل والميزان فجاروا الاحتلال الأوروبي الجديد وقاموا ببناء البيت اللبناني على الطراز الأوروبي السياسي ـ الاجتماعي ـ الاقتصادي.
يقول الرئيس اللبناني الأسبق الراحل الشيخ بشير الجميل بصدد علاقة لبنان بالعالم العربي: «انتماءاتنا إلى العالم العربي لا يجوز التشكيك بها وخصوصاً علاقاتنا مع الدول العربية، نحن جزء من هذا العالم العربي ولنا فيه دور وأهمية … نصادق من يصادقنا ونؤاخي من يؤاخينا، ونعادي من يعادينا ونحارب من يحاربنا … إننا مستعدون للتعاطي مع الجميع مثلما يتعاطون معنا». ولكن على الرغم من ذلك كانت السياسة اللبنانية على الدوام قد تلونت بالشوق إلى الحماية الفرنسية.
فهناك من شبه لبنان بـ «موزاييك» مؤلف من مائة وخمسين حجراً. والواقع إن لبنان ما تزال خلافات الموتى في القبور تنعش الأزمة وتعقد الحلول، وكل ذلك من شأنه أن يعرض لبنان إلى خطر الحرب الأهلية، وبالتالي يخسر اللبنانيون الأمن، الاستقرار، السيادة، الاستقلال. على الرغم من تدخل الدول الكبرى والإقليمية في منع «تمزيق الخارطة اللبنانية». سيظل لبنان لاعباً رئيسياً على صغر حجمه الجغرافي في المنطقة وفي العلاقات الدولية، وسيدفع ثمن ذلك الانفتاح على المدى البعيد.

٭ صحافي وكاتب سوري

لبنان صراع الشرق والغرب

عبد الرحمن مظهر الهلوش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left