حين يُستغفل التاريخ وتطيح الثروة بالثورة في الجزائر

بشير عمري

Nov 18, 2017

فعلها الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى وفجّرها مدوية حين أعلن عن انبلاج عهد الليبرالية كبديل للنمط الاشتراكي، الذي سقط بسقوط جدار برلين، معطيا بذلك الانطباع، في إسقاط كوني على محلي كاذب خاطئ، بأن فشل الأنموذج المجتمعي للدولة هو امتداد لفشل هذا النظام الذي حكم الجزء الثاني من العالم.
في حين، يدرك الجميع إنه لا علاقة تاريخية، ولا نظامية ولا فلسفية، أقل منه ثقافية للمجتمع الجزائري، بذلك النمط في الرؤية والممارسة للحياة، وأن الدولة في الجزائر بعد الاستقلال مضت بفعل أزمة الصراع على السلطة، على نمط من الحكم خارج وشاذ عن كل النماذج التي ظهرت وسارت وسادت في التاريخ، وبذلك تسببت هذه السلطة التصارعية والمتصارعة في جملة من الأزمات للمجتمع، لم يعتد عليها في أسوأ أحقاب تعايشه الجمعي في التاريخ، حتى قبل أن ينطق اسم دولته الحديثة «الجزائر».
هي مرحلة الصدع والجهر – إن جاز الوصف – بالتحول الرسمي الاقتصادي والسياسي نحو ليبرالية رأسمالية لا جذور ولا ثقافة ولا قدرات للمجتمع بها، ما يعني أن غُربة وجودية أخرى تنتظر أجيالا جزائرية قادمة لتعيش فيها أتونها وتحت ضغطها من دون أن تؤمن بحقيقتها وأحقيتها التاريخية. فهل اختار الجزائريون الاشتراكية يوم نهضوا يحررون بلدهم من الدنس الكولونيالي؟ لا أحد يجرؤ على تأكيد ذلك، بل اقتيد المجتمع إلى نمط هجين من الإدارة لمقدرات البلاد البشرية والطبيعية، بما يسمح للسلطة السياسية غير الشرعية من مراقبة المجتمع ونخبه المعارضة لسرقة ومصادرة الاستقلال، فكانت سياسة الأمر الواقع هي المتحكمة في اقتصاد البلاد، خارج كل القواعد المؤسسة للنظم والتوجهات الاقتصادية، بل كانت منزاحة حتى عن أكذوبة عدم الانحياز. فحتى من صاغوا بيان الثورة الملّمح لشكل الدولة الفتية، التي ستنشأ عقب الاستقلال، لم يشر بالمرة إلى الاشتراكية بصريح لفظها، بل أكد على النمط الاجتماعي للدولة، وهو ما ينسجم مع الحقيقة التاريخية للمجتمع الجزائري الحديث، وإرادته في العيش بوعي لحظة ظهور الحركة الوطنية متشبعة بقيم الجماعة، حيث تعلم هؤلاء أبجديات النضال الوطني ومعنى أن تكون جزائريا بخلاف الكولنيالي.
لهذا كان تصريح أحمد محساس أحد من حملوا في مؤتمر طرابلس خيار الاشتراكية، كتفسير لمفهوم «الاجتماعية» المنصوص عليه في بيان أول نوفمبر 1954، وفرضوه على المجتمع بالقسر والقهر، سنة 1989 بخطأ تبني الاشتراكية لكونها لم تكن من نبتات التربة الجزائرية، قاطعا ليقين تأسس لديه بشكل رجعي وارتجاعي من وحي ووعي التجربة لهذه الشخصية التي تعلمت في ما بعد، ونالت شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، ليأتي بعده رئيس الحكومة المؤقتة المنقلب عليها من قبل جيش الحدود، بن يوسف بن خدة ليعلن سنة 1990 «توبته» عن تصويته في مؤتمر «طرابلس» لصالح النظام الاشتراكي.
فإذا كانت الاشتراكية التي اختارتها نخبة الثورة، أو الجزء الكادح منها نموذجا مفسرا ومطبقا للتوصية «الاجتماعية» التي ساقها بيان أول نوفمبر المؤسس، كما أشرنا للدولة المستقلة، قد عجزت عن أن تنبسط في واقع ووعي الجزائريين والجزائريات، وأعطتهم عوض العدالة الاجتماعية الموعودة في خطابات وأخيلة أصحابها، العداوة والتفكك الاجتماعي والطبقي والارتهان الاقتصادي لغواية النفط ونزوة سوقه وشهوة ريعه، فعلى أي أساس يأتي أويحيى ومن يسنده من عصابات المال القذر، ليبشر المجتمع الجزائري بنجاعة عصر الليبرالية والرأسمالية في بناء المجتمع الذي بشّر به؟ فعلى الأقل كانت الاشتراكية قناعة لدى شلة من المجتمع أي نخبه الثورية، أسقطوها على جزئية من بيان الثورة، فمن يحمل القناعة الليبرالية في المجتمع الجزائري سوى أصحاب المال القذر؟
من هنا يتضح لنا كأن المجتمع الجزائري في معرض رسم خطوط سيره في التاريخ مجبر على الاختطاف من الأقلية التي تمتلك وسيلة وقوة الحسم، فإذا كانت قوة الحسم الاشتراكي لدى الأولين هي السلاح لأدلجة الثورة، فالأخيرين قد امتلكوا من أجل الحسم الليبرالي سلاح المال لأدلجة الثروة! لكن أي ليبرالية هذه التي لا تربة ولا جذور ولا تاريخ لها في المجتمع، ومع ذلك أنبتت لنا ليبراليين بأشكال غريبة ومستويات ثقافية منعدمة؟
لا أويحيى ولا غيره قد يجرؤ على الإجابة عن سؤال كهذا، فمصدر اغتناء هؤلاء كان المال العام الذي تحصلوا عليه بطرق غير مشروعة، من بنوك عمومية واقعة تحت رحمة وتسيير بارونات الخفاء، في ظل غياب وتغييب لأجهزة الرقابة والتمثيل الشعبي الصحيح على المال والوسائل العامة، فهو إذا إنبات مُصطنع وليس اصطناعيا لأوليغارشية مفترسة ليست لها لا صفة ولا ثقافة ولا حتى مهنية التدبير الاقتصادي السليم للمؤسسات، كلها تعتاش على المال السهل والسريع المتدفق لحساباتها من الخزينة العمومية عبر قطاع الخدمات المعروف عنه دوليا كونه أهم قطاعات النصب والاحتيال ونهب وإهدار للمال العام في الدول المتخلفة، حيث تختفي كل مستويات مؤسسات الرقابة والتفتيش على مقدرات الأمة المالية والاقتصادية، فهل حقا بوسع شريحة مارقة عن سنة التاريخ في الكسب والتكسب المالي المشروع أن تنهض بمستقبل الأمة الذي حصره أويحيى في النظام الليبرالي؟
الحقيقة هي أن أويحيى ومن يلوك خطابه ويقتفي أثره في المسرح السياسي الجزائري مهتم بتغييب وغياب التاريخ وقلاقله التي تعتمل في السياسة وفي الاقتصاد حاليا، بسبب عدم القدرة والرغبة، خاصة في طرحها على بساط الصراحة والمراجعة، بقصد حلحلتها والتحرر منها، ومن ثم الانطلاق نحو البناء بالشكل الصحيح والصريح، يدركون أنهم ليسوا أكثر من جهاز دعائي وخطابي لإرادة تحالف داخلي وخارجي للاستحواذ على خيرات الأمة، في خضم الاستقطاب الاقتصادي والمالي، الذي حل في العالم محل الاستقطاب الأيديولوجي في القرن الفائت، فنخب الموالاة ذات المنزع النفعي والانتفاعي من السياسة الريعية بصداها الترقيعي، لا تتصل بشيء مع جذور المجتمع، وليس ذلك مما يشغلها في شيء، كما لا تنشغل بالظروف والشروط التاريخية وطبيعة نشأة الدولة والثابت في أركان نشأتها تلك، الذي بالتجرؤ على المس بها قد ينهار البنيان كله، كالطابع الاجتماعي (غير الاشتراكي الأيديولوجي) للدولة، قدر انشغالها بتحقيق المكاسب الشخصية، ولو على حساب تصفية تاريخ أمة بأكمله أقامت على مدارجه المضمخة بدماء شهدائها مصيرها ومصير أجيالها.
إذن هكذا يتواصل الاقتياد الفوقي للمجتمع وارتهان مصيره في الجزائر، من قبل ساسة، خرجوا في العشرية السوداء من عباءة الجهاز الأيديولوجي لسلطة الانقلاب، في ما عُرف بلجنة الانقاذ الوطني ومن حمل قناعتها، في مسعى لاغتيال ما تبقى من مبادئ ثورة نوفمبر، التي رسمت في بيانها ملامح الدولة، الماتحة بالضرورة من ملامح المجتمع وفق مرجعياته الكبرى ومكوناته المتكاملة، وهي المرجعيات التي استحالت في نظر هؤلاء إلى رجعيات تعيق سير الدولة والمجتمع نفسه نحو التطور، وبالتالي لا ثابت في ميزان هؤلاء في بنية الوجود الوطني، والكل متغير وقابل للتغيير، والعبرة في ما يستفيد منه اقتصاد البلاد، عدا ذلك يظل كله سفسطة ومزيدا من مضيعة للوقت.
كاتب صحافي جزائري

حين يُستغفل التاريخ وتطيح الثروة بالثورة في الجزائر

بشير عمري

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left