الخسارة الخامسة للعربية السعودية

د. حسين مجدوبي

Nov 21, 2017

تحولت المملكة العربية السعودية إلى دولة تشير إليها أصابع السياسية الدولية بأنها مصدر تهديد استقرار منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي من المحيط إلى الخليج، وبدأت تصدر ردود فعل من قادة العالم، سواء من الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة وحتى العالم العربي، وإن كان بشكل محتشم بالنسبة للعرب. وخلال الثلاث سنوات الأخيرة، تزعمت العربية السعودية نزاعات في منطقة الشرق الأوسط، التي تقلق المنتظم الدولي بشكل كبير للغاية، ومنها:
- الحرب ضد بلد فقير الموارد وغني بعزة النفس وهو اليمن، فهذا البلد يعيش الآن وضعا إنسانيا ترفضه كل القيم الروحية والمادية، ورغم قوة البطش العسكري لم يتنازل ولم يستسلم.
- محاولة تجييش المنتظم الدولي لإبطال الاتفاق النووي الإيراني مع القوى الكبرى، وهو الاتفاق الذي باركه العالم، لأنه جنّب الشرق الأوسط حربا خطيرة، قد تتخذ طابع الحرب العالمية الثالثة إذا خرجت من نطاق السيطرة.
- فرض حصار سياسي واقتصادي على دولة قطر، شريك الماضي في حرب اليمن، بحجة تمويل الإرهاب، وخرق سياسة مجلس التعاون الخليجي، ووصل الأمر إلى حد محاولة تغيير النظام والتهديد بغزو هذا البلد الصغير.
- احتجاز رئيس حكومة لبنان سعد الحريري، ضد كل القوانين والأعراف الدولية المعمول بها في مجال تبادل الزيارات الدبلوماسية، وهناك إجماع على أن الهدف هو ضرب استقرار لبنان وتشجيع إسرائيل على ضرب حزب الله.
وتبقى المفارقة المثيرة من زاوية جيوستراتيجية محضة، هو تزعم المملكة العربية السعودية لكل هذه النزاعات في وقت تفتقد للقوة اللازمة للدفاع عن أمنها القومي، أمام قوة إقليمية مثل إيران، وحاجة الرياض إلى الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لتضمن أمنها أمام إيران. كما تنطلق العربية السعودية من معطيات قديمة، وهي أهمية النفط في العالم، ويعتقد ولي العهد محمد بن سلمان في استمرار صلاحية استراتيجية الملك فيصل، عندما قطع النفط عن الغرب في السبعينيات، والاعتماد على هذا المعطي في ظل فقدان البترول أهميته بسبب تنوع مصادر الطاقة، وبسبب ارتفاع الدول المصدرة للنفط، يؤدي الى كوارث سياسية للرياض في علاقاتها الدولية. ومن أبرز عناوين هذه التحول ما صدر عن وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل، الأسبوع الماضي، بأن «المانيا ترفض روح المغامرة السعودية، نرفضها ولن نسكت عنها». موقف عميد الدبلوماسية الألمانية هو موقف وسط الاتحاد الأوروبي. ونقل كاتب هذه السطور في مقال له في جريدة «القدس العربي» يوما واحدا قبل التصريحات عن مصادر أوروبية رفيعة المستوى ما يلي «إذا فشلت هذه المساعي (فك احتجاز الحريري)، فقد تجد السعودية نفسها أمام رد فعل قوي لدول الاتحاد الأوروبي، حيث لم تنفع سياسة توظيف الصفقات التجارية الضخمة لشراء صمت الأوروبيين». وفي تصريح آخر  للمصادر نفسها «دولة من حجم روسيا بقوتها العسكرية والاقتصادية تتعرض لعقوبات أوروبية وانتقادات قوية، ولا نعتقد أن السعودية في قوة روسيا، ولهذا يجب عدم خرقها لخطوط حمر في العلاقات الدولية، حتى لا تجد نفسها كدولة غير مسؤولة».
لم تقدر السعودية جيدا ردود فعل أوروبا، سواء العلنية منها أو السرية، التي يتم تصريفها عبر قنوات غير معلنة، مثل الاجتماعات بين وفود استخباراتية للطرفين، هذه الاجتماعات التي تكون أحيانا أكثر أهمية من الاجتماعات على  أعلى مستوى مسؤولي البلدين، مثل الرؤساء والملوك ورؤساء الحكومات. وما غاب عن العربية السعودية هو ما يلي:
ـ دول الاتحاد الأوروبي لم تتردد في مواجهة حليف رئيسي وهو الحليف التركي، فقد اتخذت مواقف صارمة تجاه سياسة طيب رجب أردوغان بعد محاولة الانقلاب الأخير، وتزعمت هذه السياسة الصارمة ألمانيا التي تعتبر الشريك الاقتصادي والسياسي الرئيسي لتركيا.
ـ دول الاتحاد الأوروبي لم تتردد في مواجهة سياسة روسيا، فقد فرضت عليها عقوبات اقتصادية وسياسية بعد أزمة القرم، ولم تتراجع عن مواقفها، رغم الشبح العسكري الروسي في البلطيق، وعلى حدود أوروبا الشرقية وتوظيف موسكو للغاز الذي لا غنى للأوروبيين عن استيراده.
ـ دول الاتحاد الأوروبي لم توافق على سياسة الولايات المتحدة في الملف الإيراني، إذ تستمر في اعتبار الاتفاق الإيراني – السداسي حلا للمشروع النووي لطهران، فهو يتفهم مطالب هذا البلد في الطاقة النووية السلمية المدنية، كما يشكل نموذجا لأي اتفاق مستقبلا مع قوى أخرى تطمح إلى الطاقة النووية المدنية وليس الحربية.
التجربة أبانت كيف تخلصت الولايات المتحدة من الاعتماد على استيراد النفط السعودي، فهي الآن تعتمد على نفسها، بل تصدره، بينما من يستغل النفط السعودي هو الشركات الأمريكية التي يحميها قانون الاستثمار الدولي. لو كانت الولايات المتحدة ما زالت تعتمد على النفط السعودي لما رأينا قانون جاستا، أي محاكمة الدول الراعية للإرهاب بسبب تفجيرات 11 سبتمبر، وهو القانون الذي أصبح بمثابة سيف دومقليس على رأس القيادة السياسية والمالية في الرياض. ويوجد انقسام وسط دول الاتحاد الأوروبي بشأن التعامل مع السعودية، فهناك مجموعة دول جنوب أوروبا، ومعها فرنسا، التي ترغب في التعامل الهادئ مع أخطاء الرياض ومحاولة توجيهها نحو دبلوماسية عقلانية بعيدا عن المغامرات، وهناك تيار أوروبا الشمالية وتتزعمه المانيا، الذي لا يريد التنازل نهائيا أمام ما يعتبره «صبيانيات الرياض في العلاقات الدولية».
 لقد خسرت السعودية حرب اليمن، وأزمة قطر والملف النووي الإيراني والآن أزمة الحريري، وأخيرا وربما ليس بالأخير خسرت إجماع الأوروبيين السابق، وهي الخسارة الخامسة في ظرف وجيز.
 كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

الخسارة الخامسة للعربية السعودية

د. حسين مجدوبي

- -

11 تعليقات

  1. آل سعود سلموا أنفسهم وبلدهم لشخص متهور لا يَتوقع منه المرء غير المفاجئآت !
    السؤال هو : إلى متى هذا التمادي بالعداوات ؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. مقال أكثر من رائع. لقد أصبت عين الحقيقة !
    فهل يا ترى ستأخد العربية السعودية العبرة وتتعظ ثم تتراجع عن غيها أو تخفف من غلواءها قبل فوات الأوان !؟
    وحسبنا الله ونعم الوكيل !

  3. وهل كانت يوما ما كاسبه ؟ منذ ان تأسست على يد الانجليز كانت خاسره مثلها مثل اسرائيل كلاهما بنيا على قاعدة كذب وخداع
    الدين عنوان وعبائه يلبسونها والمكر والخداع هو دينهم الحقيقى

  4. السعودية فسطاط العرب اليوم في ظل غيبوبة مصر و العراق و سوريا فلا يعقل أن يقطع امزؤ آخر عرق نابضَ في يده إلاّ أن يكون مجنونا.

  5. مقاله رائعه- الخساره الخامسه ؟ السعوديه خسرت حتى اقر حلفائها في الماضي الدول السباعيه
    الاردن المغرب الصومال جيبوتي جزر القمر الجزائر
    سيخسرون حتما في النهايه

  6. ننتظر من الكاتب استمرار رصد أخطاء العربية السعودية، بدون شك سيكون هناك خطئ سادس أما السابع فسيكون قاتلا ونهاية ىل سعود لأنه لا نعتقد أن العربية السعودية لديها سبعة أرواح أكثر من القط.

  7. السعودية تخوض حروب ضد العرب والمسلمين ,ولايهمها الخسارة ,لان المقصود في الاجندة الصهيو امريكية هو خلق وضع الفوضى الخلاقة ,حتى يزج بالشعوب العربية والاسلامية في نفق يصعب الخروج منه .وحال سوريا و وليبيا و اليمن احسن دليل على ذالك ,هذا اليوم,ولقد سبقهم لهذه الفوضى الشعب الافغاني والشعب العراقي ,والشعب السوداني وكادوا ان يفعلوا ذالك بالشعب الجزائري والجزائر,الا ان الله بقدرته ,حال دون ذالك .فالسعودية لاتبخل على الصهيو امريكية بعطاياها وهذا غيض من فيض ماخرا فقط 400مليار دولار لترامب ومليارات الدولارات شراء اسلحة كل سنة من مصانع الصهاينة لاستعمالها في تدمير العرب والمسلمين الذين لايزالون عرات حفات لايشبعون القوة.زيادة على ذالك تقوم السعودية بنشر الفتنة بينهم والتفرقة ,بالتكفير الديني ونشر الطائفية …هذا ما تجود به السعودية واخواتها على العرب والمسلمين اما غير ذالك من مليارات الدولارات فوجهتها رفاهية الصهيونية وتقوية مؤسساتها وحروبها ضدنا كشعوب واوطان .اما فلسطين المحتلة ,فمبروك على الصهاينة .

  8. الخسارة السادسة و القاضية هي التطبيع مع الكيان الاسرائيلي او بمعنى آخر الاصطفاف مع المجرمين المغتصبين و التنازل عن مبادئ الحق و العدل و الشرف فتفقد احترامها و مكانتها و دورها وهو بالضبط ما حدث لمصر بعد التطبيع.

  9. لا يا سيد حسين ما هكذا تورد الإبل. إيران تدعي أنها صاحبة القرار في سوريا و العراق و لبنان و حثى في شمال إيفريقيا و أنت لم تجد إلا إنتقاض ثورة السعودية على الوضع. إيران تسعى لمحاصرة السعودية من كل جانب من العراق و من البحرين و من سوريا و بعض أتباع حزب الله يقولون أنهم سوف يبيذوننا إلى آخر سني و يحتلون الكعبة (وكل هذا لم يأتي من فراغ) و أنت توجه سهامك إلى المملكة؟ كل الإنتقاضات التي تسمع هي من طرف بعض أذناب إيران و بعض من يحتكرون المشهد الإعلامي. أتفق معك أن حصار قطر خطأ فادح وحبس العلماء خطأ أكثر شرا، لكن لابد من إصلاحات في العائلة المالكة كان لابد من التفطن لمخططات إيران و مواجهتها منذ أربعين سنة مضت. لماذا لم يقم الأمراء المسؤولون ببناء قوة تنافس قوة إيران. للأسف هم يقاتلوننا بأبناءنا؟ لماذا لا نسمع إنتقاذ دور إيران في اليمن و تشجيعها للمليشيات للسطو على السلطة و الحكم بالحديد و النار. هل هناك عاقل يقبل مثل هكذا وضع؟ (من مغربي مقيم في كندا)

  10. مقال اكثر من رائع فيه رصد للكوارث التي تجلبها السعودية للعرب والمسلمين بسبب الطغيان والعنجهية والغطرسة التي تمارسها هذه العائلة وخصوصا بعد مجئ هذا الغر المتهور محمد بن سلمان والذي سيجلب مزيد من الويلات لشعوب المنطقة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left