عندما يكون الوطن هو الجحيم… شيرين عدو الشعب المصري… و«تبخير» أحلام مستغانمي على «فرانس 24»

راشد عيسى

Nov 21, 2017

ثلاث دقائق وخمس عشرة ثانية هي مدة مقابلة متلفزة على «سي أن أن»، هي واحدة من مقابلات رفعت الغطاء عما سمي بـ «مزادات العبيد» في ليبيا، الأمر الذي دفع بحكومة الوفاق الليبية لفتح تحقيق في الأمر، كما أدى إلى تظاهرات أمام السفارة الليبية في باريس احتجاجاً على أوضاع المهاجرين الأفارقة في ذلك البلد.
تختصر المقابلة القضية برمتها، فأثناء حديث الشاب النيجيري فكتوري (21 عاماً )، يمكن مشاهدة عشرات المحتجزين قيد الترحيل، وقد عرض بعضهم آثار التعذيب على أجسادهم، كما رأينا بعضهم يبكون أثناء صعودهم في باصات الترحيل. بدا فكتوري وكأنه صوتهم جميعاً.
حديث فكتوري كان في منتهى الروعة، من حيث التلخيص، وطريقة الروي، ولولا أنه بدا عفوياً ويتحدث من مكان الاحتجاز متوسطاً العشرات من أمثاله، لقلنا إنه يسرد نصاً معداً ومكتوباً سلفاً.
يروي فيكتوري قصة بيعه وتعذيبه، ويأتي بشواهد يؤكدها زملاؤه، يتحدث عن دفعه الفدية والهروب. ستكون ذروة حديثه، حيث تنتابه غصة في الحلق عندها، حين يقول «أنا عائد إلى وطني الآن»، يقولها كما لو أن الوطن معادل للجحيم، عبارة بمثابة صرخة تختصر عذابات الطريق، واجتياز الفيضانات والحواجز والحدود وسواها من متاعب. «عائد إلى وطني الآن، (بينما) صديقي الذي كان معي وبدأنا سوية أصبح في أوروبا الآن. هم يعملون، غالبيتهم تغيّرت حالهم، وأنا عليّ أن أبدأ من الصفر. الأمر مؤلم جداً. المشكلة الكبرى أنني سأبدأ من جديد. لقد خسرت الكثير. والدتي خسرت الكثير، لذلك الأمر صعب جداً».
بعدها سيقول الشاب هذه العبارة «قبل أن يرحّلوننا كان لدينا أحلام». ليست العبارة بذاتها غريبة، الغريب أن يلتفت إلى زملائه ليحصل على تأكيد أن لديهم حلماً «أليس كذلك؟»، يقول فيكتوري، ويتابع «لدينا حلم. هل تفهمني؟». كأن الحلم هو الدليل الأكيد على دحض العبودية، الحلم هو الدليل على إنسانيتهم. لم لا؟ ألم يقل محمود درويش «إن لم أجد حلماً لأحلمه، سأطلق طلقتي، وأموت مثل ذبابة زرقاء، وبلا شهية»!
لكن الأهم أن العبارة تحيل فوراً، ولا ندري إن كان الأمر بالمصادفة، إلى الخطاب الشهير لمارتن لوثر كنغ الأمريكي من أصل أفريقي المناهض للتمييز العنصري، وكان من فرط تكراره لعبارة «لدي حلم» أن سميّ الخطاب بهذا الاسم، وباتت مرجعاً لكثير من الأعمال الإبداعية.
«لديّ حلم». يقولها نيجيري في تقرير الـ «سي أن أن» فيقيم الدنيا. رائع أن تجد هذا الصرخة التاريخية شريط فيديو لائقاً بها. رائع أن يتقدم الإعلام الصفوف في معركة الحرية.

خطر شيرين

تحكي مسرحية «عدو الشعب» للنرويجي هنريك ابسن قصة طبيب اكتشف أن إحدى البحيرات العلاجية التي تدرّ دخلاً سياحياً في بلدته ملوثة، وقد تعرّض حياة الأهالي للخطر. سارع إلى الكشف والإعلان عن ذلك الأمر لأهل البلدة الذين ربطوا كل حياتهم بدخل البحيرة، ليفاجأ بتحالف الحكومة مع الإعلام ورأس المال الفاسد ضده، إلى حد وصفه باسم «عدو الشعب» معتبرين إياه خطراً على المجتمع، وليواجه حتى أفراد عائلته ضغط قوى المجتمع كلها.
اليوم فجأة تصبح المغنية المصرية شيرين عبدالوهاب، ولمجرد زلة لسان بخصوص أن الشرب من مياه النيل قد يأتي بالبلهارسيا، هي عدو الشعب المصري. ومع أن المغنية، في الفيديو المتداول، أطلقت دعابتها بخصوص بلهارسيا النيل، واستأنفت غناء «ما شربتش من نيلها»، التي تمجد النيل والحياة في مصر، لن تجد من يلتمس لها العذر. جرى تخوينها وإيقافها عن الغناء وربما تحميلها أزمة السياحة في البلاد.
قلة من تحدثوا عن أمراض وحيوانات نافقة في النهر، عن الجوع وما هو أخطر من البلهارسيا، لكن أحداً لن يسمع، بل إن شيرين نفسها ستسارع إلى إعلان الاعتذار عن زلة لسانها التاريخية. إعلان مشفوع بكل الحجج الدامغة التي تؤكد انتماءها لمصر، ترابها وشوارعها وناسها ونيلها.
كل ما يمكن أن يقال في مواجهة الصرخة الطفلة لشيرين قيل، إلا أن يذهب هؤلاء للشرب فعلاً من مياه النيل، نكاية بالبلهارسيا. هذا ما يأمل المشاهد أن يراه في فيديوهات مقبلة من ضفاف النيل العظيم.

مرض محترم

من بين مختلف التعليقات وردود الفعل على ما اعتُبر إساءة شيرين للنيل كان لافتاً تعليق الإعلامي المصري عمرو أديب الذي أدان كلامها من دون تردد، ناصحاً إياها بأن تنتقي من تجالسهم، وأن تتعلم كيف تتكلم، وماذا تقول، كما يفعل هو شخصياً، حسب قوله، إذ سيخضع قريباً لكورس من هذا القبيل، حيث يفيد ويستفيد!
الطريف في حديث أديب استياؤه من سخرية شيرين من مرض البلهارسيا! ذلك المرض المؤلم الذي أصاب المغني الراحل عبدالحليم حافظ! أي نعم، هكذا والله. يكفي أن يصاب عبدالحليم بالبلهارسيا حتى نعتبره مرضاً عظيماً لا يستحق السخرية. ولكن أين هي السخرية أساساً في حديث شيرين من من ذلك المرض؟ إنها تسخر من النيل يا رجل، هل هناك أفظع من ذلك؟!

مقابلة مستغانمي

مع مقابلة الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي لبرنامج «ضيف ومسيرة» الذي تعده وتقدمه الزميلة عزيزة نايت سي بها على قناة «فرانس24 « تشعر أنها استضافة مشروطة بأن تمضي الأمور من دون أسئلة مشاكسة. هكذا سارت الحلقة كما لو أنها تريد أن تبخّر وحسب للكاتبة النجمة، أن تطيّب لها وتحتفل بوجودها أكثر من أن تسائل أدبها ومسيرتها. ليس هناك دليل أوضح من الاستعراض الطويل في خلفية المقابلة لفيديوهات تظهر الجماهيرية الكبيرة لمستغانمي، والتفاف القراء، القارئات خصوصاً، حولها، لدى ظهورها في ندوات وأمسيات وتواقيع كتب.
إنه استعراض تاريخي وحسب لمحطات في تاريخ الأديبة الجزائرية من دون أسئلة عميقة تذكر. هل أقلّ من أن نسأل الكاتبة (أن نسأل بحق، لا أن نمر بشكل عابر) التي تزعم انشغالها بالكتابة السياسية، وبتاريخ الجزائر، وهموم الأمة، لماذا تجد في عناوين كتاباتها «السياسية» هذه الكلمات البارزة: الجسد، الحواس، سرير، يحظر بيعه للرجال، «الكتابة في لحظة عري»، والعنوان الأخير هو لكتاب صدر أوائل السبعينيات، وفي وقت يوحي الاسم بأنه كتابة عن العاطفة والجسد وحريته تقول مستغانمي إنه لم يكون سوى كتابة سياسية عن الخسارات وإنه انطباعات ويوميات مهداة لفدائي حقيقي. ألا يستحق الأمر الإلحاح على سؤال تسويق الكتابة بعناوين تجارية إلى هذا الحدّ! هذا على الأقل.

عندما يكون الوطن هو الجحيم… شيرين عدو الشعب المصري… و«تبخير» أحلام مستغانمي على «فرانس 24»

راشد عيسى

- -

1 COMMENT

  1. قراءة ممتعة لمقال متنوع بكل إسبوع
    شكراً يا أستاذ راشد, فأنت لا تكتفي بالخبر فقط ولكن تعلق عليه أيضاً
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left