السعودية… مسيرة تغيير سريعة مليئة بالمخاطر

«الأمير محمد بن سلمان زعيم بلا منازع... أم أنه سيدخل المملكة بعصر من عدم الاستقرار»؟

صحف عبرية

Nov 22, 2017

من شأن الهزة الداخلية التي تمر مؤخرا بالسعودية، التي تتمثل باعتقالات غير مسبوقة لمئات كبار المسؤولين بمن فيهم شخصيات أساسية في الاقتصاد، في الإعلام وفي السياسة، وذلك زعما باسم مكافحة الفساد، أن تتبين كتطور على مستوى تاريخي. ففي الرابع من تشرين الثاني تشكلت بمرسوم ملِكي «اللجنة العليا لمكافحة الفساد» برئاسة ولي العهد محمد بن سلمان، التي خُوِّلت بالتحقيق مع المشبوهين، واعتقالهم ومنع خروجهم من الدولة، وتجميد ممتلكاتهم. اعتقل في هذه الموجة المئات، بينهم 11 أميرا من العائلة المالكة، أربعة وزراء حاليون، وزراء سابقون ورجال أعمال. وبين المعتقلين الملياردير الوليد بن طلال، وهو ناقد معروف للأسرة المالكة. وفي اليوم ذاته تحطمت في ظرف غامضة مروحية تقل مسؤولين سعوديين، على رأسهم منصور بن مقرن، الخصم المعلن لابن سلمان، منذ أزيح أبوه عن منصب ولي العهد. وليس معروفا الآن أيضا ماذا سيكون مصير الأمير عبد العزيز، ابن الملك فهد، الذي ينتقد هو الآخر ابن سلمان بحدة.
يرتبط التطور الأهم في إطار خطوات ابن سلمان بسيطرته على مركز قوة أمني آخر مع إزاحة متعب بن عبد الله، قائد الحرس الوطني. ويدور الحديث عن قوة عسكرية مجهزة ومدربة، تقوم على أساس الولاء القبيلي ومهامها الأصلية كانت الحفاظ على استقرار الحكم والتوازن مع قوة الجيش النظامي، الذي يعد نحو 200 ألف رجل. وينتشر الحرس الوطني، الذي يضم نحو 100 ألف جندي، على طول الحدود، ولا سيما الحدود مع اليمن، في العاصمة الرياض وفي المدينتين المقدستين مكة والمدينة. وتوجد قوة طليعية له في البحرين حتى الآن منذ 2011، لحماية حكم أسرة آل خليفة السنّية في الدولة الجزيرة هذه التي سكانها شيعة في معظمهم.
تستهدف موجة الاعتقالات، كما يبدو، إبعاد المعارضين بالفعل أو بالقوة، عن طريق محمد بن سلمان نحو التاج. إضافة إلى ذلك، فقد فتح ولي العهد الجبهة الداخلية في وقت تشارك فيه السعودية في عدد من الجبهات الخارجية في الشرق الأوسط ـ حيال إيران في اليمن، حيال حزب الله في لبنان وحيال قطر ـ إن هذا الخليط بين المواجهات الخارجية والصراعات السياسية الداخلية يستدعي مراجعة دائمة للتطورات، الكفيلة بالمس باستقرار المملكة، إضافة إلى بلورة رد مناسب على عدم الاستقرار هذا.
لقد بدأ التغيير في موازين القوى السياسي الذي يسعى ابن سلمان إلى إحداثه بالتدريج منذ 2015، حين عينه أبوه لتبوؤ المناصب التالية: نائب ولي العهد، وزير الدفاع والمسؤول عن مجلس الاقتصاد والتنمية. ورُفع ابن سلمان في حزيران 2017 إلى منصب ولي العهد، وهو يواصل تثبيت مكانته، بدعم من أبيه. وأدت الخصومة بين الأميرين المتصدرين للصراع على التاج، محمد بن سلمان ومحمد بن نايف، في السنتين الأخيرتين، إلى تخوف من صراع داخل القصر يعرض الاستقرار للخطر. وفي هذه الأثناء، أزيح ابن نايف، الذي كان مسؤولا عن قوات الأمن الداخلي في المملكة، عن منصبه كولي للعهد ووزير الداخلية في حزيران 2017 وعلم أنه وضع قيد الإقامة الجبرية مع مقربيه.
لقد كانت وحدة الصف بين الأمراء الكبار مصدر قوة للمملكة على مدى السنين. وقد ثارت غير مرة صراعات قوى بين أبناء ابن سعود للأمهات المختلفات. وعلى هذه الخلفية نشأت معسكرات سياسية تحددت وفقا لانتمائها الأسري. ولكن هذه الصراعات دارت خلف الأبواب الموصدة، وكان هناك عمليا ميزان قوى في العائلة المالكة، حيث يكون الملك بمكانة الأول بين المتساوين. كان واضحا لكل الأمراء أن قوتهم تكمن في وحدتهم. على مدى السنين، وحفاظا على التوازن بين فروع الأسرة، وزع الملوك بين المعسكرات المناصب العليا، بما في ذلك السيطرة على قوات الأمن. أما الآن فإن ابن سلمان يسيطر على ثلاثة مراكز القوة الأمنية المركزية: الجيش النظامي، قوات الأمن الداخلي والحرس الوطني. وعندما سيتوج ابن سلمان ملكا ستكون هذه هي المرة الأولى التي ينتقل فيها التاج إلى جيل أحفاد ابن سعود، مؤسس المملكة. هذا الانتقال لم يرتب وفقا لإجراء في إطاره انتقل الحكم في جيل أبناء ابن سعود، وعليه، فقد كان مصدر توتر واضح ومواجهات بين الأمراء.
تُعد خطوات ابن سلمان بقدر أقل كصراع أصيل ضد الفساد، وبقدر أكبر كمحاولة من جانبه لتثبيت قوته ومكانته ـ ناهيك عن أن نمط حياته الاستعراضي نفسه لم يتغير (نيويورك تايمز تحدثت عن أن ابن سلمان اشترى في 2016 يختا فاخرا قيمته 500 مليون دولار). وعليه، فيبدو أن ابن سلمان عمل بهدف منع انتقاده من جهة أجنحة الخصوم في الأسرة، ومنع تبلور معارضة لحكمه. ويحتمل أن تعكس خطواته تطلعا لنقل التاج إليه على عجل. يشار إلى أنه في أعقاب الجمع السريع للصلاحيات في يديه في السنوات الأخيرة، انطلق أمراء كبار في المملكة منذ الآن بدعوة علنية نادرة للتغيير، بإعرابهم عن عدم الثقة به وبأبيه الملك المريض.
مع أن ابن سلمان يتمتع بقدر ما يمكن أن نقدر في المملكة المطلقة، بتأييد في أوساط الشباب ـ نحو نصف السكان في السعودية هم دون سن الـ 25 ـ ممن يتطلعون إلى الإصلاحات في النظام الاجتماعي المحافظ واقتلاع الفساد. إلا أنه تعاظمت مؤخرا الشكوك في قدرته على تنفيذ خطته التي تسمى «رؤيا 2030»، بالوتيرة والنطاق اللذين أعلن عنهما. وذلك في ضوء التقارير عن إحداث تغييرات ذات مغزى في الخطة وتأجيل بعض من أهدافها. وفي هذه الأثناء، يتعاظم إحباط الجمهور، الذي كان معتادا على الوفرة التي مصدرها في دخل النفط، عقب الانخفاض في الرواتب، التقليص في الدعم الحكومي والارتفاع في غلاء المعيشة، على خلفية انخفاض أسعار النفط في السنوات الأخيرة. إذا ما تواصلت هذه الميول، فمن شأن ابن سلمان أن يخسر التأييد له من جانب شباب المملكة. ومن شأن موجة الاعتقالات والخوف من عدم الاستقرار السياسي أن يضع المصاعب أمام المملكة في تجنيد الأموال الأجنبية، الضرورية لها، من أجل تنفيذ المخططات الطموحة التي أعلن عنها ولي العهد، وإبعاد مستثمرين محتملين.
في رد على الوضع في المملكة، في أيلول 2017 استؤنفت في الشبكات الاجتماعية في السعودية الحملة التي تدعو المواطنين إلى الخروج والاحتجاج، وذلك أيضا على خلفية الاضطرابات في أوساط الأقلية الشيعية في المملكة. ففي أيلول اعتقل رجال دين، أكاديميون وصحافيون، بسبب النقد الذي أطلقوه ضدَّ السياسة الاقتصادية لابن سلمان، ضدَّ سلوك الرياض في الأزمة مع قطر (التي فاقمت الانقسام بين دول الخليج ولم تحدث تغييرا في سياسة قطر) وبسبب الحرب في اليمن التي شرع ابن سلمان بها وتبدو بعيدة عن الحسم. وفي هذا السياق يذكر أن سلوك ابن سلمان المتشدد، بعد سنوات تميزت فيها سياسة السعودية بضبط النفس والحذر، أثار الخوف حتى في أوساط محافل الاستخبارات الغربية من المخاطر التي قد ينطوي عليها، ضمن أمور أخرى، على استقرار المملكة.
يسير ابن سلمان، الذي يحظى بإسناد علني من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالسعودية نحو حكم فردي مركزي. فالعصر الذي تميز بتوزيع القوة، يبدو أنه بلغ منتهاه، ذلك العهد الذي تميز بالحلول الوسط وبالتكافل بين الأمراء، وهكذا أسهم في استقرار المملكة على مدى السنين. لقد تحول الحكم في السعودية إلى حد بعيد إلى مسرحية رجل واحد، لم يسجل بعد إنجازات ذات مغزى، بل ركز على تثبيت مكانته وقوته. إن ابن سلمان، الذي يسعى إلى إحداث تغييرات ضرورية، وإن كان بشكل متسرع ومفروض، في كل مجالات الحياة في المملكة، ينقطع لهذا الغرض عن تراث عملية اتخاذ القرارات بشكل جماعي ويصطدم ضمن أمور أخرى بالمؤسسة الدينية والنخب الاجتماعية والاقتصادية، التي من غير الواضح على الإطلاق إذا كانت ستقبل إمرته بخنوع. إن نهاية هذه العملية محاطة بالغموض.
لقد تمتعت السعودية باستقرار نسبي حتى في أثناء الثماني سنوات منذ بدأت الهزة الإقليمية، وإن كان بدا أحيانا أن قوتها ونفوذها نالا تقديرا زائدا في إسرائيل. أما اليوم، فتواجه المملكة التحديات في كل بعد ممكن تقريبا.
ومن هنا ينبغي فحص مدى التأثير الخارجي المحتمل للأزمة الحالية: هل سيعتبر أعداء السعودية التحولات السياسية فيها كلحظة مناسبة لهم لتشديد الضغط عليها؟ هل سيخرج ابن سلمان من القصة كزعيم بلا منازع للمملكة أم ربما تواجه المملكة عصرا من عدم الاستقرار لا يمكن لنا أن نتوقع نهايته؟ إن محافل التقدير والسياسة في الدول المتأثرة بمكانة المملكة السعودية، بما فيها إسرائيل، من السلامة بمكان أن توثق المتابعة للاستقرار في المملكة وأن تُعد الخطط الطارئة في حالة اهتزازها.

عاموس يادلين ويوئيل جوجنسكي
نظرة عليا ـ 21/11/2017

السعودية… مسيرة تغيير سريعة مليئة بالمخاطر
«الأمير محمد بن سلمان زعيم بلا منازع… أم أنه سيدخل المملكة بعصر من عدم الاستقرار»؟
صحف عبرية
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left