حين يستعيد أردوغان مصطفى كمال من الكماليين

بكر صدقي

Nov 23, 2017

لم تعد مفاجآت الرئيس التركي أردوغان تفاجئ أحداً، بعدما باتت قضيته الوحيدة هي الاستمرار في الحكم، وتكريس سلطته الفردية المطلقة فيه خشية مفاجآت يمكن أن تضع تأبيد هذا الحكم موضع شك.
بعدما شن حرباً شعواء على جميع معارضيه من إسلاميين وعلمانيين وليبراليين وكرد، بذريعة انقلاب 2016، ها هو يلتفت إلى داخل الحزب الذي استعاد رئاسته بفضل استفتاء نيسان على التعديلات الدستورية، فأقال رؤساء بلديات المدن الكبرى التي خُذِلَ فيها حزب العدالة والتنمية من جمهوره المعتاد، بما في ذلك رئيس بلدية إسطنبول قادر توبباش ذي الشعبية الكبيرة، وعين بدلاً منهم من يتوسم فيهم تحقيق إنجازات تعيد للحزب شعبيته المتراجعة. ومن رؤساء البلديات الكبرى، انتقل إلى البلديات الفرعية الأصغر، ليعيد هندستها بما يخدم تطلعاته إلى انتخابات العام 2019. هذه التصفيات التي خص بها أردوغان شخصيات هامشية في المشهد السياسي (رؤساء البلديات) هي لأنها لم تعد مفيدة من وجهة نظر حشد أصوات الناخبين لمصلحة الحزب الحاكم. أما تصفية المخاطر المحتملة فتخص نوعاً آخر من الشخصيات.
إذ يتوقع مراقبون أن تكون الخطوة التالية من التصفيات الداخلية موجهة إلى الأخطار المحتملة من شخصيات كانت قيادية بارزة في الحزب، وتم إبعادها عن السلطة في السنوات الثلاث المنصرمة، لكنها يمكن أن تعود إلى ساحة العمل السياسي في غضون السنتين المتبقيتين قبل الانتخابات العامة والرئاسية المزمع إجراؤها في خريف 2019، من خارج الحزب الحاكم الذي سبق وهمشها، وأهم هؤلاء الرئيس السابق عبد الله غل ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو اللذين أظهرا معارضتهما لسياسة الحكم، وإن بصورة طفيفة وخجولة، في مناسبات عدة.
وهناك توقعات بانضمام أحد الرجلين، أو كليهما، إلى «الحزب الجيد» (أو الحزب الخيّر) الذي أسسته ميرال آكشنر المنشقة من حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهجلي، في مرحلة لاحقة، إذا تمكن الحزب الجديد من تشكيل بديل سياسي يمكن التعويل عليه. والحال أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه يملك زخماً قد يمكّنه من تجاوز حاجز العشرة في المئة لدخول البرلمان، مقابل تلاشي حظوظ الحزب القومي الأم في تجاوز الحاجز المذكور. ولا يعود الفضل في هذا الزخم إلى برنامج الحزب الجديد أو رؤيته السياسية أو شعبية الشخصيات المؤسسة، بقدر ما يصدر عن الفراغ السياسي السائد في صف المعارضة، والتوقعات الشعبية من أي بديل للوضع القائم. بكلمات أخرى هناك شعور متزايد عند قطاعات واسعة من الرأي العام بأن أوضاع البلد ما عادت قابلة للاستمرار على المنوال السابق، ولا بد من تغيير ما، ومن بديل جديد يحمّله آماله وتطلعاته.
وانشغل الرأي العام، في الأسبوع الماضي، بانعطافة أيديولوجية غريبة عبر عنها أردوغان في كلمته بمناسبة ذكرى وفاة مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك. فالمعروف أن التيار الإسلامي الذي يتحدر منه أردوغان لا يطيق ذكراً لرمز العلمانية التركية المتشددة الذي أمضى حياته في السلطة في محاربة الإسلاميين، من غير أن يتمكن من القضاء عليهم، وانتقلت هذه المهمة إلى ورثته، من بعده، الذين يمثلهم، بصورة رئيسية، حزب الشعب الجمهوري والمؤسسة العسكرية. فما الذي دفع أردوغان إلى محاولة تملك إرث مصطفى كمال بعد تاريخ من الخصومة الأيديولوجية والإجراءات المضادة لـ»انقلابات أتاتورك» التي وسمت الحياة العامة في تركيا طوال ما يقارب قرناً من الزمان؟ تدور تحليلات كثيرة حول العزلة الشديدة التي وجد أردوغان نفسه فيها بعدما تفرد بالحكم بصورة مطلقة، وتخلص من أقرب حلفائه ـ جماعة فتح الله غولن ـ في أعقاب الانقلاب الفاشل. وحتى داخل الحزب، لم يعد له حلفاء ذوو وزن، بل مجموعة من المصفقين الذين لا يمكن التعويل عليهم في الشدائد. وهكذا بات بحاجة ماسة إلى تحالفات تسنده في عزلته، حتى لو كانت مع حلفاء مؤقتين. فإذا نظرنا إلى اللوحة السياسية القائمة اليوم، سنجد أن أقرب حلفائه هما رئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي، ورئيس حزب الوطن دوغو بيرنجك.
أما بهجلي فقد كلفه تأييد أردوغان في التعديل الدستوري الأخير، وفي جميع إجراءاته، انشقاق كثيرين من عضوية الحزب وانتقالهم إما إلى الحزب الجيّد حديث التأسيس، أو إلى حزب الوطن بقيادة برينجك الذي انتقل من الإيديولوجيا الماوية إلى إيديولوجيا وطنية (قومية) متشددة، واستقطب عدداً كبيراً من الضباط المتقاعدين أو الذين تعرضوا للتصفية من المؤسستين العسكرية والأمنية، حين كان الثنائي أردوغان ـ غولن يحاربون الوصاية العسكرية على النظام السياسي والحياة السياسية.
بكلمات أخرى: حزب بهجلي يتعرض إلى ذوبان سريع في عضويته وشعبيته، بسبب تحالفه مع أردوغان، بعدما دأب، طوال سنوات، على معارضة متشددة للحزب الحاكم. أما حزب بيرنجك، فهو حزب هامشي أصلاً، ولم ينجح في أي انتخابات عامة في إدخال ولو نائب واحد في البرلمان. ومجموع ما يناله من أصوات الناخبين في عموم تركيا هو في حدود مئة ألف صوت انتخابي. لكن قوة هذا الحزب اليساري السابق ـ القومي المتشدد المعادي للإمبريالية حالياً، تكمن في «الدولة العميقة» التي يقال إنه يمثلها من خلال الجنرالات المتقاعدين الذين تمت تبرئتهم بعدما أدينوا في قضايا تتعلق بمحاولات انقلابية (أرغنكون والمطرقة وغيرها) وأمضوا بضع سنوات في السجون.
من بين هؤلاء الجنرالات هناك من زاروا دمشق مراراً والتقوا بالسفاح السوري بشار الأسد، وقيل إن حزب الوطن يقوم بدور الوسيط بينه وبين الحكم في تركيا، والهدف هو إنهاء حالة العداء والعودة التدريجية إلى علاقات عادية، بما في ذلك التنسيق فيما يتعلق بالسياسات المتطابقة، وهي تخص حصراً الموضوع الكردي. وقد أثمرت جهود حزب الوطن، في هذا الإطار، في قلب أولويات السياسة السورية لتركيا من هدف إسقاط النظام إلى منع إقامة كيان كردي في المناطق التي يسيطر عليها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وصولاً إلى تسليم حلب للنظام وحلفائه مقابل إقامة جيب «درع الفرات» شمال حلب. بل أبعد من ذلك، باتت الحكومة التركية تقبل بمبدأ بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، مقابل منع مشاركة حزب الاتحاد الديموقراطي في أي مفاوضات سياسية حول مستقبل سوريا. لقد دفع «التيار الأوراسي» -كما يسمى- داخل الدولة العميقة، ممثلاً بحزب الوطن ورئيسه دوغو بيرنجك، تركيا إلى الابتعاد عن حلف الناتو والتقارب مع روسيا. ومعروفة العلاقات الحميمة بين بيرنجك وألكسندر دوغين المعروف بلقب راسبوتين روسيا الجديد. دوغين الذي يعتبر من مستشاري الرئيس بوتين، كان في زيارة إلى تركيا عشية محاولة الانقلاب الفاشلة، في 14 تموز/يوليو 2016، وغادرها مع أولى أخبار المحاولة الانقلابية.
إنها من المفارقات المحزنة في المشهد السياسي التركي أن أردوغان الذي حارب هذا التيار «المعادي للإمبريالية» قبل عشر سنوات، بات اليوم حليفاً له، بل هو الطرف الضعيف في التحالف والمحتاج إلى الطرف القوي.

٭ كاتب سوري

حين يستعيد أردوغان مصطفى كمال من الكماليين

بكر صدقي

- -

1 COMMENT

  1. هذا المقال يعرب فقد عن رأي كاتب المقال.
    أن رجب طيب اردوغان ما زال الشخصيه الإسلاميه المفتخر بها.
    اعتقد اننا يجب أن نرى العفن السياسي في السعودية و مصر والامارات.
    كل مسلم يجب أن يكون فخور بما يقوم به اردوغان.
    العالم الإسلامي مهان كيف قتل صدام يوم عيد الأضحى المبارك وكيف تم تصفية العقيد معمر القذافي من أجل زركوزي الفرنسي المخادع.
    لماذا هذا الانتقاد إلى اردوغان والكل يعرف أن الغرب ومصر والإمارات من دعم الانقلاب العسكري الذي كاد أن يدمر تركيا.
    تركيا استوعبت ٣.٥ مليون لاجىء سوريا ماذا استوعبت الدول العربيه .
    يا اخي الكاتب تركيا وزعيمها رجب طيب اردوغان هم قلب الإسلام اليوم.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left