ماريو باسيل: طرحت أسئلة الفنانين والناس ودخلت المغامرة مع غبريال يمين

الغاضب في مسرح «المدينة» والمجنون أكثر من المعدل السائد بين الناس

زهرة مرعي

Nov 18, 2017

بيروت ـ «القدس العربي»: قرر ماريو باسيل أن يغضب. بحث عن فنان يتمتع بقدرة إظهار هذا الغضب على الخشبة. وكان اللقاء مع غبريال يمين استاذ المسرح في الجامعة اللبنانية، والممثل والمخرج النشيط والمميز. وعندها كان الغضب ثنائيا توافق عليه الطرفان وظهرت على خشبة مسرح المدينة مسرحية One Angry Man.
الممثل والكاتب الذي شكل ركيزة ثابتة وأولى في مسرح «الشونسونيه» وصاحب فريق «كوميدي نايت» ماريو باسيل دخل في تجربة كان يحتاجها نفسياً وجسدياً مع الكوميديا السوداء. من أضحكنا أثار فينا موجة حزن ناتجة عن تساؤلاته حول الشهرة والحياة. عن الدين والدنيا، عن التحولات الجسدية من الطفولة حتى البلوغ والضغوط المرافقة لها. أسئلة عن الفلسفة والوجود تشغله فشاركنا بها.
عروض One Angry Man يستمر لشهر في مسرح المدينة. «القدس العربي» التقت باسيل في هذا الحوار:
○ لماذا أنت رجل غاضب بعد عمر من الكوميديا والشونسونيه؟
• ليس لنا أن نرى إنساناً غير غاضب في هذه الحياة بدءاً من الفنان. من شأن الحياة نفسها أن تؤدي إلى انفصام في الشخصية. ليس الغضب حكرا علينا، يمكن رؤية فنان غاضب أو فنانين في الولايات المتحدة وأوروبا. بدأ الغضب عندي بما يشبه الثورة. غضب على الحياة. على تقاليد المجتمع. على السوشيال ميديا. في هذا العرض نحن لسنا مع مسرح سياسي كوميدي، بل هي مسرحية وجودية.
○ كم التقى غضبك مع غضب غبريال يمين الفنان والمخرج؟
• نعم، الجانب الفني في كل منا التقى مع الآخر. غبريال يمين محترف جداً وكنت احتاج للتعاون مع فنان يعرف ما لا أعرفه. هذه التجربة كما المشوار تعلمت منها كثيراً. اعتمدت التنوع في عملي من تلفزيون كما ليل جنون المختلف عن ديو المشاهير الذي شاركت فيه لاحقاً. وشاركت في أفلام من إنتاج هوليوود، إضافة إلى فريق «كوميدي نايت». وأنا حالياً في تجربة جديدة وجميلة.
○ فكرة اختبار عمل فني مختلف كم تقلق الفنان قبل تنفيذها؟
• هذا صحيح. One Angry Man في بالي منذ سنوات. بقيت قلقاً من الفكرة حتى اللقاء مع غبريال يمين، والتشاور معاً برغبتي. أحب الفكرة، لكنه بالنص الذي صاغه حملها إلى مكان أبعد قليلاً مما تخيلت. أحببت فعلته، وقلت لنغوص في التجربة.
○ اختيار يمين صدفة وليس قراراً مسبقاً؟
• أعرف القليل من أعماله، وأعرف انه مبدع. صدفة كان لقاء جمعنا، تعارفنا وتحادثنا. وعندما شاهدت مسرحية «حبلي» لندى أبو فرحات والتي كانت من إخراجه، شعرت بما يجمعنا فنياً، أخبرته فكرتي، تحمس لها وتضاعف حماسي. أخذ السيناريو إلى مكان أبعد مما تحادثنا به. أحببت وقلت لماذا لا؟ ودخلنا المغامرة رغم وضعنا التعب في لبنان.
○ ربما أخذ يمين النص إلى أبعد مما تريد من خلال الأسئلة الوجودية الكثيرة في المسرحية؟
• هذا صحيح. ويمكن القول ان مضمون المسرحية يعبر عن غبريال وعني. لكن ثمة مساحة من النص تعبر عنه وحده. يقول غبريال أن المسرحية تحمل في طياتها الأسئلة التي يطرحها كل فنان. وحتى كل إنسان يشعر أنه حيال إسئلة عن المجتمع والعادات والتقاليد والحياة بمجملها. ربما صحيح القول بأنه القلق الذي يعيشه الفنان والإنسان.
○ لماذا وقع الخيار على مسرح المدينة للعرض؟ ألم تخش منه وهو المعروف بصيته الثقافي؟
• فكرت بمكان له صفة المسرح. تحمس غبريال لمسرح المدينة، وتحمست معه. لماذا أخاف من مسرح المدينة؟ العمل المسرحي التجاري يخيفني أكثر. حتى ورغم 14 سنة مع الكوميدي نايت جمعت 9 مسرحيات، كل منها أخافتني أكثر من التي سبقتها. فمن الضروري أن يتخطى أحدنا ذاته، وأن يخترع المزيد لإضحاك الناس. في المواجهة مع جمهور الشونسونيه فإن لم يبادر للضحك نقطف الفشل سريعاً. في One Angry Man أقدم الفن للفن. تعبت على نفسي، وتعب معي المخرج لكسر عادات موجودة عندي. فأنا لم أدرس التمثيل بل تلقيت مقررات في التمثيل وتعلمت من التجربة. ومع غبريال يمين شعرت أنني دخلت إلى مشوار جديد وخبرة جديدة. اؤمن أن الفن يجب أن يطال جميع الناس ودون استثناء. في هذا النوع من المسرح هناك تضحية كبرى، فالجميع يتعب لأشهر من التمارين في سبيل عرض لشهر أو أكثر بقليل.
○ هل أتعبك الوصول إلى اللياقة البدنية التي يحتاجها مسرح من هذا النوع؟
• نعم تعبت، وهو تعب جميل. يكفي الوقت الذي يحتاجه حفظ نص ساعة وربع الساعة. هو تشرّب لنص صعب، فيه تعبير وجودي وكلمات أخرى لم تخطر في بالي من قبل. فقد اعتدت الكلام المتدوال في يومياتنا. كان مطلوباً الدخول في حالة نفسية ما، واستعمال كلمات ومقاطع طويلة لم أختبر مثلها. وهذا تطلب جهداً مني. يمكن القول ان أيام التمارين التي أمضيتها مع غبريال يمين علمتني السير على الحبال.
○ ما هي نسبة الواقع من النص الذي وصلنا خلال العرض؟
• حسب غبريال يمين أن اسمي ماريو لكن العرض ليس أنا. من جهتي أجد نفسي في هذا النص وليس جميعه أنا، رغم تضمنه نقداً ذاتياً.
○ شعرنا كأنك حيال مكاشفة نفسية فهل أراحك هذا؟
• نعم كنت حيال تساؤلات وطرحها أراحني. المخرج يصرّ أن العرض المسرحي يجب أن يفتح سيل الأسئلة في ذهن المتفرج، لا سيما عن الحياة والوجود. يصر غبريال يمين على دور للعرض المسرحي هو أن يقلق المشاهد، ليخلص منه إلى الأسئلة. بعد العرض الأول أعتقد أننا بلغنا هذا الهدف.
○ تساؤلات الفنان التي طرحتها كانت بمثابة تصفية حسابات مع الضمير والناس وحتى الله. ألم تكن هناك محاذير؟
• الحوار المباشر مع الله ليس فيه مشكلة. نتابع الفظائع على شاشات التلفزيون. في حين يمكننا أن نطلق على هذا العرض المسرحي صفة المصالحة مع الذات. ولم نكن حيال هرطقة، ولم نخالف المبادئ الدينية.
○ قال سقراط أن «الجنون تحرير للنفس البشرية من عبودية العادات والتقاليد». كم ترتاح لهذا الرأي؟
• أحبني الجمهور طوال سنوات عملي في مسرح الشونسونيه لأني خرقت العادات والتقاليد، وهذا ما يمدني بمشاعر الحرية. ما قاله سقراط يعيش داخلي. يعجبني مسرح انطونا آرتو الذي يرى ضرورة صدم المتلقين. نعم أرغب في مسرح صادم، يحرك الركود الفكري ويبتعد عن الواقع. هذه هي حياتي الفنية وأفكاري، والآن تجسدت جميعها بوضوح أكبر.
○ تصاعدت حدة أسئلتك من الذاتي إلى الإيمان والتشكيك ربما. فعل حققت الراحة في اللقاء مع والدتك التي زارتك في نومك؟
• الأسئلة التي طرحتها في النص المسرحي وجدت إجاباتها الخاصة بي منذ زمن بعيد. نعم منذ زمن بعيد حققت المصالحة مع ذاتي. ومنذ زمن بعيد أعتبر نفسي مجنوناً أكثر من المعدل السائد بين الناس لكني أعيش معهم. تحاورت مع غبريال يمين بأفكاري، ووجدته يفكر بالطريقة عينها، ووضع النص كما سمعته خلال حضورك للعرض.
○ وهل ترى المجتمع اللبناني ودياً حيال جنونك الخاص؟
• ربما لهذا السبب حققت شهرتي. أفكاري متقدمة أو تقدمية. فالشونسونيه بشكله الجديد بدأ معي ومن خلال «كوميدي نايت». فرق الشونسونيه جاءت من بعدي، وكذلك البرامج التلفزيونية الفكاهية. قبل أكثر من 15 سنة كانت برامج التلفزيون أكثر جدية، تغير الوضع بالتدريج مع ظاهرة البرامج التي تثير الضحك، وكذلك انتقاد زعماء السياسة، والفنانين وغيرهم ممن لهم صورة عامة. أكدت الاحصاءات أن غالبية المشاهدين يرغبون في هذا النوع من البرامج. كافة الممثلين على المسرح أو التلفزيون بدأت خطواتهم الأولى على خشبة كوميدي نايت.
○ بعد اختبار على مدى سنوات مع جمهور الشونسونيه كيف وجدت جمهور المسرح الثقافي؟
• سبق وقدمت مهاجر بريسبان، حالياً أنا في بحث عن الجديد. لا شك في الفرق. في الشونسونيه لم تكن لي فرصة التجلي في التمثيل، أرى الآن أني حيال اختبارات جديدة ذاتية ومع الجمهور. يحتاج الممثل إلى سجل منوع، وليس محبذاً «التقريق» على الناس فقط.
○ ماريو باسيل متهم في مسرح الشونسونيه بتسليع المرأة هل حضور والدتك في حلمك رغبة في صورة مختلفة للمرأة؟
• هي رغبة غبريال يمين. لم أكن في وارد تناول ما هو شخصي خاصة والدتي العزيزة التي توفيت من زمن قريب. من وجهة نظر غبريال أن أهم امرأة في حياة أي رجل هي والدته، أو هي تشكل مجموع كافة النساء اللواتي مررن في حياته. النص الذي كتبه غبريال لم يكن الاتجاه الذي صممت عليه، لكني أحببت ما كتبه، ورغبت في التجربة مع فنان من رأسه حتى قدميه.
○ ذكرت أنك دخلت الأربعين ولم تتزوج. هل هو ندب ذكوري للعنوسة؟
• يتساوى الرجال مع النساء في مشاعر الوحدة وعدم الزواج إنما ليس دائماً. يطرح الرجل الأسئلة على ذاته. من جهتي سعيت ولم أصل للنهايات أكثر من مرة. حتى اللحظة لست أدري هل سأتزوج أم لا. لكني لا أرفض الفكرة.
○ ماذا تريد من المرأة وأي امرأة تريد؟
• يتبدل الإنسان مع العمر. يجوز أن ما أريده يختلف بين شهر وآخر. لم يكن لي في يوم نموذجاً محدداً لما أريده من المرأة. نتقدم في الحياة ونختبر المزيد من الأمور. لا يتبدل المرء في ما هو عادي فقط، بل في حتى في الجوهر.
○ هل غبريال يمين مرن أم صلب كما جبال جرود جبيل؟
• بشكل عام هو عنيد، وصورته العامة تمنحه ملامح العناد. أحترم شخصه الإنساني والفني. لقد دخلت قليلاً إلى جرود جبيل، وبدوري استدرجته قليلاً نحو الأشرفية.
○ هل من الضروري حضورك في كل موسم مع مسرحية شونسونيه؟
• في النهاية أعيش من هذا المسرح، لو اتكلت على مسرح المدينة لمت من الجوع.
○ هل تريد أن تزعل منك نضال الأشقر؟
• على العكس «بتجنن نضال». هي فنانة منفتحة على كافة الأفكار. في مسرح المدينة أشعر بقدر من طاقتي قد زال. هذا المسرح يشكل نوعاً من علاج. فقط أحمل هم اللحظات الأولى. في حين أتوتر كثيراً في الشونسونيه خاصة عندما لا أسمع ضحكاً عالياً. النجاح في الشونسونيه أن يعبر الناس بالقول «متنا من الضحك». في مسرح المدينة لست بصدد اضحاك الناس، بل هو فن للفن.

ماريو باسيل: طرحت أسئلة الفنانين والناس ودخلت المغامرة مع غبريال يمين
الغاضب في مسرح «المدينة» والمجنون أكثر من المعدل السائد بين الناس
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left