الحوار هو الحل

عبد الحليم قنديل

Nov 20, 2017

مصر الآن في أشد الاحتياج إلى حوار داخلي وطني شامل، وقد ترددت كلمة «الحوار» بإلحاح، وكانت طاغية في أحاديث الرئيس السيسي بمنتدى شباب العالم، وهو ما قد يصح التقاطه، والتركيز عليه، والبناء فوقه، والدعوة إلى مؤتمر حوار وطني، تبادر إليه رئاسة الجمهورية، ويتسع لمشاركة حرة متكافئة من تيارات السياسة والتفكير الكبرى في البلد.
وبالطبع، لا نريد «حوار طرشان»، ولا ترتيبات ديكور صورية، تفتعل أوزانا لشخوص على غير حقيقتها، وتزوّر الواقع المصري عظيم الالتباس في اللحظة الراهنة، وتقفز فوق التناقضات والاختناقات الملموسة، وتتحول لعزف إضافي على لحن الركود السائد، وتميت السياسة بأكثر مما شبعت موتا، فليست السياسة بعدد الأحزاب، وفي مصر اليوم أكثر من مئة تصريح لحزب، لكنها في الغالب، ليست سوى شواهد قبور، وبعضها الذي يروج له عن عمد وبفظاظة جهولة، ليس أكثر من توكيلات تجارية يديرها «اللهو الخفي»، ومكاتب لتأجير مرشحين في مواسم الانتخابات، أو أداء مسرحيات هزلية، لا يقبل عليها الجمهور، حتى لو كانت التذاكر مدفوعة الثمن مقدما من الممثلين والمخرجين وكتاب سيناريوهات الكواليس.
وقد لا تحتمل ظروف مصر الراهنة مزيدا من العبث، ولا الولع بالمكايدات بين فريق الإنجازات وفريق الإخفاقات، فالحلال بين وكذلك الحرام، وضوء الشمس لا تحجبه الأصابع، وفي صورة مصر الآن إنجازات عينية، من أول تعظيم قوة الجيش، إلى الشروع في مشروع الضبعة النووي، إلى مئات المشاريع الإنشائية، في سلاسل المدن الجديدة، وفي شبكة طرق غير مسبوقة، وفي محطات طاقة كهربائية ومحطات مياه وصرف صحي، وكلها ـ مع غيرها ـ تتم غالبا بإشراف إدارات الجيش المعنية، ويعمل بها ما قد يزيد على المليوني مهندس وفني وعامل مدني، وتوفر فرص عمل موقوتة في ورشة هائلة، تهتم بالبنية الأساسية، ولا تقترب بما فيه الكفاية من أولوية التصنيع الشامل للبلد، وهو وحده الكفيل بتوفير الملايين من فرص العمل الدائمة المنتجة، ومضاعفة طاقات الاكتفاء والتصدير، اللهم إلا في مبادرات جانبية منظورة لمصانع الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، وفي خطط جارية لإنشاء مناطق صناعية، وفي برنامج إصلاح لم يتم لمصانع قطاع الأعمال العام، وفي إطلاق يد الرقابة الإدارية لخوض معارك متفرقة ضد شبكات الفساد المتفشي.
وإلى هنا يتوقف حديث الإنجازات، التي قد يستساغ الترويج لها بغير تزيد ولا فجاجات، وبدون تنكر أو إنكار لاختناقات مؤلمة في الصورة المصرية نفسها، وعلى نحو ما انتهى إليه ما تسميه الحكومة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي لم تكتمل فصوله إلى الآن، ولا تزال مرارته جاثمة ومقبلة على أغلبية المصريين، وبالذات في خطط إلغاء دعم البنزين، والارتفاع الفلكي المتصل في أسعار ورسوم الخدمات العامة، وإشعال فواتير الكهرباء والمياه وتذاكر المترو ووسائل النقل العام، وهو ما لا تنكره الحكومة، بل تعد بالمزيد منه تنفيذا للروشتة المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، وعلى جرعات متوالية ممتدة إلى عام 2022، أي إلى نهاية الفترة الثانية المرجحة لحكم الرئيس السيسي، لا يقال فيها لغالبية المصريين، سوى عبارة «اصبروا وتحملوا»، وقد نفد صبر المصريين أو كاد، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولم يعد بوسع المصريين مزيدا من التحمل، فالذين يجدون فرص عمل، وهم الفرقة التي تفترض نجاتها، لا يجاوز متوسط أجورهم عشر متوسط الأجر العالمي، وقد نزلت الأجور الهزيلة إلى نصف قيمتها الفعلية بعد تعويم وهلاك الجنيه، ويطلب من أصحابها تحمل أسعار السلع والخدمات بالمتوسط العالمي، فما بالك بالذين لا يعملون أصلا، وفي مصر بطالة متضخمة، قد تمتص المشروعات الإنشائية بعضها، وعلى نحو مؤقت عابر، بينما تبقى أغلبية الأيدي العاملة في حكم البطالة الصريحة أو المقنعة، خاصة مع إغلاق وتوقف آلاف المصانع، وبطء ورمزية إضافات التصنيع الجديدة، وهو وضع أكبر من كارثي، تتفشى فيه الجريمة والبلطجة الاجتماعية الخطرة، وينذر بغضب أعمى كاسح، فليس قبل حق الحياة حق، وليس بعد طلوع الروح روح، وغالب المصريين بطبقاتهم الدنيا والوسطى ينزلقون جماعيا إلى هوة الفقر، ويعجزون في إطراد عن مواصلة بطولة البقاء على قيد الحياة، ولا يعدهم أحد سوى بفوائض العذاب في السنوات المقبلة بالذات، والمزيد من دفع كتلهم الغالبة لمصائر الاحتراق في أفران الغلاء المتوحش المصنوع، وفي سياق أوضاع ظالمة اجتماعيا بشدة، تحوز فيها أقلية المصريين على ما يقارب ثلاثة أرباع الثروة العامة، فطبقة الواحد في المئة على القمة، تحتكر ما يقارب نصف إجمالي الثروة المصرية، وتسعة في المئة آخرون يحوزون ربع الثروة، ولا يتبقى لتسعين مليون مصري سوى فتات ربع الثروة الباقي، وتلك خرائط جحيم اجتماعي فادح العواقب.
ونتصور أن الاختناق الاجتماعي المفزع، وعواقبه المدمرة، قد يصح أن يكون النقطة رقم واحد على مائدة أي مؤتمر جاد للحوار الوطني، هذا إن كنا حقا نريد ضمان أمن البلد، وحفظ استقرار مصر وتماسك شعبها، فالإرهاب المسلح له آخر، وهو مهزوم حتما، لكن الإرهاب الاجتماعي، وهذا التفاوت المذهل في توزيع الثروات، المتراكم عبر أربعة عقود وتزيد من الظلم الاجتماعي، ونهب البلد بالجملة والقطعة، هذا الإرهاب، هو الأخطر على مستقبل مصر، ونحن لا ننبه إليه على سبيل النكاية بأحد، بل ننبه إليه بدواعي المصلحة الوطنية العامة، فالناس لا يتوحدون حقا بغير ضمان العدل، وما من عدل منظور في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، التي لا تعطي الأولوية الكافية لتصفية امبرطورية الفساد المتحكمة، وتكتفي بغارات متقطعة هنا أو هناك على أسماك الفساد الصغيرة، وتفتح طريق المصالحات مع الفاسدين الحيتان، وتقيم لهم مهرجانات التكريم بتعديلات عبثية في التشريعات، تمنحهم حق الاحتفاظ بغالب ما نهبوه، ودفع الفتات على سبيل التصالح، والتردد في تحصيل مقابل القليل مما جرى حصره رسميا من أراض وأصول منهوبة، تزيد قيمتها السوقية على إجمالي ديون مصر الداخلية والخارجية مجتمعة، وهو ما يزيد دواعي الاحتقان الاجتماعي، ويفاقم محنة غالبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، الذين يدفعون وحدهم فواتير الاقتصاد المنهك، وديونه الخارجية التي تقترب من حاجز الثمانين مليار دولار، ومرشحة للتفاقم أكثر مع سياسة التنمية بالاستدانة، بينما يعفي الذين نهبوا البلد من تحمل أي أعباء، وتزال من طريقهم أي تشريعات فيها شبهة عدالة، وعلى طريقة تجميد ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة، ثم إلغاء الضريبة الاجتماعية، وخفض ضرائب الحد الأقصى للدخل، ورفض الحكم تطبيق نظام الضرائب التصاعدية، المعمول به في كل رأسماليات الدنيا.
فسياسة الحكومة الثابتة، هي رفض المساس بمصالح الأغنياء والنهابين، وبدعوى تشجيع الاستثمار الذي لا يأتي وهي قصة قديمة جديدة، تنتهي فصولها في العادة إلى «تمكين الاستحمار» لا تشجيع الاستثمار، ونزح موارد وأصول البلد، وعلى طريقة «الخصخصة» التي تنتهي عندنا دائما إلى «مصمصة»، ويراد استئنافها الآن تلبية لشروط صندوق النقد الدولي، وبيع ما تبقى من شركات بترول وبنوك ومحطات كهرباء، أي نزح ما تبقى من موارد البلد سدادا لديونه، ثم العودة للتجبر الدوري على الفقراء والطبقات الوسطى، وطلب موارد إضافية من ذوي الجيوب الخاوية، وهي عملية مهلكة بالتأكيد، ووصفة سهلة للجحيم بعينه.
نعم، الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية هي جوهر الاختناق المصري الآن، وهي الأولى بالحوار على جدول أعمال مؤتمر وطني جامع، ندعو إليه قبل فوات الأوان المناسب، فمصر بلد منهك بما يكفي، ولا تحتمل المزيد من العذاب، وإضاعة الفرص، والبيئة المحيطة بمصر شديدة الخطر، والخطر من داخل مصر، قد يفوق الخطر المقبل إليها من خارجها، واللحظة لا تحتمل عنادا ولا انفرادا بالرأي، وما من بديل آمن، سوى بتفكيك الاحتقان الاجتماعي المصنوع بسياسات ظالمة متحيزة، وفتح الطريق لتفكيك الاحتقان السياسي، بحسب تصور وطني مسؤول، يضع خطا فاصلا بين الإرهاب والسياسة، لا يتردد بالقطع في تجريم وإدانة الإرهاب وأدواته وجماعاته التي لا يصح حوار معها ولا تصالح، ولا يخاف في الوقت نفسه من حيوية السياسة، فمصر بلد كبير، ومجتمع هائل، لا يصح أن تبدو كمقبرة صامتة، توضع عليها زهور زينة اصطناعية، ولا أن ينطق عنها صوت منفرد، ففي مصر تيارات فكرية وسياسية وآلاف مؤلفة من الخبراء، ولا بديل عن إطلاق حريات التعبير والحركة، ورد الاعتبار للسياسة المحجوبة، وإطلاق سراح الحيوية الكامنة المحتجزة، وإخلاء سبيل كافة المحتجزين بالسجون لغير أسباب التورط المباشر في جرائم العنف والإرهاب، وبقانون عفو عام تبادر إليه الرئاسة، وإدارة حوار وطنى على قاعدة الالتزام بالدستور أولا، وقد أحسن الرئيس السيسي صنعا، وهو يؤكد نيته الالتزام بالدستور في ما يخص مدد الرئاسة، وهو ما قد يشجع على الدعوة لمؤتمر حوار وطني شامل، يكون الالتزام بتطبيق شامل للدستور عنوانه الأبرز.
كاتب مصري

الحوار هو الحل

عبد الحليم قنديل

- -

5 تعليقات

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    …… ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر
    كل مفاصل الدولة بمصر بيد فرعونها السيسي, ولهذا يجب توجيه النقد إليه مباشرة
    وكل ضباط الجيش المصري فشلوا بدخول الجامعات وها هم يفشلون بحكم دولة مصر
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. حوار الطرشان إن شاء الله. الكاتب يريد تغطية الشمس بغربال إذ أنه منذ ثلاث سنين يدعوا للحوار بشكل خجول وتبييض السجون ومازال يدور في حلقة مفرغة ومع كل ذلك لا يريد إلقاء اللوم بالفساد وكل البلاوي التي تعيشها مصر على السيسي. …

  3. نفس القصة يكررها الاستاذ كاتب المقال كل اسبوع !
    .
    محاولات مستميتة لابراز مشاريع “ثبت ان اغلبها ما بين وهمي و ما بين مجرد على الورق ، او في احسن الاحوال ليس في زمانه و لا مكانه حتى !!! و نسبة ذلك الى الرئيس ” الفذ” و لم يشاهد من منجزاته الحقيقية سوى بناء المزيد من السجون لاستيعاب الالاف من السجناء
    معظمهم من سجناء السياسة و المعارضة و الرأي ! حتى صار عدد السجون في مصر اكثر من جامعتها ، و ياشماتة ابلة طازة !

    مقابل ذلك يظهر المقال ، السلبيات و يحاول نسبتها الى الحكومة الهلامية ، والى الاحزاب الطفيلية و الى اللهو الخفي ، و الى الجماعات الخارجة عن القانون و الى و الى ….
    .
    نفس الموال منذ يونيو 2013 المشؤوم ، و لا جديد ! سوى ان الوضع اسوء بمراحل لا تقارن مع ايام مبارك ، الذي كان الاستاذ صاحب المقال المعارض الاشرس له ، والجميع يعرف ما حصل له للأسف بسبب ذلك ، و كنا و غيرنا الكثير من اكثر المتعاطفين و الداعمين له ، و استمر يعارض بنفس الشراسة رغم ما تعرض له و كان من وجوه ثورة يناير البارزة ، السؤال اليوم ، و بعد كل هذا الخراب الاسوء ، بات الاستاذ الدكتور قنديل يحاول التماس الاعذار دوماً لرأس النظام و زبانيته و حاشيته ، و يعارض بشكل مخفف جداً ، علماً ان الرأس هو من نفس النظام بل اسوء ، و الدولة هي نفس الدولة العميقة بل اسوء ، و من يحرك الأمور و يهيمن عليها ، هو نفس المجلس العسكري لا غيره ، ايام مبارك ، فهل يعقل ان الاستاذ قنديل كانت معارضته للشخص و ليس للنظام ؟!
    .
    إن كان الأمر كذلك ، فمبارك افضل كشخص و كسياسي و كخبرة من السيسي او دعنا نقول اقل سوءاً بكثير ، و النظام و الدولة العميقة اليوم اسوء بكثير من ايام مبارك ، فلم التماس الاعذار المستمر هذا ؟!
    .
    اخيراً ، ان كان الحوار هو الحل ، فإن اسوء من يحاور و لا يمتلك مفاتحه و لا آلياته و لا قدراته هو السيسي نفسه يا سادة !
    فعن اي حوار نتحدث اذاً ؟!

  4. مشاهد الإخفاقات عند صاحبك لا يمكن حصرها فضلاً عن عدها فهى تتوالى وتتراكم ، وتتعاظم وتتفاقكم ، وتتخطى فى مجملها حاجز العباطة لتصل لحدود الخيانة ، وحتى ما تعده ـ بزعمك ـ تحت بند الإنجازات هو فى جوهره قمة الإخفاقات ، فكيف لمؤسسة عسكرية لا تفكر فى الدفاع عن ورود المياه المزمع حبسها بإيعاذ ممن توسمه بنعت الرئيس المنجز ؟ ناهيك عن تنسيقه المذهل مع الدولة العبرية وانحداره من قاده عظام من عينة الشاذلى والجمسى إلى صائدى أسماك …وأنىّ لمؤسسات هى رمز للترهل ومثالية فى الفشل تدير محطة نووية ؟! ناهيك عن سعرها العالى الفاجع الفاقع والتى رفضها مبارك الذى نال منك بمبلغ 3 مليار دولار ويقبلها بلحة بمبلغ 25 مليار دولار ؟ …أما عن الإخفاقات التى ذكرتها فى الجزء الثانى من مقالك فهى غيض من فيض وقطرة من سيل من الفشل والجهل والعداء المطلق لجموع الشعب المصرى

  5. اسمحلي سيدي ان ابدي ملاحضتي على مقالك الذي اقيمه ب 3 على 10 فداءما تلف وتدور على المشكل وتلاطف وتهادن السلطة قبل 2011 كنت لما اقرء لك مقالا او اشاهدك في برنامج على احدى الفضاءيات كنت حتما اتوقف فاكيد كنت معجبا بتحليلك للواقع المصري/العربي
    لكن الان فليس لمصر الطاقة على تحمل المزيد من الوقت و الجهد والطاقة لمراوغات «المثقفين» على اساس ان زيادة الأسعار وحتمية نجاح السيسي لولاية ثانية رغم كل الذي مر بمصر ابتداءا برابعة و الاختفاء القسري و قتل الطفال في سيناء كما شاهدنا على قناة الشرق و مكملسن اوع تقولي ان القنوات اخوانية لكن الدم مصري وسيطرة مجموعة من اللواءت الجهلة على كل محافضات فإما أن تكتب الحقيقة وتبدا بالاعتذار للشعب على انقلاب على الشرعية مثل كتير من المثقفين او اجزلك مكان جنب احمد موسى وحساسين و ناس دول شخصيا اجد اختلافا بسيطا بينك وبسنهم اضنك تمتلك اسلوبا متمرسا على الكتابة الصحافية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left