المحكمة الاتحادية العليا بوصفها مجرد أداة سياسية!

يحيى الكبيسي

Nov 23, 2017

لم يكن الدستور، ومعه القانون، في العراق على مدى تاريخه الحديث، أكثر من سطر يكتبه القابضون على السلطة، قابل للمحو متى اقتضت مصلحتهم ذلك، والأخطر من ذلك أنه قابل للاستخدام والتأويل بالطريقة التي يقررها هؤلاء أيضا. وهذه الحقيقة ترسخت خلال السنوات التي اعقبت الاحتلال الأمريكي للعراق؛ حيث لم يكن الدستور سوى أداة سياسية، يستخدمه الفاعل السياسي الأقوى في صراعاته السياسية، ولا مجال هنا لجرد الإنتهاكات الدستورية الصريحة والضمنية الكثيرة التي شهدناها طيلة هذه المرحلة، لكننا سنحاول أن نقف حصرا عند ظاهرة عراقية بامتياز، ترافقت مع هذا الاستهتار بالدستور وبالقانون، وهي ظاهرة تحول المحكمة الاتحادية العليا إلى اداة يستخدمها الفاعل السياسي المهيمن اليوم في حسم الصراعات التي يعجز عن حسمها سياسيا!
لقد تشكلت المحكمة الاتحادية العليا القائمة في العراق، اليوم، بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005 الصادر في 17 آذار/ مارس 2005. وقد نص القانون على ان تتكون هذه المحكمة من رئيس وثمانية قضاة، يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء، وقد حددت المادة 4 من القانون صلاحيات هذه المحكمة وهي الفصل بالمنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والانظمة والتعليمات والاوامر، والفصل في المنازعات بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، والنظر في الطعون المقدمة على الاحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري، واخيرا النظر بالدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية ينظم اختصاصها بقانون اتحادي. وأشارت المادة 7 من القانون إلى أن أعضاء المحكمة التسعة يجب ان يؤدوا اليمين أمام رئيس الجمهورية.
في مرحلة لاحقة، تحدث الدستور العراقي الذي تم الاستفتاء عليه في تشرين الاول/ اكتوبر 2005، عن محكمة اتحادية عليا مختلفة تماما؛ من حيث بنيتها وصلاحياتها عن المحكمة الموصوفة في القانون السابق! فالدستور قرر أن تتكون من «عدد من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب» (المادة 92/ ثانيا). كما قرر ان هذه المحكمة تختص بالرقابة على دستورية القوانين، وتفسير النصوص الدستورية، والفصل في المنازعات التي تنشأ عن تطبيق القوانين والأنظمة والتعليمات، وفي المنازعات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات، وبين حكومات الأقاليم والمحافظات، والفصل في الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء، والمصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية، واخيرا الفصل في تنازع الاختصاصات بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية في الأقليم والمحافظات، او بين الهيئات القضائية للأقاليم والمحافظات.
وكان واضحا منذ البداية ان لا احد كان ينظر إلى المحكمة الاتحادية العليا القائمة بموجب القانون رقم 30 لسنة 2005 على انها المحكمة الاتحادية العليا الموصوفة في الدستور العراقي، وذلك للاختلاف الكبير في بنية واختصاصات كل منهما، والدليل على ذلك ان لا أحد طالب بمصادقة المحكمة الاتحادية العليا القائمة على نتائج الانتخابات التي جرت في كانون الاول/ ديسمبر 2005 كما نصت على ذلك المادة 93/ سابعا من الدستور!
لكن التواطؤ بين السلطات الاتحادية العراقية (رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب) مع المحكمة الاتحادية العليا القائمة جعلها تتولى صلاحيات مزدوجة: الصلاحيات الواردة في قانونها، فضلا عن الصلاحيات الواردة في الدستور العراقي في انتهاك صريح للدستور الذي تحدث، كما قدمنا، عن بنية واختصاصات مختلفة تماما عن تلك التي للمحكمة القائمة! هكذا ظلت المحكمة العليا ظلت تمارس اختصاصها كمحكمة إدارية عليا على الرغم من ان الدستور لم يتحدث عن هكذا اختصاص للمحكمة التي أقرها!!!
هذا التواطؤ حول المحكمة الاتحادية العليا إلى اداة سياسية يستخدمها الفاعل السياسي الأقوى لانتاج قرارات حاسمة حسب الطلب، خاصة وأن قراراتها باتة وملزمة للسلطات كافة كما قرر الدستور! وبالتالي لا أمكانية للطعن في أحكامها! بل لا إمكانية لطلب تفسير قراراتها مهما كانت مبهمة أو منتهكة للدستور كما قررت هي هذه المرة! ونتيجة لهذا، اصبحت القرارات الاهم التي تصدرها هذه المحكمة غير الشرعية، التي تمارس الاختصاصات الدستورية، قرارات مسيسة، تنتهك احكام الدستور أو تعمد إلى تأويله تاويلا مفرطا، يعتمد على موقع المؤول و «فهمة المسبق» حسب غادامير، فضلا عن توقيت هذا التأويل واستخداماته في سياقه السياسي!
وكانت اول قضية فضحت هذا التسييس هو قرار المحكمة الاتحادية 22/ اتحادية/ 2007 الخاص بعدم دستورية قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005، الذي حكم انتخابات مجلس النواب لعام 2005! فقد عمدت المحكمة اولا إلى تسويف البت في القضية بشكل مفضوح ( قدمت الدعوى في كانون الثاني/ يناير 2006 ولم يصدر القرار إلا في نيسان 2007 أي بعد 15 شهرا!). وانتهت هذه المسألة إلى قرار مسيس يقر بعدم دستورية المادة 15/ ثانيا من قانون الانتخابات المتعلقة بآلية حساب المقاعد الخاصة بالمحافظات لتعارضها مع احكام المادة 49/ اولا من الدستور، لكنه يقرر في الوقت نفسه أن هذا الانتهاك لا يلغي نتائج الانتخابات لأن هذه الانتخابات جرت بموجب قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية! أي أن المحكمة الاتحادية العليا انتهكت بقرارها هذا، المادة 143 من الدستور العراقي، الذي ألغى قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية فجعلته حاكما لانتخابات جرت بعد الغائه!!!
بل وجدنا المحكمة نفسها، بقضاتها أنفسهم، تصدر قرارين متناقضين بشأن الهيئات المستقلة، الأول كان في العام 2006 قررت فيه أن الهيئات المستقلة لا تتبع أيا من سلطات الدولة وأنها مسؤولة أمام مجلس النواب، في حين قررت في 2011 أن الهيئات المستقلة يجب أن تتبع السلطة التنفيذية وقد كانت هذه ارادة رئيس مجلس الوزراء حينها (المالكي)! ثم اصدرت قرارين متناقضين آخرين فيما تعلق بكون مجلس النواب لا يمتلك صلاحية تقديم مقترحات قوانين من دون موافقة الحكومة في عام 2011 إنفاذا لإرادة المالكي، ثم نقضت هذا الأمر عام 2015 عندما أعادت لمجلس النواب حقه في تقديم مقترحات قوانين! ثم اصدرت قرارين متناقضين آخرين رفضت في الاول طلب تفسير دستوري مقدم من أحد النواب، وتقرر فيه ان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب أو أحد نائبيه او رئيس مجلس الوزراء او أحد الوزراء، هم حصرا من يحق لهم طلب تفسير دستوري عامي 2011 و2013، لكنها قبلت تقديم تفسير دستوري مقدم من أحد النواب العام 2017!!
ومن المهم الوقوف هنا عند قرار المحكمة الأخير 113/ اتحادية/ 2017 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 بشأن المناطق المتنازع عليها، ليس لأنه قدم تفسيرا «مسيسا» لهذه المناطق ينسف كل التفسيرات المعتمدة منذ العام 2004 وحسب، وليس لأنه جاء بتفسير يلغي محتوى المادة 140 من الدستور العراقي وحسب، وليس لأنه يخالف إرادة المشرع نفسه الذي كان يتحدث عن مفهوم مختلف تماما عن ذلك الذي ذهبت اليه المحكمة الاتحادية وحسب، بل لأنه جاء مناقضا لقرار سابق للمحكمة الاتحادية (11/ اتحادية/ 2013) الذي نصت فيه انها لا تختص بإعطاء الرأي بشأن المناطق المتنازع عليها»!!! ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا سياسيا؛ فالقرار الأول صدر عندما كانت العلاقات بين الفاعل السياسي الشيعي المهيمن على القرار السياسي في بغداد، وبين الفاعل السياسي الكردي تحكمها صفقة 2003 في لحظة كتابة الدستور! فيما صدر القرار الثاني حين انتهت هذه الصفقة وابدى الفاعل السياسي الشيعي رغبته في معاقبة الاقليم وإعادة صياغة العلاقة معه!
كانت المحكمة الاتحادية العليا، ولا تزال، جزءا من ازمة النظام السياسي في العراق، بل كانت فاعلا أساسيا في زيادة حدة هذه الازمة، عبر قراراتها المسيسة التي تتخذ حسب الطلب! ولا بد من الاعتراف بانه من دون الإقرار بعدم شرعية هذه المحكمة، وبالتالي عدم شرعية القرارات الصادرة عنها، لا إمكانية للحديث عن أية إمكانية للتعاطي مع أزمة هذا النظام السياسي بجدية.

٭ كاتب عراقي

المحكمة الاتحادية العليا بوصفها مجرد أداة سياسية!

يحيى الكبيسي

- -

2 تعليقات

  1. هكذا هو القضاء دائماً في معظم بلادنا العربية يا أستاذ يحيى الكبيسي
    فالقضاء في بعض الأحيان تابع للطغاة وليس متبوع
    أما القوانين, فالحاكم من يفصلها !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الی من نشکی الحکومة ومحكمتها الاتحادية وهي الخصم والحكم ؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left