رهانات عربية خاسرة وحوار مع لانغر

د. فايز رشيد

Nov 23, 2017

مثل كل مواطن عربي، كنت أتمنى لو عقد اجتماع الجامعة العربية الأخير من أجل بحث الإرهاب الإسرائيلي والقتل الجماعي الممارس ضد شعبنا الفلسطيني، كما التنكيل اليومي بأبنائه وبناته. من أجل مواجهة الجهود الإسرائيلية الحثيثة لتهويد القدس، وزيادة الاستيطان فيها وفي الضفة الغربية بنسبة بلغت مؤخرا 120% وإقرار إقامة القطار الهوائي الكهربائي بين مناطقها على مسمع ومرأى من النظام الرسمي العربي، دائم التغني بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. كنت أتمنى لو أن الاجتماع عقد من أجل حل مأساة المجاعة في اليمن، التي تهدد حياة مليون طفل يمني! كنت أتمنى لو جرى عقده من أجل النهوض بالتنسيق العربي في مواجهة «صفقة القرن» أو «التسوية الإقليمية»، وما رشح حتى اللحظة من بعض بنود «خطة ترامب» الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
ولأن الشيء، عكس الشيء، تتآكل الأشياء في نفس الحالم، فيصحو على الواقع بكل ما يجري فيه من سريالية سياسية عربية فاقعة، ذلك وفقاً لقاعدة شاعرنا محمود درويش رحمه الله، الذي يقول: «لا فرق بين الحلم، والوطن المرابط خلفه، الحلم أصدق دائما. لا فرق بين الحلم، والجسد المخبّأ في شظية، الحلم أكثر واقعيّة»، لذا تتسع المسافة بالطبع بين جمال الحلم ومرارة الواقع، الذي يختزل أحداثه في التالي:
تأكيد قرار سابق باعتبار حزب الله حزباً «إرهابيا» والتأكيد على أن إيران «دولة راعية للإرهاب» هذه هي النقطة الأولى، وفي مناقشتها يمكن القول: إنه وبالتأكيد سيعتبر معظم النظام الرسمي العربي المقاومة الفلسطينية مستقبلاً، حركة «إرهابية» تعتدي على الحليف الإسرائيلي الجديد لبعض أقطار هذا النظام العربي. ثم أين هو مشروعكم العربي للرد على ما تعتبرونه «مشروعاً إيرانياً في المنطقة؟ الاجتماع الهزيل للجامعة العربية (الذي غابت عنه سبع دول) جعل مهمته الثانية، تسويق وتسويغ المخططات الإسرائيلية ـ الأمريكية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية.
نعم، قبل الاجتماع وفي ظل ما عرف «بأزمة سعد الحريري «، تم استدعاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الرياض، ومورست ولا تزال تمارس ضغوطات كبيرة عليه للقبول بما هو مطروح من حل سياسي، هو في جوهره محاولة فرض استسلام نهائي على الفلسطينيين وصولا إلى فرض الحصار والعقوبات، تحت طائلة عدم القبول بما هو مقبل من مشروع أمريكي للسلام، على صعيد آخر، كان حدثا لافتا للانتباه، هذا الاهتمام الفجائي المصري بالمصالحة الفلسطينية، وهذا الحرص على حضورالفصائل الفلسطينية إلى القاهرة، بشروط أقل ما يقال عنها أنها لا تتوافق وشروط الضيافة، إن بتحديد أربعة من كل فصيل، وعدم وضع جدول أعمال لما سيدور في الاجتماع مع المندوبين المصريين، الذين هم من المخابرات المصرية (وليس كما هو مفترض من الطاقم السياسي)، واقتصار المباحثات، على ما يبدو أنه بند واحد، وهو ما سيطرحه المصريون على الفصائل، وإلزام الوفود به قبل عودتهم إلى البلدان التي جاءوا منها. ولأن المكتوب يُقرأ من عنوانه، ولأن المعبر المغلق منذ دهر، لم يتم فتحه سوى لثلاثة أيام. يصبح بعدها من السهل استشراف ما الذي تريده مصر من الفصائل، ويتلخص، في محاولة فرض التسوية المطروحة عليها.
النقطة الثالثة لاجتماع المهزلة العربي العتيد تمثلت في، فتح الباب مشرعا أمام الدخول الإسرائيلي العلني (من فوق الطاولة) إلى العالم العربي، والتأسيس لتحالف إسرائيلي ـ سعودي، شاء من شاء وأبى من أبى! إذ فجأة بدأت تتكشف خيوط العلاقات السرية بين الجانبين، وفجأة انبرت جوقة من علماء الدين التابعين للسلطة الحاكمة، من الذين يقولبون الإسلام وفقا لإرادة الحاكم. جوقة تنادي بتحريم قتال إسرائيل، ومن المفتين أن لا وجود لدولة فلسطينية في التاريخ، وربما سنسمع فتوى بتجريم وتحريم مساندة الفلسطينيين! فهؤلاء «القتلة» الذين يعتدون على ما أنزله الله تعالى من آية كريمة (يا بني إسرائيل إنا فضّلناكم على العالمين). الحصيلة، أن اجتماع القاهرة كان قاعدة لفتح العالم العربي أمام العدو الصهيوني، في تخلّ واضح عما سمّي في حينه بـ»مبادرة السلام العربية».
كان من المفترض في اجتماع الجامعة العربية مباركة المصالحة الفلسطينية، والتأكيد على الوحدة الوطنية الفلسطينية، والتأكيد على مجابهة المخططات الراهنة لتصفية القضية الفلسطينية، والتأكيد على الدعم والإسناد الرسمي العربي لحركة المقاومة الفلسطينية في مجابهتها لما يحاك ضدها من مؤامرات، تماما كما كان مفترضا في اجتماع القاهرة، وضع آليات إتمام المصالحة بتطبيق اتفاق القاهرة عام 2011، الخاص بإنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الوطنية.
كان من الأهمية بمكان أن يُدرج على أجندة الحوار، مراجعة وتقييم الإخفاقات في مرحلة الرهانات على حل الدولتين، ونهج المفاوضات مع العدو، كخيار استراتيجي أثبت فشله وعقمه، وفقاً لتجربة 22 عاماً من المفاوضات.
أما السياسة المتمثلة في التوجه لهيئة الأمم لمواجهة صلف الكيان وجرائمه، فهي الأخرى لم تنه احتلالا ولا أنصفت حقا فلسطينيا ولا منعت بناء بيت واحد في مستوطنة. دولة الكيان الصهيوني، تعيش حاليا مرحلة من الهستيريا الجماعية، تعبر عن نفسها في حالة من الهستيريا السياسية، التي تدفعها دفعاً لرفع منسوب هجومها السياسي وتصعيدها الميداني ضد كل ما هو فلسطيني. دولة الكيان تشعر بأن كلمة فلسطيني تعني نقيضا للوجود الإسرائيلي، ولذلك هي تصر على اعتراف فلسطيني ـ عربي بيهودية دولة إسرائيل. نعم السعودية هي التي ستفتح الباب أمام هذا التنازل الجديد، وليضرب الفلسطينيون رؤوسهم بعرض الحائط. نحن نواجه حاليا وعود بلفور جديدة غير معلنة، ولكن ليست بوجه بريطاني أو أمريكي هذه المرة، ولكن بوجه عربي.
أما حول الحوار مع المحامية اليهودية التقدمية فيليتسيا لانغر، التي تركت فاشية إسرائيل وغادرتها نهائياً، ففي عام 1988 وعلى هامش مؤتمر موسكو الدولي للمرأة، جرى تكليفي من قبل مجلة «الهدف» بتغطية أعمال المؤتمر، من بين من حضرن من الوجوه النسائية العالمية، انجيلا ديفيز، وفيليتسيا لانغر، كان من أهم الحوارات التي أجريتها، اللقاء مع الأخيرة، وبعد الإجابة على ما طرحته عليها من أسئلة، طلبت مني الصعود إلى مقهى أحد طوابق فندق تورست (مكان إقامة الوفود) لتسرّ لي بهواجسها، غير القابلة للنشر آنذاك، لأنها كانت ما تزال مواطنة في دولة الكيان. مما قالته لانغر حينها، إن الشخص الصهيوني الأخطر على العالم العربي، الذي رسم السياسات العامة لمستقبل إسرائيل هو ديفيد بن غوريون، والذي ثبّت عدة أسس ومبادئ عامة تستند إليها إسرائيل مستقبلاً: اعتماد الخطة «دالت» للتطهير العرقي للفلسطينيين، أوصى بعدم الاهتمام بعدد وكمّ القتلى العرب في المذابح في سبيل بقاء إسرائيل، اعتبر أن أكبر إنجاز تحققه إسرائيل هو تدمير الجيوش في العراق، سوريا ومصر قال ذلك في خطاب له عام 1950 أمام طلاب الجامعة العبرية. كما ركّز على أهمية إقامة علاقات مع الأقليات في العالم العربي، وإقامة دويلة عميلة في جنوب لبنان، طالب بالتدرج في إقامة العلاقات مع العالم العربي، من القبول التدريجي بها وصولاً إلى دعوات التحالف مع بعضها، بعد المحاولات المستمرة لخلق النزاعات والحروب فيها، من أجل تفتيتها، بحيث يصبح من الطبيعي لجوء بعض أنظمة هذه الدول إلى إسرائيل لحمايتها.
كما أوصى بعدم ترسيم حدود إسرائيل، «لأن لنا خريطة أخرى، على الأجيال القادمة مسؤولية تصميم خريطة الوطن الاسرائيلي، الممتد من النيل إلى الفرات»! مؤكدا على أن «نجاحنا لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على جهل وغباء الطرف الآخر».
للعلم، لم تكن حينذاك قد نشرت أية وثائق من الأرشيف الإسرائيلي، من تلك التي اعتمد عليها المؤرخون الإسرائيليون الجدد في نشر مخطوطات كتبهم القيّمة (إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي للفلسطينيين»، شلومو ساند في كتابيه «اختراع شعب إسرائيل» و «اختراع أرض إسرائيل» ومؤلفات إسرائيل شاحاك حول المسألة وغيرهم). في سؤالي للانغر عن مصادرها حول استراتيجية بن غوريون، قالت، إنها عرفتها من مصادر لم تسمّها، وجزء يسير فقط منها سينشر، أما المعظم، فقد استصدرت الدولة قرارات بعدم نشرها لخطورتها على مستقبل الوجود الإسرائيلي ذاته. ذكّرني ما يجري حالياً، بذلك اللقاء! لكن يبقى القول، ليس كل ما يخططونه قَدَراً مفروضاً، شعبنا وأمتنا ستفشلان رهاناتهم السياسية القاصرة.
كاتب فلسطيني

رهانات عربية خاسرة وحوار مع لانغر

د. فايز رشيد

- -

2 تعليقات

  1. اولاً اود الطلب من الدكتور فايز رشيد بان يخفض بعض الشيء من الأشارة الى حقائق واقعنا المر رفقاً بالقراء الذي دون شك بعضهم يعاني مثلي من ارتفاع في ضغط الدم عند قراءة واقعنا المر. فعلاً كان المجرم بن غوريون على حق بقوله “نجاحنا لا يعتمد على ذكائنا بقدر ما يعتمد على جهل وغباء الطرف الآخر”. ولكن حلمه في وطن يمتد “من النيل الى الفرات” لا ولن يتحقق مهما طال الزمن، ولن ينعم اتباعه في ارض اجدادنا – انها مسألة وقت. نعم ليس كل ما يتمناه الصهاينة سيتحقق فسواعد ابطالنا لهم بالمرصاد.

  2. دكتور فايز المووده والتقدير ….. وتحيه ترق لتليق
    (ليس كل ما يخططونه قَدَراً مفروضاً، شعبنا وأمتنا ستفشلان رهاناتهم السياسية القاصرة.)

    ——–
    إبن النكبه العائد إلى يافا
    لاجىء فلسطيني

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left