لماذا انزعجت تونس من تقرير حماس؟

نزار بولحية

Nov 22, 2017

الوزير لا يدري. نعم هو لا يعرف، مثلما قال الجمعة الماضي في جلسة استماع بلجنة في البرلمان، إن حصل تنسيق أم لا بين سلطات بلاده وحركة حماس بخصوص تحقيق الاخيرة في اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري في ديسمبر الماضي، الذي اعلن عن نتائجه في اليوم السابق للجلسة.
لكن كل ما يعلمه بالمقابل هو أنه تلقى «تقريرا مفصلا من إحدى السفارات التونسية في المنطقة بخصوص نتائج التحقيق الذي نشرته حماس «فقام بإحالته إلى رئيس الحكومة ووزير الداخلية لدراسته، والتأكد مما اذا كانت الاستنتاجات التي قامت بها حماس، قد تم التوصل لها بالتنسيق مع الجهات الرسمية التونسية، أم لا؟ باعتبار أن العملية وقعت على التراب التونسي» على حد تأكيده.
ولأن المتحدث لم يكن رجلا من رجالات الصف الثاني، أو موظفا مكلفا بشؤون الأسرة أو بملفات البيئة والرياضة مثلا، بل وزيرا للشؤون الخارجية وواحدا من أبرز المقربين من أعلى هرم الدولة، فقد كان إقرار خميس الجهيناوي بأنه لا يعرف اكثر مما قد يعرفه اي شخص آخر، تابع الخميس الماضي وقائع المؤتمر الصحافي الذي عقده محمد نزال في العاصمة بيروت، لإعلان نتائج التقرير، غريبا وحتى صادما. هل حصل ذلك بشكل عفوي بسبب سوء تقدير جعل الوزير يلقي ملفا مهما في سلة بيروقراطية ما زالت تتحكم في مفاصل تونس؟ أم أنه فعل ذلك عن قصد ولغرض الايحاء بتجاهل الموضوع، لقناعته بضرورة استبقاء نوع من الازدراء المتعمد لمسألة يدرك أن التهرب منها بات أسهل طريقة لتجنب السقوط في فخاخها؟
قطعا لن يكون من السهل على احد أن يتصور أن يكون المسؤول الاول عن الدبلوماسية عاجزا عن تقديم جواب محدد، بشأن وجود تنسيق مع حماس في ملف يخص اغتيال مواطن تونسي على التراب التونسي من عدمه. غير أن محاولة الوزير أن يبتعد تماما وينأى بنفسه عن الموضوع، تعد في حد ذاتها جوابا رمزيا يكاد لا يخلو من دلالة. لقد فضل الجهيناوي أن يلجأ لمثل ذلك الأسلوب ويعتبر أن التلميح بأن لا اثر فعليا للخلاصات والاستنتاجات التي انتهى لها التقرير، سيكون مقنعا، ما دام لم يصدر عن المعنيين بالأمر، أي الجهات الرسمية التونسية إلى الان أي نتائج لتحقيقاتهم، ولم يثبت انهم تعاونوا أو تشاركوا مع حماس في التوصل لادانة الاسرائيليين، أو كانت لهم القناعة التامة في صحة ما قدمته الحركة من حجج وإثباتات على تورطهم بالجريمة. والأكثر من ذلك أن كلام الوزير كان شديد الوضوح في رسم ما يشبه القطيعة الصريحة بين تونس وحماس، حين أضاف في الجلسة ذاتها أن «الموضوع لا يهم وزارته لانه ذو طابع امني». وهو ما يعني بلغة اخرى أن لا مجال من حيث المبدأ لحصول اي تنسيق أو تعاون رسمي، إلا مع جهة رسمية مقابلة، أي دولة من الدول التي تصنف على انها شقيقة أو صديقة.
أما ما عدا ذلك فانه من غير الممكن أن يكون هناك اي شكل من اشكال التعاون أو تبادل المعلومات، خصوصا مع حركة تصنف امريكيا على انها حركة ارهابية، حتى ان كان الموضوع مرتبطا بشكل وثيق ومحدد بجريمة تم ارتكابها في حق مواطن تونسي وفوق الاراضي التونسية.
لكن المثير ايضا هو أن انكار الوزير كان مشوبا بقدر كبير من التذبذب والغموض، فهو وإن أقر بداية في جلسة الاستماع البرلمانية بأنه لا يدري إن كان هناك تنسيق مع حماس أم لا؟ فانه عاد ليقول بعدها بأن «الموضوع حساس من الجانب الدبلوماسي، وأن الخارجية ستتولى الموضوع وعندما تأتينا تقارير أمنية تونسية، مع إثبات وجود طرف دولي ضالع بالعملية، فإننا سنقوم بدورنا لحشد اكبر دعم دولي ممكن للدفاع عن مصالح بلادنا»، قبل أن يضيف أن «الاطراف الأجنبية التي قامت بالتحقيق (أي حماس) لم تقدم تقريرها بعد للجهات المختصة في تونس» وهذا ما يعكس حالة الحرج والانزعاج الواضح للسلطات التونسية من إقدام حماس على كشف تقريرها أمام وسائل الإعلام، في حين أنه كان الأولى والاجدى بنظرها أن لا يتم إعلان النتائج وأن يسلم التقرير بدلا من ذلك لتونس وتظل تفاصيله سرا مكتوما ومقبورا في ارشيفات الدولة.
لم يكن البحث والتفتيش عن دليل مادي يدين اسرائيل هو ما يعوز السلطات، وحتى الإدانة المجردة لها لم تكن غاية أو أولوية في حد ذاتها بقدر ما كان الهم الوحيد هو البحث في نتائج وتبعات أي موقف سياسي قد تأخذه على أمنها وسلامتها وتقدير تداعياته المحتملة على استقرار وتماسك النظام. ولاجل ذلك فإنها اعتبرت أن الظرف لا يسمح لها بخوض حرب كلامية أو إعلامية مع عدو يهرول عرب اخرون يفوقونها قوة ومالا ونفوذا إلى لقائه والتقرب منه، بشكل يكاد يكون علنيا. وعلى الرغم من أن التطورات الاخيرة قد زادت على الأرجح في تمسكها بذلك الخيار، إلا أن موقفها كان منذ البداية يسير في الاتجاه نفسه. فقد خرج الرئيس الباجي قائد السبسي اواخر العام الماضي ليقول في خطاب رسمي بان» المؤشرات تفيد بان ايادي خارجية وراء عملية اغتيال المهندس محمد الزواري، وأن هناك شبهة بشأن تورط اسرائيل في العملية». ثم ظلت تلك الشبهة عالقة بين السماء والارض منذ ما يقرب من عام، من دون أن يظهر اي مسؤول تونسي لنفيها أو لإثباتها.
لكن الاسرائيليين لم يرتاحوا بالكامل على ما يبدو لتلميحات قائد السبسي، وكتبت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية تقول بان «ما صرح به رئيس الجمهورية في تونس كان الاكثر وضوحا في اتهام اسرائيل بالتورط في اغتيال المهندس محمد الزواري». فقد صار مجرد الاشتباه في أنهم هم من اغتال الزواري يثير لديهم بعض الحساسية والقلق من أن ينعكس ذلك على مساعيهم لجر تونس، مثل باقي الدول العربية الاخرى، نحو التطبيع العلني والكامل معهم. وربما كان تردد السلطات في توجيه اتهام ولو أولي لاسرائيل بالضلوع في اغتيال الزواري، هو ما زاد بمرور الوقت في ضعف وتحلل موقفها وجعل الطرف الاسرائيلي يشعر بالمقابل بانه بمنأى عن لغة التنديد والوعيد التقليدية، التي طالما سمعها في السابق حتى من تونس.
وهنا قد يكون كلام الرئيس التونسي في خطاب العام الماضي دليلا اضافيا على ورطة تونس التي اختارت التعامل بحذر بالغ مع مسألة اتهام اسرائيل بشكل رسمي باغتيال واحد من مواطنيها. ولان التونسيين يدركون جيدا أن هناك اكثر من جهة خارجية لم يذكرها تقرير حماس بالاسم، غطت أو قدمت دعما ما لاسرائيل حتى تنفذ جريمتها، فانهم لا يبدون رغبة في المسك بكل خيوط العملية للاخر ولا يرون جدوى من مطاردة ما يتصورونها خيوط دخان.
ولكن هل أن دفن الرأس في التراب سيكون هو الحل، وهل أن دم الشهيد سيذهب بالنهاية قربانا للتقرب من اسرائيل؟ إن قال المسؤولون هذه المرة ايضا إنهم لا يدرون فانتم تعرفون ولا شك بقية المثل.
كاتب وصحافي من تونس

 لماذا انزعجت تونس من تقرير حماس؟

نزار بولحية

- -

5 تعليقات

  1. الاستعراض الاعلامى التى قامت به حماس من اعادة سرد فرضيات وقع تداولها إعلاميا و على مواقع التواصل الاجتماعى وقت الحادثة ليس له اى قيمة إلا محاولة احراج تونس ….لكن انا اعتبر أن موقف تونس موقف واقعى وبراغماتى و رصين وفقا لمصالحها الاستراتيجية و بعيد عن العنتريات الفارغة التى انتهى وقتها مع اعتراف الجميع وكبار القوم وأولهم الفلسطينن بحق إسرائيل فى الوجود ……
    انا لدى تساؤل هل السيد الزوارى و حماس أعلموا السلطات التونسية بأنشطتهم لتوفير الحماية له ….؟ طبعا لا … هل السيد الزوارى وحماس يعرفون ان نشاطه هذا ربما سيؤدى به فى النهاية إلى الموت ؟….طبعا نعم …
    اذا كل واحد يتحمل مسؤوليته و مسؤولية نشاطه ….و لا داعى لتحميل تونس كل مرة أكثر مما تحتمل ….و كأن الدولة التونسية لديها من الإمكانيات الخارقة و السحرية للتنباء بنشاط 11 مليون تونسي و توفر لهم 11 مليون امنى لحمايتهم …..
    ….تحيا تونس تحيا الجمهورية و لا ولاء إلا لها ….

  2. محمد الزواري هو مواطن تونسي و قتله هو جريمة إرهابية وهو اعتداء على سيادة والإعتداء على سيادة تونس هو اعتداء على كل التونسيين
    وهو مرفوض بكل المقاييس ويحق لتونس ملاحقة الجناة ومحاكمتهم وهذا ما كان على الوزير أن يقوله علنا ولا يخشى أحد
    ولهذا أطلب من المتصهينين و الخوافة واللحالسة أن يخرسوا حفاظا على ماء الوجه فإسرائيل اعترفت بحماس يوم أن طلبت وقف إطلاق النار
    في معركة العصف المأكول وبقيت تنتظر ردّ حماس التي لم ولن تعترف بما يسمّى اسرائيل

  3. اذا قتل بنو صهيون احد مواطنيك فصفق لهم …وبارك الجريمة قلبا وقالبا !!! والا فانك غير ديموقراطي…وتتعمد احراج بلدك…ولا تقدر مصالحها الاستراتيجية..!!! …ولكي لاتكون عنتريا فاطلب منهم بكل الحاح ان لايغضبوا ولايحزنوا ولا يهتموا بما يقال عنهم… .من انهم مجرمون وقتلة !!! بل اخفض لهم جناح الذل…وقل لهم بان كل ما قيل عن عنصريتهم واغتصابهم وجراءمهم ..وسرقتهم لوطن الغير….هي مجرد اراجيف من نظم القوميين المتخلفين عن ركب الحضارة والواقعية…!!! الم يقل هذا منذ زمان طويل الزعيم الاكبر…والعبقري المقدام الذي تتضاءل امامه كل العبقريات والافكار…وابو الديمقراطية الحجاجية التي لازالت متشبتة بالكراسي والرقاب…!!!!.

    • انا لا افهم لما تضييع الوقت وراء الانترنت ….مكان الأراضى المحتلة معروف ….رغم انى ارفض ما قام به السيد الزوارى إلا انى احترمه لانه لم يثرثر على الانترنات ….اتجه إلى الأراضى المحتلة و دفع حياته لقضيته ….لاتضيعوا الوقت ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

  4. عزيزي التونسي بن الجمهورية بعد التحية والمحبة والإحترام أقول لك :
    للشهداء عندنا قدسية لمكانتهم عند الله, ولهذا كان عليك أن تفتخر بالشهيد الزواري رحمه الله بدلاً من إنتقاده
    ولا حول ولا قوة الا بالله

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left