مهرجان أيام قرطاج السينمائية: محافظة على الخصوصية والتجديد والانفتاح على تجارب حديثة

روعة قاسم

Nov 18, 2017

تونس ـ «القدس العربي»: حافظ مهرجان أيام قرطاج السينمائية في تونس، أعرق المهرجانات السينمائية العربية والافريقية، على تميزه في الدورة الأخيرة التي شدت إليها أنظار محبي السينما في دول الجنوب. فما يميز هذا المهرجان هو أنه تونسي لحما ودما، تشرف عليه وزارة الثقافة التونسية بخلاف مهرجانات أخرى تنظم على الأراضي العربية بتمويلات خارجية وإدارة أجنبية، كما أنه موجه لسينما الجنوب ولا تعرض فيه إلا الأفلام الهادفة التي تعالج قضايا إنسانية جدية، ولم يفتح أبوابه للسينما التجارية، وكان بالتالي وفيا لحضارة قرطاج التي يستمد منها تسميته.
كما يتميز هذا المهرجان بالتجديد في كل سنة فيما يتعلق بالشكل والمضمون، على حد سواء، ولم تشذ هذه الدورة التي عقدت خلال الفترة المتراوحة 4 و11 تشرين الثاني/نوفمبر عن القاعدة. ويتميز المهرجان أيضا بالإقبال الجماهيري الكثيف واللافت، فللسينما عشاقها في تونس ولقرطاج مريدوها.

الكوليزي مجددا

يُعرف التونسيون قاعة سينما الكوليزي بـ«ملكة القاعات» باعتبارها أكبر قاعة سينما ولها من العراقة ما يجعلها شديدة الارتباط بوجدانهم ويحتفظون فيها بذكريات جميلة. ففي الكوليزي انطلق مهرجان أيام قرطاج السينمائية على يد المرحوم الطاهر شريعة الذي أسس لاحقا مهرجان واغادوغو للسينما في بوركينا فاسو والذي يعتبر توأم مهرجان قرطاج الذي يسير المهرجان البوركيني وفق نهجه وعلى خطاه.
لقد عادت قاعة الكوليزي إلى احتضان حفل الافتتاح الذي كان ينتظم في السنوات الأخيرة في المسرح البلدي، فنصب أمام القاعة السجاد الأحمر لاستقبال ضيوف المهرجان من النجوم العرب والأجانب، فكان حفلا بهيجا أثار استحسان البعض وانتقادات البعض الآخر خاصة فيما يتعلق بفتح باب المرور على السجاد الأحمر لمن هب ودب، ممن لا علاقة لهم بعالم السينما.
وبالإضافة إلى قاعات العرض الأخرى مثل «أفريكا» و«الريو» و«المونديال» و «البرناس» و «البالاص» وغيرها، أقيمت خلال الدورة الأخيرة «قاعة» جديدة للسينما في الهواء الطلق في شارع الحبيب بورقيبة سميت «سينما الشارع» وجدت إقبالا من قبل جمهور المهرجان. وعرضت في هذا الفضاء السينمائي الاستثنائي أفلام هادفة عديدة مثل فيلم «النخيل الجريح» للمخرج التونسي عبد اللطيف بن عمار المستوحاة أحداثه من معركة الجلاء التي خاضها الجيش التونسي ضد نظيره الفرنسي بداية ستينيات القرن العشرين لتحرير آخر جيوب الاستعمار، مدينة بنزرت في أقصى الشمال وقواعدها العسكرية. ويعالج المخرج في فيلمه هذا قضية هامة وهي الكتابة الخاطئة للتاريخ من وجهة نظر المنتصر وهو أمر لا يحصل فقط في البلاد العربية بل في شتى أنحاء العالم.

فلسطين: الحضور المستمر

وكعادتها كانت فلسطين حاضرة في المهرجان حضورا لافتا، فقد أحب الجمهور التونسي السينما الفلسطينية كثيرا وتفاعل معها منذ الدورات الأولى للمهرجان وكان دائم التعطش لمشاهدتها. ولهذه السينما صولات وجولات في قرطاج وحصدت عديد الجوائز خلال الدورات السابقة ولمع نجم مخرجين وممثلين فلسطينيين كثر رسخوا في الذاكرة.
ولعل افتتاح المهرجان بالفيلم الفلسطيني «كتابة على الثلج» لرشيد مشهراوي يقيم الدليل على الأهمية التي يوليها المنظمون لفلسطين ومبدعيها الذين يتحدون الصعوبات للتعريف بقضيتهم من خلال السينما وسائر الفنون. فالكل يدرك أن مجرد وجود سينما فلسطينية في ظل الاحتلال ليس أمرا هينا، فما بالك إذا كانت هذه السينما مبدعة وهادفة وتحصد الجوائز في أهم التظاهرات.
يشار إلى أن أفلاما فلسطينية أخرى شاركت في قرطاج في دورته لهذه السنة، مثل «خارج الإطار أو ثورة حتى النصر» لمهند يعقوبي، و «ولادة صورة» لفراس خوري و «اصطياد أشباح» لرائد اندوني. وإضافة إلى رشيد مشهراوي صاحب فيلم الافتتاح حضر مهرجان أيام قرطاج السينمائية فنانون ومخرجون فلسطينيون منهم ميشيل خليفي.

الجزائر كعادتها

عرفت هذه الدورة تكريما خاصا للسينما الجزائرية في قاعة «الأفريكا» بحضور وزير الثقافة محمد زين العابدين ومدير مهرجان أيام قرطاج السينمائية نجيب عياد، ومديرة المركز الجزائري لتطوير السينما، ومديرة المركز الوطني للسينما والصورة وعدد من السينمائيين التونسيين والجزائريين. وحسب وزير الثقافة التونسي فقد وقع اختيار الجزائر كضيف شرف لعدة أسباب منها عودة السينما الجزائرية بقوة في السنوات الأخيرة. وحضر من الجزائر خصيصا لهذا التكريم خمسون ضيفا واختير 12 فيلما وتمثل الأفلام المختارة للعرض كل الفترات والمراحل التاريخية للسينما الجزائرية.
ومن أهم الأفلام الجزائرية المعروضة في هذه الدورة، فيلم «رشيدة» للمخرجة يمينة بشير شويخ، وتدور أحداثه خلال العشرية السوداء التي عرفها بلد المليون شهيد في تسعينيات القرن العشرين والتي انتشر فيها الإرهاب بشكل لافت. ورشيدة بطلة الفيلم، هي معلمة شابة هربت مع والدتها من العاصمة بعد استفحال آفة الإرهاب فيها، إلى قرية نائية في الجبال كانت بدورها عرضة لهجمات إرهابية أدخلت الرعب في النفوس ورغم ذلك تتحدى رشيدة الصعاب وتواصل تدريس تلاميذها داخل قاعات درس تم تدميرها والعبث بمحتوياتها، متحدية الإرهاب والإرهابيين.

ثلاث قارات

وحظيت أيضا ثلاث تجارب سينمائية من ثلاث قارات بتكريم من المهرجان وهي سينما كوريا الجنوبية وجنوب افريقيا والأرجنتين. وعرضت أفلام لهذه الدول بينت رغبة القائمين على مهرجان قرطاج السينمائي في الانفتاح على تجارب عالمية من مختلف القارات وهو تجديد يحتاجه المهرجان ليحافظ على ألقه الذي عرف به على الدوام. وشارك في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في هذه الدورة 14 فيلما روائيا طويلا بعضها يعرض للمرة الأولى في مهرجان عربي وافريقي. بالإضافة إلى الأفلام القصيرة والوثائقية التي تم دمجها السنة الماضية مع الأفلام الروائية في مسابقة واحدة بعد أن كانت تعرض ضمن مسابقة خاصة بها.
وتشارك تونس، البلد المنظم، في هذه المسابقة بثلاثة أفلام، «على كف عفريت» للمخرجة كوثر بن هنية الحائزة على «تانيت» الذهبي السنة الماضية عن فيلمها الوثائقي «زينب تكره الثلج». وللإشارة فإن «تانيت» التي تمنح جوائز المهرجان باسمها هي آلهة الخصب لدى القرطاجيين الذين عمروا تونس وأنشأوا فيها واحدة من أهم حضارات المتوسط والعالم في عصور ما قبل ميلاد المسيح.

جوائز متنوعة

ولعل اللافت أيضا في قرطاج السينمائي هذه السنة هو تنوع الجوائز وتعددها ففي مسابقة الفيلم الروائي الطويل آلت جائزة أفضل مونتاج لفيلم «طبيعة الحال» لكريم موساوي من الجزائر، فيما آلت جائزة أفضل صورة لفيلم «قطار الملح والسكر» لليسينيو أزيفيدو من الموزمبيق وجائزة أفضل سيناريو لفيلم «شرش» لوليد مطار من تونس وجائزة أفضل موسيقى لفيلم «فيليسيتي» لألان قوماس من السينغال.
ونالت VERO TSHANDA BEYA» جائزة أفضل ممثلة عن فيلم «فيليسيتي» للمخرج ألان قوماس من السينغال ونال عبد المنعم شويات جائزة أفضل ممثل عن فيلم «مصطفى زاد» للمخرج نضال شطا من تونس. وآلت كبرى جوائز المهرجان وهي «تانيت» البرونزي والفضي والذهبي تباعا لأفلام «وليلي» للمخرج فوزي بن سعيدي من المغرب و«المتعلمون» للمخرج جون ترنقوف من جنوب افريقيا و«قطار الملح والسكر» للمخرج ليسينيو أزيفيدو من الموزمبيق.
ونال فيلمان فلسطينيان وثائقيان هما «اصطياد الأشباح» للمخرج رائد أندوني و«غزة بعيونهن» لمي العدة وريهام غزالي جوائز في هذه الدورة إضافة إلى أفلام من لبنان ومصر.

جدل حول فيلم «مطر حمص»

شهدت الدورة الثامنة والعشرون لأيام قرطاج السينمائية جدلا واسعا حول عدد من الافلام المشاركة، من بينها فيلم «مطر حمص» الذي يشارك في جائزة الأفلام الطويلة. وتدور أحداثه في الفترة بين شباط/فبراير وأيار/مايو عام 2014 حول حكاية عائلة عاشت الحرب في حمص القديمة، وحوصرت من قبل ما يسميهم الفيلم «الإرهابيين». ويتهم الناشطون مخرج الفيلم جود سعيد انه يحاول نقل رؤية النظام السوري للأحداث في سوريا عبر تقديم صورة تبرئ السلطات السورية. وقد خاضت المخرجة المصرية كاملة ابو ذكري معركة من أجل منع حصول الفيلم على أي جائزة في مهرجان قرطاج السينمائي معتبرة «انه يعبر عن وجهة نظر السلطات السورية». وأكدت انها ستقف ضد مشاركة الفيلم نفسه في مهرجان القاهرة السينمائي. واعتبرت المخرجة السينمائية المصرية وعضوة لجنة تحكيم مهرجان أيام قرطاج السينمائية فيلم «مطر حمص» انه فيلم النظام السوري الذي أنجز ليشارك في المهرجانات وينال الجوائز وبالتالي فلا أهمية له، ووصفته أنه كاذب يريد أن يعمي المشاهد عن دم الأطفال ودم العائلات، وعبرت في تدوينتها عن رغبتها في ان يحل في سوريا العدل والأمان وتعود سوريا التي عشقتها المخرجة المصرية وعشقت شوارعها كما كانت في السابق، كما اعتبرت الفيلم عملية تجميل لنظام وحشي.
يشار إلى ان فيلم «مطر حمص» تسبب أيضا في انسحاب المخرج السوري سامر عجوري من المسابقة، بفيلمه «الولد والبحر»، الذي يحكي قصة غرق الطفل إيلان. وقد اتهم عجوري مهرجان قرطاج السينمائي باستغلال الفن ”للتطبيع السياسيّ مع النظام السوري”.
وفي بيان أصدره بعيد انسحابه من أيام قرطاج السينمائية يوضح عجوري أنه تمّت دعوته للمشاركة في مهرجان «قرطاج» ضمن فعاليّة الأفلام القصيرة خارج المسابقة، ومنذ عدّة أيّام صدرت قائمة بالأفلام المشاركة في المهرجان بكل فعاليّاته ومن ضمن الأفلام الروائيّة المشاركة فيلم «مطر حمص» لمخرج النظام السوريّ و»جوزف غوبلز» القصر الرئاسي جود سعيد. ووفق المخرج السوري فان الفيلم هو عمل يستغلّ فيه النظام بشكل سافر حطام مدينة كاملة دمّرت تحت قصف طائرات الجيش العربيّ السوريّ ونيران دباباته لتكون خلفيّات سينمائيّة، بطريقة لا يمكن وصفها إلّا بأنّها تمثيل وتشنيع بجثة حمص وفق تعبيره.
وأضاف نص البيان: ”ممّا لا يخفى عن إدارة مهرجان قرطاج واللجنة التي اختارت «مطر حمص» أنّ الفيلم وبكلّ وضوح هو بروبغاندا مخابراتيّة أسديّة منتجة من قبل النظام السوريّ تروّج عن طريقه لفكرة المؤامرة الخارجيّة وتتهمّ جهات إسلاميّة مختلفة أو غيرها بقتل أبناء حمص وتشريدهم وتدمير بيوتهم وحرقها». واعتبر أن وجود الفيلم على قائمة أفلام المهرجان هو تصريح من إدارة المهرجان بدعمهم لرواية النظام السوريّ المجرم، وعرض الفيلم في صالات المهرجان هو مشاركة حقيقيّة في ترويج تلك البروبغاندا. على حد قوله.

محافظة على الخصوصية والتجديد والانفتاح على تجارب حديثة
مهرجان أيام قرطاج السينمائية في دورته الأخيرة:
روعة قاسم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left