الفئات الوسطى في الجزائر من السياسة إلى النقابة

ناصر الجابي

Nov 20, 2017

الذي يتابع الحياة السياسية والاجتماعية في الجزائر في السنوات الأخيرة، سيكتشف، من دون عناء كبير، أن الحراك الاجتماعي المطلبي بصبغته النقابية الواضحة، وراءه في الغالب موظفو الدولة، الذين كانوا لسنوات خلت يمثلون اليد السياسية الضاربة للدولة.
كيف حصل هذا التحول وبهذه السرعة وما هي تداعياته السياسية؟ كيف تحول المعلم والموظف الصغير الذي كان «المناضل المثالي «في قواعد حزب الدولة، كجبهة التحرير وغيرها من أحزاب السلطة في العالم العربي إلى «مشوش» و»ناشط نقابي» ينظم الإضرابات، يحتج ويخرج إلى الشارع في مظاهرات، كان منذ سنوات لا يشارك فيها فقط، بل كان يراقبها ويكتب ضدها تقارير لمسؤوليه الحزبيين والأمنيين؟
التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تبنتها الدولة الوطنية، منذ عقدين على الأقل، تفسر هذا التحول، فقد تخلت الدولة عن دورها الاقتصادي والاجتماعي الذي عرفت به منذ الاستقلال. باعت القطاع العام وفتحت السوق وتبنت خيارات ليبرالية واضحة، سمحت للقطاع الخاص بالتربع على عرش السلطة الاقتصادية بكل العيوب المعروفة عنه، كطابعه العائلي وغير الرسمي ومنطقه الربحي الصرف.
قطاع خاص، حاضر اقتصاديا كتشغيل واستثمارات وإنتاج، لكنه غائب كفاعل اجتماعي، كما كان الحال مع القطاع العمومي الذي تربت في ظله أجيال من الجزائريين. كانوا وما زالوا ينظرون للمؤسسة الاقتصادية العمومية كأب حنون، لا يمنح شغلا فقط، بل يمنح سكنا وعمرة للحج وعطلا لأبناء العائلة وكبش عيد كل سنة. تحولات اقتصادية، كان من نتائجها تفكيك هذه الفئات الوسطى المرتبطة بهذه التجربة التي كانت وراءها الدولة الوطنية منذ الاستقلال. استفادت بعض الفئات من أبناء الفئات الوسطى المؤهلة من هذه الخيارات الجديدة، كتلك التي التحقت بالقطاع الخاص أو الدولي، بعد تجربتها في القطاع العمومي الذي كانت على رأسه لسنوات. فئات عرفت كيف «تفاوض» خروجها من القطاع العام، في الوقت المناسب، قبل أن يغرق، للالتحاق بالقطاع الخاص الذي احتلت داخله مواقع المالك أو المسير، وهو ما يجعلها من الشرائح الاجتماعية المستفيدة من هذه الخيارات الليبرالية التي كانت تتخذ مواقف مبهمة منها. ترفضها كموقف أيديولوجي تربت في ثقافة سياسية معادية له، لكنها تتبناها كخيارات عملية على أرض الواقع، تعرف بالسليقة، انها ستكون المستفيد الأول منها.
على عكس هذه الفئات المؤهلة التي تمثل تكنوقراطية الدولة، لم تستفد باقي شرائح الفئات الوسطى من هذه التحولات. فقد ساءت وضعية الشرائح الدنيا المكونة لهذه الفئات الوسطى التي مثلت لوقت قريب بيروقراطية الدولة، بعد تدهور المكانة الاقتصادية والرمزية، للمعلمين وموظفي الدولة الصغار وحتى الأطباء والصحافيين، وكل الشرائح الاجتماعية التي ارتبطت بهذه التجربة الاقتصادية العمومية التي تم انتقادها لاحقا وقدمت كتجربة فاشلة. فشل، يمكن التأكد منه بالعين المجردة، يتجسد في ظروف عمل هذه الفئات وشروط حياتها اليومية، كما تظهر في الحي السكني ومكان العمل، على غرار المستشفى العمومي الذي تحول فيه الاعتداء على اطبائه إلى فرض عين، يقوم به الصغير قبل الكبير، ما حول طلب التقاعد المسبق إلى مطلب رئيسي لدى هذه الفئات ونقاباتها الكثيرة، هروبا من هذا الجحيم الذي وجدت نفسها فيه، خاصة إذا اقترن هذا الهروب، بتوجه نحو القطاع الخاص، أو أعمال حرة أخرى تبدأ، من العمل «الأبيض» القانوني، ليصل إلى الأسود، مرورا برمادي، غير واضح الحدود، في يوم عمل لا ينتهي.
التداعيات السياسية لهذه التحولات على أرض الواقع الاقتصادي والاجتماعي، بما يواكبها من استراتيجيات جماعية او فردية تبقى أكثر من مهمة. فقد شعرت أغلبية هذه الفئات التي لم تستفد من هذا الواقع الجديد، أن نظامها السياسي قد تخلى عنها، لصالح فئات ميسورة جديدة، كان يحاربها على مستوى الخطاب لوقت قريب. شعور جعلها تتجه بقوة نحو العمل النقابي المطلبي، ذي الصبغة الفئوية الواضحة، بتكوين النقابات وتنظيم الاحتجاجات طول العام، لدرجة أصبحت فيه هذه النقابات الكثيرة التي كونتها هذه الفئات (أطباء /معلمون / موظفون، إلخ) المحرك الفعلي للحياة الاجتماعية والسياسية في جزائر الألفية الجديدة. اتجهت هذه «اليد السياسية الضاربة للدولة»، في عهد الأحادية، صوب الأحزاب المعارضة، بعد الإعلان عن التعددية، بدل البقاء في قسمات جبهة التحرير، في انتظار وصول خطاب الرئيس لشرحه والترويج له، بين الفئات الشعبية الأمية، أبجديا وسياسيا، كما كانت تقوم به في ظل الحزب الواحد. فالرئيس بدوره سكت ولم يعد يتكلم، مما يكون قد قضى نهائيا على الوظيفة الرئيسية لهذه الفئات المتعلمة داخل حزب- الدولة، كوسيط، بين النظام السياسي والمجتمع.
لم يستمر هذا الفراغ السياسي طويلا، فقد اكتشف النظام السياسي، التلفزيون الخاص و»الجريدة المستقلة» والأحزاب السياسية الكثيرة، التي اخذت مكان المعلم والموظف الصغير الذي لم تعد تحتاجه الدولة الوطنية بثوبها الجديد، كما يتجلى ذلك بقوة داخل أحزاب السلطة بمناسبة الترشيح لانتخابات لم تعد تقبل بالمعلمين والموظفين الصغار الا لملء القوائم، بالمراتب الأخيرة، في البلديات المفلسة ماليا.
فقد ظهر «مول الساعة « في صورة كيس بلاستيكي كبير، يطلق عليه الجزائريين اسم «الشكارة»، للكلام عن الفساد السياسي الذي ربطوه بحديثي النعمة. لتعويض آلاف المعلمين وأساتذة الجامعة والموظفين الصغار الذين كانت تحتاج إليهم أحزاب السلطة للترشح والترويج وتنظيم هذه الانتخابات، التي تعود النظام السياسي على تنظيمها دوريا، من دون أن تنتج أي تغيير سياسي.
ركود سياسي لم يعد يغري الكثير من الجزائريين بالمشاركة فيه او حتى مشاهدته، من بعيد، كما يظهر في نسب الاقتراع وجو الحملة الانتخابية، هذه الأيام. لتكون الأحزاب الممثلة لهذه الفئات الوسطى المأزومة سوسيولوجيا وسياسيا على رأس المتضررين من هذه التحولات، بكل تداعياتها السياسية والسلوكية. كما يتجسد ذلك في قلة الاهتمام الذي تبديه هذه الفئات بالشأن العام السياسي والثقافي، هي التي كان يعول عليها لتحريك الساحتين الثقافية والسياسية، فقد سيطر الهمُ الفردي والتقوقع على الذات والعائلة، لدى هذه الفئات التي هجرت المجال العام نحو الخاص بشكل فج، في عصر الإنسان ذي البعد الواحد، الذي كان قد بشّر به الفيلسوف الألماني، هربرت ماركوز.
كاتب جزائري

الفئات الوسطى في الجزائر من السياسة إلى النقابة

ناصر الجابي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left