خمسمئة عام على الفتح العثماني

د. أحمد سالم سالم

Nov 23, 2017

تصادف هذا العام الذكرى الخمسمئة على معركة من أهم معارك التاريخ الفاصلة، هي معركة الرَّيْدانية الشهيرة التي وقعت بالقرب من القاهرة، وأطاح فيها العثمانيون بالحكم المملوكي في مصر عام 1517.
لم تكن هذه المعركة مجرد معركة عابرة، بل كانت إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ العالم، وتَغَيُّر وجه المنطقة بأسرها لأربعة قرون تالية، حتى أن البعض يعتبرها بداية للتاريخ الحديث، لكن من ناحية أخرى كانت مسألة دخول العثمانيين إلى العالم العربي مثار جدل كبير بين المؤرخين وغيرهم، وتداولت بعض الأوساط الثقافية الحديث عن شرعية الحكم العثماني للعالم العربي، وأراد البعض تصنيفه على أنه غزو أدى إلى استعمار، وليس فتحًا أدى إلى إعمار، بغض النظر عن دين هؤلاء الغزاة المزعومين، وأراد البعض تعديل عبارة «الفتح العثماني» في مناهج التعليم لتصير «الغزو العثماني»؛ إلا أن هذه الادعاءات لم تكن جديدة على الأسماع؛ فقد بدأ طرحها منذ سقوط الدولة العثمانية عام 1924، وبدء تأجج النعرات القومية التي ابتلعت في طريقها أي هوية أخرى لدى شعوب هذه المنطقة حتى هويتها الإسلامية، التي تمسكت من خلالها بالوحدة، ودافعت عن بقائها تحت سلطان الدولة العثمانية على مدى قرون العصر الحديث.
لا بد لنا إذا أردنا أن نتبين صحة هذه المزاعم أن نلقي نظرة على المنطقة قبل هذا الحدث الجلل، هل كانت بالفعل في طريقها إلى الازدهار فجثم على صدرها العثمانيون؟ أم أنها كانت تسير إلى الانهيار؟ يلخص المستشرق الفرنسي أندريه ريمون الوضع في بعض النقاط قائلاً: «إن انحدار المدن العربية كان سابقًا للغزو العثماني، فالمدن العراقية الكبيرة لم تسترجع قواها إطلاقًا بعد الكارثة التي تمثلت في الغزو المغولي»؛ ويقول عن دمشق: «ذكر سوفاجيه أن قوات تيمورلنك نهبت المدينة عام 1400، ثم عانت المدينة من الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الإمبراطورية المملوكية؛ إذ لم يحتل السلطان سليم سنة 1516 سوى مدينة أكثر من نصفها أطلال»؛ ويقول عن شمال إفريقيا: «أدى تفسخ دول المغرب الأوسط والأدنى إلى تشجيع المغامرات الاستعمارية الإسبانية والبرتغالية»؛ ويقول في ما يتعلق بتونس: «إن القرن الحفصي الأخير كان يمثل مأساة طويلة الأمد، وقد لاقى سكان تونس أسوأ معاملة حين احتلها الإسبان سنة 1535»؛ وأخيرًا يُعَقِّب على دخول هذه البلدان تحت التبعية العثمانية بقوله: «ولا شك في أن إمبراطورية قوية وموحدة مكان مجموعة دول تلهث من الإرهاق كان مفيدًا للمدن التي ظلت تعاني منذ قرون من آثار التدهور السياسي، وفي الواقع إنه من المنطقي أن يكون هذا هو ما حدث».
وهكذا لنا أن نتساءل: هل كانت الدولة العثمانية تسيطر على باقي أجزاء العالم الإسلامي الذي كان مستنيرًا في العصر الوسيط، ثم تخلف هو الآخر بدوره عن ركب الحضارة؟ ولو سَلَّمنا أن الدولة العثمانية قد جثمت على روح الشرق ومنعته من التقدم والازدهار، فلماذا إذا تخلف أولئك عن الركب في الأندلس وخبت دولتهم بعد ذلك الازدهار؟ ولماذا ضعفت دولة المماليك بعد قوتها حتى كادت أن تقع فريسة للاستعمار الأجنبي لولا تدخل العثمانيين؟ ولماذا انقسمت بلاد المغرب على نفسها قبل التدخل العثماني منذ القرن الثالث عشر وأصبحت فريسة سهلة للمستعمر الأجنبي، فوقع الكثير من أراضيها لقمة سائغة للإسبان والبرتغاليين؟ بل لماذا استسلم العراق للقوة الغاشمة للصفويين الذين احتلوا بغداد وارتكبوا المذابح في المسلمين؟ وكان يمكنهم التمادي والتوغل في بلاد الرافدين لولا تدخل العثمانيين.
كانت الدولة المملوكية نفسها منذ محاربتها للمغول في عين جالوت عام 1260، مرورا بجهادها ضد الصليبيين والقضاء على إماراتهم في المشرق، وإحيائها الخلافة العباسية في القاهرة، وتوليهم أمور الأماكن المقدسة، تعد دولة الإسلام الأولى المنافحة عنه وعن الشرق عامة، أمام أي معاد أو دخيل؛ إلا أننا إذا نظرنا لآخر نصف قرن من عمر هذه الدولة، سنجد كيانًا آخر مهترئًا غير قادر حتى على الدفاع عن نفسه، فضلاً عن الذود عن المصالح الإسلامية، وهو ما أدى إلى الفراغ السياسي الذي دفع القوى الصليبية المعادية إلى محاولة النفاذ إلى أراضي المشرق الإسلامي، ومن ثم اجتذاب دولة إسلامية أخرى للإحلال محلها، ولعب دورها في المنطقة. وتدلنا الوثائق والمصادر على ترحيب أهل هذه البلدان بالعثمانيين أيما ترحيب، بل إن البعض ناشد الدخول تحت الراية العثمانية. فعلى سبيل المثال، كانت مساندة أهالي الشام للسلطان سليم أمام الغوري سببًا مباشرًا في انتصاره في مرج دابق وسهولة بسط سيطرته على الشام، كما أشار كل من ابن زنبل الرمال وابن إياس، فضلاً عن وثيقة محفوظة في طوب قابي سراي في اسطنبول، عبارة عن عريضة كتبها علماء وأشراف مدينة حلب وقدموها إلى السلطان سليم، ذكروا فيها أن أهالي الشام سئموا من ظلم المماليك، وأن السلطان إن رغب في الفتح فإن الأهالي على استعداد تام للترحيب به. ومن ناحية الغرب دخل العثمانيون حلبة الصراع غرب المتوسط، وتوحدت قواهم مع القوى الجهادية الناشئة هناك للوقوف أمام الزحف الصليبي المتزايد بقيادة إسبانيا؛ وتدلنا وثيقة أخرى مهمة محفوظة في طوب قابي سراي، على الظروف المحيطة بخضوع الجزائر كأول إقليم في بلاد المغرب لسيطرة العثمانيين، وهي عبارة عن رسالة موجهة من سكان بلدة الجزائر إلى السلطان سليم، بعد عودته من فتح مصر، مؤرخة بعام 925هـ/ 1519م، كُتبت بأمر من المجاهد البحري القدير الريس خضر أو خير الدين برباروسا، بغرض ربط الجزائر بالدولة العثمانية، وهو ما قد كا، حتى أن المؤرخ الإنكليزي أرنولد توينبي يشير إلى أن العثمانيين لو كانوا قد استطاعوا دعم قوتهم البحرية ومد نفوذهم غرب المتوسط قبل ثلاثين عامًا من تحققه عام 1503، لكان بمقدورهم إنقاذ غرناطة، بل ووقف حركة الكشوف الإسبانية.
عند هذه النقطة تحديدًا هناك سؤال يفرض نفسه، ماذا لو لم تتدخل الدولة العثمانية في البلدان العربية، وغضت الطرف عن الأحداث الجسام التي توالت في المنطقة؟ أكان مصير هذه البلدان سيصبح كمصير غرناطة، وكان مصير شعوبها سيصبح هو مصير المورسكيين من سكان الأندلس؟ تجاوبنا عن هذا السؤال تصريحات القائد البرتغالي ألفونسو دي البوكيرك، بعد وصوله إلى البحار العربية جنوب شبه الجزيرة، التي يقول فيها: «إن الخدمة الجليلة التي سنقدمها للرب هي أن نطرد العرب من هذه البلاد ونطفئ شعلة أتباع محمد بحيث لا يُرفع لها هنا بعد ذلك لهيب». هذا بالطبع لو لم يصل العثمانيون في الوقت المناسب إلى البحار الشرقية، ويدخلون في صراع ضار امتد لعقود، كانت نتيجته دفع البرتغاليين عن البلدان العربية. وكذا الحال في الشمال الإفريقي أمام الحملات الإسبانية المتواصلة، بعد أن كاد العالم العربي يقع بين شقي الرحا.
هكذا ارتقت دولة العثمانيين في نظر عامة المسلمين، فشدوا من أزرها موالين لها في جهادها، فتعاظمت مكانتها وهيبتها في العالم، حتى صارت كلمة تركي عند الأوروبيين مرادفة لكلمة مسلم. وظلت المنطقة لقرون مرهوبة الجانب، مثلها مثل دولتها، حتى إذا ضعفت ودب الخور في أوصالها بعد أكثر من خمسمئة عام من عمرها، تكاثرت علينا أمم الأرض ووقعت أراضينا وشعوبنا، بل ومقدساتنا في براثن الأعداء. فهل بعد كل هذا يمكن أن نساوي بين وجود العثمانيين على هذه الأرض وبين أي محتل أجنبي؟
باحث مصري في التاريخ والحضارة الإسلامية

خمسمئة عام على الفتح العثماني

د. أحمد سالم سالم

- -

4 تعليقات

  1. نعم كان العثمانيين فاتحين ولم يكونوا غزاة مغتصبين
    وكانوا حماة الإسلام ضد غزوات الصليبيين والصفويين !
    ولقد بايع آخر خليفة عباسي بمصر السلطان سليم على الخلافة
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الدول في دورات صعود و هبوط. و لكن هناك دورات طويلة و دورات قصيرة. و كما ذكر الكاتب عن دولة المماليك (250 عاما) انها كانت في البداية “تعد دولة الإسلام الأولى المنافحة عنه وعن الشرق عامة، …؛ إلا أننا إذا نظرنا لآخر نصف قرن من عمر هذه الدولة، سنجد كيانًا آخر مهترئًا غير قادر حتى على الدفاع عن نفسه،…، وهو ما أدى إلى الفراغ السياسي الذي دفع القوى الصليبية المعادية إلى محاولة النفاذ إلى أراضي المشرق”. و لقد حدث مثل هذا مع الدولة العثمانية (650 عاما) التي اضحت كيانا مهترئا منذ اواخر القرن الثامن عشر الى سقوطها في اوائل القرن العشرين. و هو ما نراه اليوم في الدولة المصرية الحديثة التي تراجعت في كل المجالات منذ ان اعترفت بالكيان الاسرائيلي و تركت جهاد الاعداء الى محاربة الشعب و الاشقاءمما ادى الى الفراغ السياسي الذي ادى الى تولي دويلات القيادة الضعيفة الفاشلة الفاسدة في المنطقة و بالتالي دفع الروس و الترك و الفرس الى ملئ الفراغ في المشرق العربي كما نرى

  3. الاستعمار عندما يكون اسلامى او عربي يسمى فتوحات ….الاوروبين عندما استعمروا القارة الأمريكية كانوا يقولون انها فتوحات أيضا و عندما استعمروا القارة السمراء كانوا يقولون أتينا لنحمل لكم الحضارة …اى أتينا فاتحين ….الاستعمار هو الاستعمار و لا داعى لنجد له المبررات الدينية و الثقافية و السياسية ….و ….و…..تحيا تونس تحيا الجمهورية

  4. الى متى يبقى البعض يغير الحقائق تحت مسميات دينية طائفية او قومية عنصرية فالاحتلال احتلال بما ان الشعب يحكمه غريب عنه وينهب ثرواته فهو محتل غاشم وحتى لو كان من كان استوقفتني بعض الجمل في المقال ومنها(فالمدن العراقية الكبيرة لم تسترجع قواها إطلاقًا بعد الكارثة التي تمثلت في الغزو المغولي») ونسال الاخ كاتب المقال وماذا اصبحت بعد الفتح العثماني كما يسميه خلال 4 قرون وماذا اصبحت بعد الاحتلال الانكليزي وهو احتلال لا جدال عليه بعد 10 سنوات فقط اذكر عدد المدارس قبل الاحتلال البريطاني وقبله وستعرف بلا شك.سوف يتهمني البعض باني مع الانكليز كلا والف كلا وكذلك لست مع العهد الملكي الذي اتوا به المحتلين البريطانيين ولكن يجب ان نسمي كل شيء باسمه.وعلى المفكر المسلم ان يراجع ما يسمى الفتوحات وحروب الردة لكي يكون الاسلام نقي ويلاءم العصر وما ولادة داعش الا بسبب فكرة الخلافة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left