فلسطين وأصوات الاحتجاج النادرة

 

لطفي العبيدي

Nov 24, 2017

دأبت الصحف الغربية، خاصة الأمريكية، على تقديم إسرائيل على أنها تقوم بردة فعل تجاه إرهاب فلسطيني أو لبناني، رغبة في تغييب الحقائق عن الجمهور الغربي، وهو توجه إعلامي ملحوظ، وهذا هو «تاريخهم المعقم» باصطلاح تعبير تشومسكي. ولكن الحقيقة أن إسرائيل دائما هي التي تمارس الإرهاب، وإذا ما ردت الضحية تُضيف إسرائيل عدوانا جديدا غير عابئة بالقانون الدولي، ولا يهم إن قُتل مئات المدنيين الأبرياء.
وقد سبق وادعى شيمعون بيريس وغيره من القادة الصهاينة، أن بحثهم عن جنودهم المخطوفين يعبر عن سلوك تجاه قيمة الحياة الإنسانية وكرامتها. وفي الوقت نفسه، وفي ثنايا البحث يتم القتل والتدمير والاعتقال وممارسة التعذيب على النساء والرجال، إنها المفارقة المفضوحة والكذب المكشوف.
اليهود جماعات كانت تاريخيا مُشتتة لهم حقوقهم المدنية والدينية العقائدية في بلدانهم التي يتوزعون فيها، في أماكن مختلفة من العالم، ولكن ليس لهم أي حقوق في فلسطين، فهي ليست أرضهم ولا سبيل لطمس الحقائق التاريخية وتزويرها. أما مقولة «الشعب بلا أرض لأرض بلا شعب» فهي من أكبر المقولات التزييفية الكاذبة في التاريخ البشري، فالجماعات اليهودية مازالت تعيش في بلدان عديدة مثل روسيا وكندا وأمريكا، ومن جُلبوا لفلسطين التاريخية لا يمكن أن يكتسبوا شرعية وطنية فوق أرض افتكوها وشردوا أهلها، ومع ذلك مازال الشعب الفلسطيني يقاومهم لأنهم محتلون ومتحايلون، ووجودهم هامشي وعرضي، أما الوجود الفلسطيني فهو جوهري متأصل. خلاف ذلك كذب ومكابرة وتعنت استعماري حاقد.
القضية الفلسطينية أكبر شاهد على العصر الذي تُنتهك فيه باستمرار الحقوق الوطنية والمقدسات، ويُعتبر هذا أشد دافع لاستمرار الغضب والمقاومة سبيلا لتحرير فلسطين، من دون تدخل النخب الحاكمة في العالم العربي، فهي نخب فاسدة في معظمها تُهرول نحو إسرائيل وتمنع الجماهير من التظاهر وتبطش بها ارضاء للسيد الأمريكي الذي تتوسله التزلف والتقرب المذل.
رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق شيمعون بيريز ذهب إلى واشنطن للتحدث عن السلام في الشرق الأوسط، بعد أن هاجمت القوة العسكرية الصهيونية تونس وقتلت 20 تونسيا و55 فلسطينيا، وهو ما وثقته صحف إسرائيلية آنذاك، وذكره مراسلوهم ومنهم امنون كابليوك من مسرح الجريمة. وتم ذلك بعد أن استقبلت تونس الفلسطينيين إثر طلب من رئيس الولايات المتحدة وقتها رونالد ريغان، بعد أن خلفت الحملة العسكرية الهمجية والمدعومة أمريكيا على لبنان حوالي 20.000 قتيل، مع تدمير البنية التحتية. وجرى العدوان على ضاحية حمام الشط في تونس وقتها بإذن من الأسطول السادس الأمريكي القابع في البحر المتوسط قبالة السواحل التونسية والذي لم يكلف نفسه أمر إخبار السلطات التونسية لتجنب الضحايا الأبرياء. فالأمر كان تواطؤا بكل المقاييس. وبكل وقاحة تُعيد إسرائيل الكرة باستهداف العالم التونسي محمد الزواري أمام منزله وفي بلده غير عابئة بسيادة الدول.
أصوات الاحتجاج النادرة ضد الإرهاب الصهيوني تُدان بشكل صارخ ضمن خط الدفاع والجوقة التي تكيل بمكيالين، أما الذين يشجبون الإرهاب الدولي ولا يذكرون إسرائيل فهم منافقون بالمعنى الأوفى للكلمة. فمثل هذا الكيان الاستيطاني جنبا إلى جنب الولايات المتحدة عطلا الإجماع الدولي الواسع لإجراء مفاوضات تؤدي إلى الاعتراف المتبادل، على أساس حل الدولتين. فحتى هذا التنازل الكبير الذي تختلف بشأنه الآراء وتتصارع المواقف سدت أمريكا وإسرائيل طريقه في كل منعطف، على مدى سنين من التاريخ السياسي المعاصر. فماذا يريدون أكثر من هذا؟ ألا يزيدهم يقينا أن من افتك مُلكا ليس له يدعوك أن تستعيده بالوسائل نفسها التي اُخذ بها؟ هو عنوان تحد وهو بلاغ للناس، ولله في خلقه شؤون.
كاتب تونسي

فلسطين وأصوات الاحتجاج النادرة
 
لطفي العبيدي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left