أين وصلت العلاقات التركية الأمريكية؟

محمد زاهد غول

Nov 18, 2017

لا تزال العلاقات التركية الأمريكية في حالة توتر، والسبب الرئيس في ذلك هو الموقف الأمريكي، الذي يتجاهل بإصرار وتكرار سماع وجهة النظر التركية لمعالجة العديد من نقاط الخلاف الثنائية بينهما، ومعالجة العديد من أزمات المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة السورية والعراقية.
وترجيح الإدارة الأمريكية أن تكون علاقاتها أقوى مع حلفاء آخرين، أو ان يكون تنسيقها أكبر مع دول أخرى، أو أن تراهن على أن تكون مصالحها مع أطراف أخرى غير الحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، على الرغم من المساعي الجادة للحكومة التركية في أن تقلل من درجة الخلاف مع أمريكا، فقد جاءت الذكرى الـ79 لوفاة مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، ورئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم في أمريكا، وصرح أثناء مشاركته في هذه الذكرى في مقر القنصلية التركية في نيويورك: «بأن المشاكل التي تواجهها بلاده مع الولايات المتحدة الأمريكية مؤقتة». وأشار يلدريم: «إلى وجود علاقات قوية ودائمة وشاملة مستندة إلى مصالح وقيم مشتركة بين تركيا والولايات المتحدة». وأكد على: «أن عدم الاستقرار المتزايد، اليوم، جراء التطورات السلبية على المجالين الإقليمي والعالمي، جعلت من تلك العلاقات أكثر أهمية من أي وقت مضى»، معللا بعض المشاكل التي تواجهها تركيا بقوله: «إننا نقف ضد كل الظلم، ونحتضن كافة المظلومين، وندفع أثمانا باهظة باسم الإنسانية من أجل السلام الإقليمي والعالمي، ونفتح منازلنا للملايين الذين هُجّروا من أوطانهم، ونتقاسم معهم لقمة العيش». ولفت إلى: «أن بلاده تحتل المرتبة الخامسة أوروبيا باقتصادها القوي، وأنها تعد بلدا يساهم بشكل مهم للغاية في السلام الإقليمي والعالمي».
تصريحات رئيس الوزراء التركي السياسية كانت قبل ذلك بيومين، حيث قال يلدرم في مؤتمر إعلامي في واشنطن: «ليس من الصواب القول إن علاقاتنا مع أمريكا ممتازة، لدينا مشاكل حقيقية، وسنبلغ نظراءنا بأنه ينبغي أن تبقى تلك المشاكل في الماضي، وعلينا التركيز على المستقبل».
إن هذه المواقف التركية تظهر أن توتر العلاقات التركية الامريكية ليست سياسة تركية، ولا قرارا اتخذته الحكومة التركية، ولا أن الشعب التركي يريد ذلك الخلاف، فمنذ تأسيس النظام الجمهوري في تركيا عام 1923 وقبله بسنوات كانت تطلعات الشعب التركي إلى تحسين العلاقات مع أمريكا، فمنذ عام 1918 ونهاية الحرب العالمية الأولى بهزيمة الدولة العثمانية في الحرب، كانت هناك آمال أن تدخل تركيا تحت الوصاية الأمريكية بدل الوصاية الأوروبية بعد الهزيمة، وقد شجعهم على ذلك ان الرؤساء الأمريكيون في ذلك الوقت أعطوا العلاقات التركية الأمريكية أهمية كبيرة، وتوثقت العلاقات بينهما منذ انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1952، وقامت أمريكا باعتماد الجيش التركي الدرع الواقي الأول في مواجهة حلف وارسو، أيام الحرب الباردة لعقود متواصلة، وقد وضع الجيش الأمريكي قنابله الذرية في القواعد العسكرية في تركيا، ولكن الموانع التي حالت دون توثيق علاقات تركيا بامريكا في بداية القرن الماضي وباعدت بينهما هي نفسها اليوم، وهي التدخلات الأوروبية في تشكيل الرؤية الأمريكية حول تركيا وليس العكس، فالسياسات الأوروبية تحاول إبعاد امريكا عن تركيا، وأمريكا للأسف تستمع لذلك، ولم تستقل في سياساتها مع تركيا إطلاقاً، وبقيت رهن التصورات الأوروبية، وتحت تأثير السياسات الألمانية والبريطانية والفرنسية، ولا يقتصر الأمر عليها، فهناك تأثير السياسة الروسية أيضاً، فالتقارب الأمريكي الروسي غالبا ما يكون على حساب العلاقات مع تركيا، لكلا الدولتين روسيا وأمريكا، والعكس صحيح أيضاً.
إن تحسين العلاقات التركية الروسية في الغالب هو مؤشر على سوء العلاقات التركية مع الدول الغربية، وإن لم تتم إثارته إعلامياً وسياسيا في أوروبا إلا مؤخراً، لأن السياسات الأوروبية تفضل العمل بهدوء ومن دون ضجيج، ولكنها تنعكس بصورة أكثر صخباً من قبل السياسيين الأمريكيين، فكل التصريحات الأمريكية المعادية لتركيا في السنوات القليلة الماضية هي انعكاس لمواقف أوروبية بالدرجة الأولى، وصهيونية بالدرجة الثانية، حتى إن قرار الانقلاب العسكري في يوليو 2016 في تركيا، كان قرار الموافقة على الشروع بتنفيذه في أوروبا أولاً، واضطرت أمريكا على مجاراته تحت ضغوط أوروبية في القمة الأمريكية الأوروبية أواخر عام 2015، بإقرار الرئيس الأمريكي أوباما بأن الانتخابات الديمقراطية قد تفرز أحزابا ديكتاتورية وأيديولوجية في بعض البلدان، وهذا لا يعني أنها أصبحت دولاً ديمقراطية بالمقاييس الغربية، لذا قد يكون مفتاح الخلاف التركي الأمريكي حول انقلاب يوليو 2016 ونتائجه المأساوية، مفتاح حله في أوروبا وليس في أمريكا فقط، وكذلك تحقيق المطالب التركية، بتسليم زعيم الانقلاب فتح الله غولن، لا بد أن تبدأ الموافقة من اوروبا أولاً وليس من امريكا، فالعقل المدبر للخلاف التركي الأمريكي في اوروبا وأدوات التنفيذ بعضها في امريكا وبعضها الآخر في تركيا وفي غيرها.
إن من وضع الجمهورية تحت شروط الهدنة الأولى ومعاهدة سيفر ومعاهدة لوزان قبل قرن كامل هو الدول الأوروبية، وهي التي تعتبر نفسها صاحبة الحق الدولي الاستعماري بإدارة شؤون الجمهورية التركية السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية، وإنه لا يحق للحكومات التركية ولا أحزابها السياسية في السلطة، أو في المعارضة إدارة تركيا بحرية، ولذلك إذا لم تجد هذه الدول قدرة على إدارة شؤون تركيا من الداخل عبر أدواتها فإنها تلجأ إلى ادوات خارجية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، طالبة منها مساعدتها لإعادة تركيا إلى الحضن الأوروبي، بحسب شروط الهدنة في سيفر ولوزان وما بعدها من اتفاقيات استعلائية، لأن العقلية الأوروبية تعتبر نفسها انها انتصرت على الأتراك انتصاراً تاريخياً نهائياً، ولا تقبل إعادة النظر فيه من جديد، ولا تسمح للأتراك مهما كانت انظمتهم السياسية أو هويتهم الحزبية السياسية بإعادة الشعب التركي لامتلاك قراره السياسي ولا قراره الاقتصادي، ومن باب أولى منعه من التصنيع المدني والعسكري، الذي يمكن تركيا من الوقف على قدميها.
من هنا كانت تركيا بحاجة إلى سياسة أمريكية مستقلة عن التبعية للسياسات الأوروبية نحو تركيا منذ وقت طويل، فأمريكا كانت في غنى عن دعم الانقلاب العسكري الأخير، فهي كما ساعدت الأوروبيين في أول انقلاب عسكري في تركيا عام 1960 على حكومة عدنان مندريس، فقد ساعدتها على انقلاب يوليو 2016 أيضاً، ومن المفارقات العجيبة أن حجة الانقلاب الاول عام 1960 هي ذهاب رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس للاستدانة من الاتحاد السوفييتي مبلغ 300 مليون دولار لأسباب اقتصادية، بعد ان رفضت امريكا والدول الأوروبية منحه إياه، لذا فإن السياسة التركية تجد نفسها في السنوات الأخيرة بحاجة إلى حليف جديد، وتوثيق علاقاتها السياسية والاقتصادية مع روسيا وغيرها، لأن إغلاق باب الانضمام للاتحاد الأوروبي لن يبقى مقبولاً لأكثر من ستة عقود، وإن كان خياراً استراتيجياً لتركيا حتى الآن، وهي تعلم أي الحكومة التركية أن ذلك يغضب الأوروبيين والأمريكيين، ولكن ما العمل إذا كانت السياسات الأوروبية رهينة عقلية بداية القرن العشرين وشروط اخضاع الدولة العثمانية أولاً، وإخضاع الجمهورية التركية ثانياً إلى الأبد، وجاءت السياسة الأمريكية اليمينية لتحمل المهمة من عقول الدول الأوروبية الاستعمارية مع تركيا، من خلال نظريات صدام الحضارات والعولمة، وإنهاء التاريخ على انتصار الرأسمالية الغربية، وتبني أمريكا لقيادة الحروب الصليبية على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في احتلاله لأفغانستان والعراق، وتدمير سوريا وليبيا واليمن وغيرها وما بعدها، ومنها مشاريع تقسيم الجزيرة العربية في السنوات المقبلة، ما لم يتدارك المسلمون أمرهم، وينهون خلافاتهم من دون حروب مدمرة بين قومياتهم العربية والتركية والإيرانية والكردية، ولا غيرها.
لقد وصلت امريكا باتباعها للسياسات الأوروبية الاستعمارية إلى مشارف الانهيار، فهي لن تنجو من حروبها التي حملت رايتها نيابة عن الأوروبيين الحاقدين على البشرية، وتظن أن اشعال الحروب بعيدة عن أراضيها سوف ينقذها منها، ومع ذلك فقد فقتلت آلاف الجنود من شعبها، وخسرت مئات المليارات من أموالها، فدخلت أمريكا في انهيارات اقتصادية متوالية، وتسببت في انهيار سمعتها وهيبتها كدولة مبشرة بالقيم الانسانية والحرية، وهي اليوم أمام انهيار اجتماعي عنصري، وتفكك ولاياتها بانتظار موعده التاريخي، فأصبحت أمريكا ضحية حروب تشعلها ولا تعرف نهايتها ولا خلاصها هي منها، وهي اليوم بحاجة إلى أن تسمع من غير الأوروبيين طريق نجاتها وخلاصها، فهل تقبل بعد كل هذه الخسائر وجهة النظر التركية للسلام الاقليمي والدولي؟
كاتب تركي

أين وصلت العلاقات التركية الأمريكية؟

محمد زاهد غول

- -

2 تعليقات

  1. أعتقد بأن ترامب مع تركيا أفضل من سابقه أوباما
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. كلام السيدين غول ويلدرم لتجميل صورة النظام التركى لا يتطابق مع ما يجرى في الداخل وما يمارسه النظام من إرهاب الدولة واستخدام القوة المفرطة مع انصار غولن ومع مكونها الكوردى المطالب بحقه المشروع في العيش بسلام وحرية وكرامة ومع كل من ينتقد ويعترض ويعارض سياسة القمع والترهيب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left