شبح مرعب لحرب كونية ثالثة

د. سعيد الشهابي

Nov 20, 2017

ربما كانت السنوات الخمس التي اعقبت ضرب ثورات الربيع العربي من أسوأ حقب التاريخ المعاصر على العالم العربي. فقد أنشبت الطائفية سهامها في الجسد المتهالك لهذه الامة، وأمعنت فيه إيذاء حتى اعتقد البعض ان كافة منافذ الخروج من الازمة قد اغلقت تماما. ولكن ما تشهده المنطقة منذ عامين قد يفوق ما حدث. هذه المرة لم يعد التهديد محصورا بظاهرة الإرهاب التي استنفدت مبررات وجودها واصبحت على وشك الانقراض، بل اصبحت الامة تواجه شبح الحرب الشاملة التي قد تؤدي لحرب عالمية ثالثة. وفي هذا الخضم اصبح واضحا ان العالم يفتقد القيادة المسؤولة القادرة على احتواء الازمات ومنع نشوب الحروب. وهنا يمكن تسجيل نقاط ثلاث:
الاولى ان ظهور نظام عالمي أحادي القطبية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في 1990 وانتهاء الحرب الباردة ساهم بشكل تدريجي في اضعاف الامم المتحدة وتحجيم دورها. فلم تعد هذه المنظمة موجودة الا بالاسم، لأن أمريكا تصدرت المشهد العالمي واصبحت هي الآمرة والناهية، وتشن الحروب بدون تفويض دولي. وربما كان اضعاف المنظمة الدولية امرا عاديا بدون تبعات دولية على صعيدي السلم والحرب، لو ان الولايات المتحدة احتفظت بموقعها الدولي القوي ومارست دورا قياديا فاعلا. ولكن جاءت حوادث 11 أيلول/سبتمبر الإرهابية لتحجم دور الولايات المتحدة وتظهر الخطر الناجم عن ظهور عالم أحادي القبطبية. ومع وصول الرئيس الحالي إلى البيت الابيض اصبح العالم يفتقد القيادة التي تتسم بشيء من الحكمة.
فلا الولايات المتحدة قادرة على توفير ذلك الدور ولا الامم المتحدة تملك القوة لأدائه. فحين يصبح الرئيس الأمريكي معنيا بالرد على كل تغريدة تذكره ويدخل في مهاترات حتى مع زوجة جندي أمريكي قتل في افريقيا لأنها انتقدت اسلوب تواصله معها، فهذا يعني غيابا حقيقيا للدور القيادي للولايات المتحدة.
عندما برزت ظاهرة الإرهاب قبل عقدين كان التردد هو السمة الاوضح في السياسة الأمريكية ازاءها. فلو كانت أمريكا قوية لاتخذت قرار التصدي لها. ولا بد من الاعتراف بان الاعلان الأمريكي على لسان الرئيس جورج بوش الابن بعد حوادث 11 سبتمبر مشروع «الحرب ضد الإرهاب» عنوان ايجابي يعكس قدرا من ممارسة القيادة، ولكن الاداء لم يكن بمستوى الاعلان. فبرغم ذلك الاعلان الا ان الاعتبارات الاقتصادية والسياسية الاخرى التي تشبث بها البيت الابيض حالت دون خوض حرب فاعلة، فتحولت تلك الحرب إلى عمليات محدودة وخجولة وانتقائية. وبشكل تدريجي تحولت إلى محاولات محصورة باستهداف ظواهر الإرهاب وليس التصدي لجذوره او استهداف مموليه. فالحقائق التي توفرت لدى الأمريكيين والتي بلغت ذروتها باصدار الكونغرس الأمريكي العام الماضي قانون «جاستا» كانت تكفي لتنظيم حرب شاملة تشل حركة الإرهاب، باقتلاع جذوره وتجفيف منابع تمويله والتصدي للانظمة التي تدعمه. ان فشل محاولات احتواء ظاهرة الإرهاب يعود لواحد من امرين: اما العجز الأمريكي من النواحي الاستخباراتية والعملياتية، او الرغبة في ابقاء الإرهاب من اجل تحقيق اهداف سياسية. ايا كان الامر فان تجربة خمسة عشر عاما من «الحرب على الإرهاب» ادت لتداعي الدور القيادي الأمريكي. هذا العجز احدث فراغا سعت دول إقليمية للقفز عليه لتحقيق اهدافها السياسية. وسيظل العالم يعاني من غياب القيادة الدولية، لمنع تفاقم الخلافات ونشوب المزيد من الحروب.
ان شن الاعمال العسكرية عبر الحدود خارج اطر الشرعية الدولية ظاهرة مقلقة جدا، تعيد إلى الاذهان الظروف التي سبقت نشوب الحربين العالميتين. ويزيد من هذا الخطر نزوع القوى الكبرى لاتخاذ المواقف الاحادية نظرا لغياب التوافق الداعم لسياساتها. ومن المؤكد ان غياب الدور القيادي للامم المتحدة يزيد من خطر نشوب المزيد من الصراعات المسلحة. وثمة مصاديق اخرى لغياب القيادة الدولية.
اولا: استمرار الحرب التي تقودها السعودية على اليمن، وعدم ظهور مؤشرات لوقفها. هذه الحرب التي مر على نشوبها اكثر من 30 شهرا اصبحت تتحدى الضمير الانساني وتكشف عجز عالم القرن الحادي والعشرين عن وقف مجاعة تهدد ثلاثين مليون انسان وامراض فتاكة اصابت اكثر من مليون منهم وحصدت ارواح آلاف اخرى. برغم ذلك لم يصدر عن الامم المتحدة او المجتمع الدولي دعوة لوقف فوري غير مشروط لاطلاق النار، والسبب ان «العالم الحر» اصبح محكوما برجل لا مكان في قاموسه للقيم الخيرة التي تبلورت بعد تجارب الحربين العالميتين.
ثانيا: يتجلى بصلف قوات الاحتلال الاسرائيلية التي استغلت الغياب القيادي المذكور، ونصبت نفسها قائدة للمنطقة بعد ان طبعت علاقاتها مع بعض الانظمة التي تحكم بلدان الشرق الاوسط. انها قوات احتلال غاشمة تواصل سياسات استبعاد سكان الارض الاصليين واستقدام الاجانب وتجنيسهم، كما تهدف لمد نفوذها السياسي بالتحالف مع الانظمة الاستبدادية التي تسعى للاستفادة من الخبرات الأمنية الاسرائيلية التي اكتسبتها على مدى سبعين عاما من الاحتلال في المواجهات التي لم تتوقف مع الشعب الفلسطيني. وفي غياب القيادة الدولية التي تعمل لتنفيذ القرارات الدولية الصادرة عن الامم المتحدة ومجلس الامن لانهاء الاحتلال، اصبحت الساحة مهيأة لرموز الاحتلال لممارسة البلطجة وتحريض الغرب على دول المنطقة.
ثالثا: يتجلى في التهديدات المتواصلة من المملكة العربية السعودية للجيران، فبعد اجتياح قواتها البحرين في 2011 واليمن في 2015 استمر التهديد ضد دولة قطر ولبنان كذلك. واخيرا وجهت تهديدات للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي تهديدات ليست جديدة بل انطلقت منذ انتصار ثورة إيران الإسلامية في 1979، فكان هناك دعم للحرب التي انطلقت في سبتمبر 1980 واستمرت ثمانية اعوام، وتم تأسيس مجلس التعاون الخليجي بعد ذلك ببضعة شهور (فبراير 1981). وكان واضحا وجود اجندتين مختلفتين لدى البلدين اوصل الامور إلى حد التصادم خلال مواسم الحج في الثمانينات وبلغ ذروته في 1987 عندما قتل اكثر من 400 من الحجاج الإيرانيين في شوارع مكة خلال مسيرة «البراءة من المشركين» التي اعتاد الجانب الإيراني تنظيمها خلال مواسم الحج السابقة. مع ذلك تقارب البلدان في فترات متقطعة، اهمها في القمة الإسلامية التي عقدت بطهران في 1997 بحضور الامير عبد الله بن عبد العزيز الذي اصبح ملكا لاحقا. اليوم يتصاعد التوتر بين البلدين بشكل مرعب.
رابعا: ثمة تحالف غير معلن بدأ يتبلور في المنطقة على غير ما يأمل السعوديون. فقد حدث تقارب غير متوقع في العام الاخير، بين كل من تركيا وإيران وروسيا، لاسباب تتعلق بالوضع في سوريا وكذلك في تركيا. فقد كان للمحاولة الانقلابية في تركيا العام الماضي آثار سلبية على معنويات الاتراك الذين هرعوا لمد الجسور مع الجيران، بعد ان رأوا اصابع أمريكية وخليجية وراء المحاولة الانقلابية، الامر الذي أغضبهم ودفعهم للبحث في خيارات موازية. كما ان التطورات في سوريا أظهرت واقعا جديدا من معالمه ضرورة التفاهم مع الجيران لمنع ظهور حالة تمزق في الامة تبدأ بمشروع انفصالي لدولة الكردية. واتضحت كذلك ضرورة احتواء ظاهرة الإرهاب التي جسدتها داعش، لكي لا تتوسع في تركيا وتهدد امنها. وقد لاحظت الدول الثلاث ان التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة ليس جادا في التصدي لداعش او القضاء الكامل على الإرهاب.
سيظل غياب القيادة الدولية مصدر قلق واضطراب دوليين، بل مؤشرا لاحتمال نشوب نزاعات مسلحة تفوق ما يجري في اليمن، وقد تؤدي لحرب عالمية ثالثة بعد التحالف الثلاثي المتلهف للتوسع بين أمريكا والسعودية و»اسرائيل». انه شبح مرعب يقتضي العمل الدولي بمشاركة اوروبا لابعاده قبل حلول الكارثة.

٭ كاتب بحريني

شبح مرعب لحرب كونية ثالثة

د. سعيد الشهابي

- -

2 تعليقات

  1. السيد الكاتب المحترم

    غالباً أنت تضع عنواناً لما تكتب ، ثم دوماً تكيف المحتوى لإنتقاد السعودية
    لا بأس بذلك ، و لكن بالله عليك كن منصفاً!
    لماذا لا تذكر مسؤولية إيران ، و هي تشترك في ذلك مع القيادة العراقية ، في إشعال الحرب العراقية الإيرانية و إستمرارها لثماني سنوات عجاف ، من خلال التصريحات الحمقاء لمسؤوليها و قصفالأراضي العراقية ، بل أن أول طيارٍ إيراني أُسقطت طائرته قبل ٢٢ أيلول ١٩٨٠ .
    مسؤولية حرب الثماني سنوات تقع على عاتق قيادتي البلدين . أمّا دول الخليج فما كان أمامها من خيار إلا دعم العراق معنوياً و من خلال إقراضه الأموال ….و ماذا كان متوقعاً أن تفعل و القيادة الإيرانية بفوضويتها تنادي بتصدير ما يدعى الثورة الإسلامية .
    السيد الكاتب : كما ذكرت الطائفية أخرجت أثقالها ، و الطرفين مسؤولين في ذلك ، و يرجى من المتنورين العمل على دفنها ، و المساهمة في تعزيز دولة المواطنة و حكم القانون .
    كلا الطرفين ، القيادة الإيرانية و السعودية يلعبان بالنار ….و مع شديد الأسف ضحايا هذا اللعب هم الملايين من الأبرياء كمارأينا في العراق و سوريا و اليمن و أفغانستان و باكستان …..فكفى رجاءً ، فقد طفح الكيل

  2. تحليل د.سعيد الشهابي
    صراحه درر الله يكثر من امثاله رجل عروبي من الطراز الاول
    لم يخضع للبترو دولار
    كما الذي خضعو وتخلو عن مبادئهم الذي كأنو عليها
    انكشفو وكنا في السابق نعتبرهم اقلام حره ولاكن
    كثير من الكتاب العرب باعو ظمائرهم بلفلوس
    والتاريخ لا يرحم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left