عن ترجمة الشعر

إليوت «الأرض اليباب» وشكسبير «الغنائيات»:

عبد الواحد لؤلؤة

Nov 18, 2017

كلما أقدمتُ على ترجمة الشعر، أجدني لا أقوى على تجاهل كلام الجاحظ (775 ـ 868) بأن «الشعر لا يُستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حُوِّل بَطُلَ وزنُه وذَهَبَ حُسنُهُ وسقَط موضع التعجّب فيه». لكن جدّنا الجاحظ، الذي كان يملي ذوقه على أدباء العصر الوسيط، كان يفكِّر بالشعر العربي بوزنه وقوافيه، مما يكون نقلُه إلى لغة أخرى بالغ الصعوبة. لكن الصور والمعاني والإحالات الثقافية يمكن نقلها، إذا توافرت لدى الناقل معرفة دقيقة باللغتين، وما يقترب منهما بلغات أخرى، مع معرفة طيبة بثقافة وتاريخ اللغتين. عند ذلك يمكن التسامح في غياب الوزن والقافية، إلا إذا استطاع الناقل توفير نوع من الإيقاع في ترجمته، والإيقاع هو أساس الوزن، إذا لم يكن متكلَّفاً.
أتناول هنا ترجمة عملين كبيرين من أعمال الشعر بالإنكليزية، قمتُ بترجمتهما إلى العربية، وأشرتُ إلى ترجمات سابقة وما ورد فيهما من بعض الهفوات والأخطاء في فهم النص والتجاوزات عليه، بسبب ضعف الناقل في النواحي التي اشرتُ إليها، مما يجعل الصيغة المنقولة بعيدة عن النص، أو مخالفة له، أو مسيئة إليه بدرجة أو بأخرى. هذان العملان هما: ت.س.اليوت في قصيدة «الأرض اليباب»، وشكسبير في «الغنائيات».
صدرت ترجمتي بعنوان «ت.س.إليوت: الأرض اليباب: الشاعر والقصيدة» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980، وصدرت عن بغداد طبعة ثانية عام 1986، وطبعة ثالثة عن بيروت، 1995. وقد سبقني في ذلك خمس ترجمات جزئية أو كلية، وسمعتُ عن ترجمة مصرية لم أطّلع عليها، لذا لم أستطع التعليق عليها.
ملاحظتي على أغلب الترجمات السابقة أنها تترجم عنوان القصيدة إلى «الأرض الخراب» وهذا خطأ لغوي لأن الخراب لا أمل من إصلاحه، والصحيح «الأرض اليباب» لأن القاموس يقول: «دارهم خراب وأرضهم يباب» فالأرض اليباب هي التي انحسر عنها المطر فلم تعد تنبت زرعاً، فاذا جاءها المطر عاد إليها الزرع والنماء. وهذا هو صلب القصيدة. يرى اليوت أن الحياة في أوروبا، وخاصة الشرقية منها بعد الحرب العالمية الأولى، قد غدت يباباً لا تنبت زرعاً. والسبب في رأي الشاعر أننا نسينا التراث والإيمان: التراث بمعناه الأوسع الذي لا يقتصر على تراث الإغريق والرومان، بل يبدأ مع ثقافات الشرق الأقصى والعالم القديم في سومر وبابل وما جاورهما، ومصر الفرعونية. والإيمان لا يقتصر على دين بعينه، بل إيمان صادق لا تديُّن وادّعاء. فلو استعدنا هذين فسوف يعود النماء إلى الأرض ويحل السلام. وهذا يُبيّن أن الشاعر يقصد «اليباب» وليس الخراب.
والمأخذ الثاني على الترجمات السابقة أنها تتجاوز المقتطفات بخمس لغات أجنبية أو تثبتها بلغاتها الأجنبية، فيبقى القارئ العربي يتساءل عن معناها ومغزاها، والمفروض أن الترجمة توفِّرها له. وقد اعترض على ذلك قرّاء الإنكليزية أنفسهم يوم صدور القصيدة عام 1922. وفي أول ترجمة للقصيدة نشرتها مجلة «شعر» البيروتية عام 1958 من عمل شاعرين معروفين، نقرأ على ص 133: «من فوق تجلّى سقف الموقد العتيق». كيف انتقل الموقد من أسفل جدار الغرفة إلى السقف؟ وعلى الصفحة 135 نقرأ: «سأندفع خارجاً كما أنا…مُسدَل الشَعر…» مما يجعل المتكلم رجلاً، والصحيح أنه كلام امرأة، أخذت حبوباً لتُسقط الجنين، لكن الترجمة تقول «لأوقظ ما بي» أي لتنشيطها في الحمل والإنجاب. وعندما رجع الزوج ألبرت من الحرب، أعدّت الزوجة «ليل» مع زوجها «فخذة مشوية» دُعيت إليها المتحدثة. لكن الترجمة تقول إن الزوجين «كانوا يلعبون الورق» وعلى ص 139 نقرأ عن «الشاب الأشقر» صفة توحي بالجمال، لكن النص يبالغ في وصف قُبح»المدمّل».
والأعجب من ذلك جميعاً عدم التفريق بين صيغة الاسم وصيغة فعل الأمر في كلمة swallow التي تفيد اسم طائر السنونو، لكن هذه الترجمة تجعلها «إبلع، إبلع». كيف لم ينتبه المترجمان إلى عدم اتساق «البلع» مع النص؟
والترجمة الثانية التي استعرضتُها من عمل حامل دكتوراه في الأدب الإنكليزي من بريطانيا، نشرت في «سلسلة نوابغ الفكر الغربي، 17، دار المعارف بمصر، 1966». على ص 111 نقرأ عن «موسيقى الراك الشكسبيهيرية» التي صارت: «ذلك الإحتفال بيوم شكسبير/إنه لمنسق/وفيه فطنة». كما يصبح حديث ليل في الحانة مع رفيقتها: «قلتُ لها بنفسي/في وضوح تام:/أرجو أن تسرعوا فقد حان الوقت». والواقع أن هذا هو كلام النادل في الحانة، الذي يُعلن عن ضرورة الإسراع بالخروج لانتهاء وقت تقديم الشراب. وعلى ص 118 نقرأ: «لقد خلا البحر من الزجاجات الفارغة». لكن الذي خلا هو «نهر التيمس» وليس البحر. «مرشدي المدينة» خطأ في فهم City directors وهم مديرو الشركات التجارية في «المدينة» أي وسط المدينة التجاري و»التاجر الإزميري/قد ترك لحيته وملأ جعبته بالكرم المجفف» أصلها: لم يحلق ذقنه، وملأ «جيبه» وليس «جعبته» بالزبيب! وليس «بالكرم المجفف». وتايريزياس الضرير في الأسطورة «له صدر مجعّد كصدور النساء» كيف هذا؟ ثم، كيف «تداعت قنطرة لندن، ثم هوت وسقطت»؟ وكيف انقلبت «أربعاء الرماد» إلى «رماد الأربعاء؟» ص 107 حديث ماري مع ابن عمها بالألمانية يصبح بصيغة المذكر: «ما أنا بالروسي، وإنما أنا الماني من لتوانيا». وعلى ص 109 حديث «فتاة الياسنت» أي فتاة الزنابق يصبح بصيغة المذكر والصحيح يجب أن يكون بصيغة المؤنث، لأنها هي التي كانت تحمل الزنابق، وذراعاها ممتلئتان وشعرها مبلول. و»لم أكن بالحية ولا بالميتة» يجب أن تكون بصيغة المذكر، لأن المتكلم ليس الفتاة. على الصفحة 111 نقرأ «وفي السقف اشتعلت أخشاب البحر الجسيمة». ماذا يبقى من السقف إذا اشتعل؟ ص 119 حديث «بنات التيمس» يجعل حديث البنت الأولى عن اغتصابها بصيغة المذكر!
وفي عام 2013 صدرت عن «مشروع كلمة» في أبوظبي ترجمتي «غنائيات» شكسبير المئة وأربع وخمسين، مع مقدمة وشروح مفصّلة. وأحسب أن هذه أول ترجمة كاملة بالعربية، أفضّل فيها «الغنائية» تعريباً، لا «السونيت» ترجمة . كان ثمة ما سبق من ترجمات جزئية أو كلية، لي عليها جميعاً ملاحظات، وبخاصة على الكتاب المجاني الذي وزّعته مجلة دبي الثقافية في كانون الثاني/يناير 2010.
مترجم «السونيتات» ليس متخصصاً بالأدب الإنكليزي، لذا جاءت ترجماته لا تدرك تغير معاني المفردات من أيام شكسبير والقرن السادس عشر، وهذا مما أربك المعنى، فمثلاً كلمة pen pencil كانت في زمن شكسبير تعني «الريشة» التي يُكتب بها ويُرسم كذلك. صفة brave كانت تعني البهيج أو الجميل، وليس «الشجاع» كما في الاستعمال اللاحق. لذا «النهار الشجاع» تدعو إلى الاستغراب. فهل ثمة من نهار شجاع وآخر جبان؟ كلمة scandal كانت تعني «صخرة» تُحدث جرحاً في جبهة من يصطدم بها، ولا تعني «فضيحة» الحالية. الفعل bail كان يفيد «الضم» أو الإحتواء، وليس «الكفالة» لإطلاق سراح السجين، مثلاً. كلمة hue كانت تعني «الهيئة أو القوام» ولا تعني «لون» الحديثة. كلمة Soil كانت تفيد «السبب أو المَنبِت» وليس «التربة». كلمة argument كانت تفيد «الموضوع» وليس «الجدل» الحديثة. كلمة modern كانت تعني «المبتذل» وليس «الحديث». كلمة against كانت تعني «تحسُّباً» أو استعداداً، ولا تعني «ضد». كلمة fond كانت تعني «مجنون» أو «معتوه» ولا تعني «مُغرم» الحديثة . في كتاب مجلة دبي الثقافية ترجمة 52 «سونيت» من أصل 154 وجميعها ملأى بأخطاء من هذا النوع، وبتجاوزات بالتفسير، وإعطاء عناوين من عند المترجم، وعبارات مثل ص92 «من هو المغرم بأن يكون قبراً لحبه لنفسه» أو ص 95 «أطعمك فيما هو يأخذ منك/وأجدّدك بتطعيمي» هل هذا تطعيم الحبيب ضد الجدري مثلا؟ engraft الحديثة كانت تعني «تعويض» عن فقدان.
مثل هذه الأخطاء تجعل القارئ العربي عزوفاً عن قراءة غنائيات شكسبير فيحسبها عبثاً من العبث.

عن ترجمة الشعر
إليوت «الأرض اليباب» وشكسبير «الغنائيات»:
عبد الواحد لؤلؤة
- -

1 COMMENT

  1. كثير من ترجمات الشعر توخى أصحابها الدقة في استخدام الكلمة إزاء الكلمة ثم أنتجوا لنا نصوصا مشوهة لا تكاد تستبين منها معنى و لا تستشف فيها جمالا و لا هي بالعربية التي نعرف. الدقة في ترجمة الكلمات هو جزء بسيط من تحدي ترجمة الشعر، فنجاح المترجم في تقمص المعاني الظاهرة و الخفية على مستوى الأسلوب وجمال نص الترجمة هما اللذان يحددان قيمتها في نهاية المطاف.
    ثم إنه من غير الممكن أن نقول إن هذه الكلمة في اللغة الفلانية تقابل كلمة ما في لغة أخرى في جميع أحوالها و كل دلالاتها الممتدة إلى الجذور الثقافية و المخيال الجمعي للناطقين بها. و لو أخذنا لفظة wasteland مثلا لوجدنا نطاق مدلولها يتجاوز معنى “الأرض اليباب” أي القفر الخالية ، فهي الأرض البلقع التي لا تنبت زرعا و لا فيها بنيان سوى الخرائب إن وجدت.. أو ربما طالها الدمار و انتشر فيها الخراب..
    استخدام لفظة خراب ليس خطأ لغويا، جاء في لسان العرب (أَرْضٌ يَبابٌ أَي خرابٌ/ يقال خَرابٌ يَباب)..فاللفظان متلازمان متقاربان في المعنى، فاليباب وصف للمكان الخالي الذي لا أَحد به و خراب أحسن تعبيرا في هذا الصدد لأن فيها زيادة على معنى يباب حيث الخراب نقيض العمران أو -اﻷصح- انتقاضه ..إي إن المكان كان به عمران ثم طالته يد الدهر بالدمار أو التداعي.
    الابتعاد عن الترجمة الحرفية أقرب إلى الدقة و إلى الأمانة في غمار اﻷدب فانتقاء للفظ لا يكون سليما إلا بقدر خدمة اللفظ المنتقى للمعنى وللبعدين البلاغي و الجمالي في السياق العام.
    في الختام، أعبر عن احترامي و تقديري الكبير لقلمك السامق الجميل.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left