محللو آخر زمان… والممثلون المقلدون… و«قولوا لقطر» تستحضر «جاري يا جاري»!

الطاهر الطويل

Nov 24, 2017

الابتلاء أشكال وأنواع. منه ما يُحتمل، ومنه ما لا طاقة للمرء به. ولكن شرّ البلاء هو ما ابتُلي به المغاربة، هذه الأيام، بوجود مَن يُطلق عليهم «المحللون السياسيون» الذين يشغلون شاشات التلفزيون الرسمي، حيث يُنادَى عليهم لملء الفراغ بكلام في السياسة وفي غير السياسة. والواقع أن مهمتهم الأساسية الموكولة إليهم هي تلميع الصورة الرسمية.
على أنه ليس من اختصاص «محللي آخر زمان» تمجيد الحكومة، فقد رأينا كيف ينهالون عليها بوابل من الذم والتنقيص (خصوصا في عهد رئيسها السابق)، ولكن دورهم ينحصر في محاولة التأثير على الرأي العام الداخلي بكلام مُوحَى إليهم من لدن مَن فرضوهم فرضا على إدارات القنوات الرسمية.
وهم يجهلون أو يتجاهلون أن الناس ما عادت تصدّق كلام التلفزيونات الرسمية الخاضعة لسلطة أعلى تتجاوز سلطة الحكومة. (وقد رأينا كيف أن عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق، يشكو من «حيف» بعض القائمين على التلفزيون الرسمي و»تجنيهم» عليه). فلشبكات التواصل الاجتماعي وللمواقع الإلكترونية، اليوم، تأثير أقوى في المواطنين، وقدرة على انتشار الخبر والمعلومة والصورة الفوتوغرافية والفيديو بشكل أسرع، دون التحري المطلوب في مدى صدق المحتوى أو كذبه.
يُضاف إلى ذلك أنه بخلاف الإعلام الإلكتروني الذي يعتمد التبسيط والسهولة ولغة قريبة من المواطن العادي، فإن أولئك المحللين يستعملون تعبيرات وألفاظا يحاولون بها «التعالُم» و»الاستعراض»، مُعتقدين أنهم يحسنون صنعا، ولكن ذلك يزيد من نفور الناس منهم ومن صورهم التي باتت تسكن الشاشات.
ومن عجائب «محللي آخر زمان» أن لهم قدرة رهيبة على الكلام في أي شيء يُعرض عليهم أو يُستدعَون للخوض فيه، من التحالفات الحزبية والسيناريوات السياسية المحلية والإقليمية والعربية والدولية، إلى القضايا الأمنية والإستراتيجية والاقتصادية، وصولا إلى قضايا الأبحاث الفضائية والأقمار الصناعية… فهذا يدلي بدلوه (الفارغ أصلا) في موضوع كوريا الشمالية وصراع القوى العظمى والتهديد النووي؛ وذاك يحشر أنفه في الشأن الجزائري ليتحدث عن «الصراعات» الموجودة هناك بين التيارات المختلفة، من باب الغمز واللمز؛ وثالث يتجرأ أكثر ليستعرض معلومات جمعها من هنا وهناك من أجل الحديث عن المراحل التي قطعها القمر الصناعي المغربي، قبل أن يكون جاهزا، وخصوصية القاعدة التي انطلق منها قبل بضعة أسابيع، وسرعة الصاروخ الحامل للقمر المذكور؛ مردّدا بزهو: «لقد صارت لنا عين في الفضاء»! علما بأن تكلفة تلك «العين» بلغت زهاء نصف مليار يورو، وذلك في إطار صفقة بين المغرب وفرنسا.
وبقي أولئك المحللون عالقين في الفضاء، منتشين بالقمر الصناعي المغربي الذي سيقوم بمهام المراقبة والاستطلاع، ولم ينزلوا إلى الأرض، ولم يروا بأمّ أعينهم، ولا أخبرتهم حتى «عينهم» المزروعة في الفضاء بوجود تجمهر غفير للنساء في منطقة قريبة من الصويرة، يتزاحمون ـ منذ أيام قلائل ـ من أجل الظفر بكيس دقيق ومساعدات غذائية لا تتعدى قيمتها حوالي 15 يورو للمرأة الواحدة.
وظل «محللو آخر زمان» وكأن على رؤوسهم الطير وكأنهم أصيبوا بالخرس، إذ اختفوا من على الشاشات، وتأكد بالملموس أن وفاة 15 امرأة في حادث تدافع من أجل الظفر بقوت عيش ظرفي ومؤقت، دليل على إفلاس الخطاب الذي يسعون لتروجيه عبر التلفزيون، خطاب تنميق صورة المغرب في الداخل والخارج، وتمجيد السياسة المتبعة التي ثبت فشلها بالملموس، لكونها تكرّس الثراء الفاحش لفائدة قلّة ممن يستحوذون على ثروات البلاد، وفي المقابل تُعمِّق الفقر المدقع لدى فئات عريضة من المواطنين، ممّن يجود عليهم البعض بصدقات لا تسمن ولا تغني من جوع ولا تقي من قسوة برد جاثم!

نمطية واجترار

مشكلة بعض الكوميديين المغاربة أنهم يحصرون أنفسهم في قوالب جاهزة وشخصيات نمطية، لا يخرجون منها أبدا، معتقدين أنها تستهوي الجمهور في المسلسلات والأفلام التلفزيونية والسينمائية وفي الفقرات الساخرة.
وهم ينسون أو يتناسون أن الجمهور إذا قبلك في دور معين، فلا معنى لبقائك مسجونا فيه، بل لا بد من التنويع في أداء الشخصيات المختلفة، لإبراز مهاراتك التمثيلية. ومن ثم، فلا معنى لأن نجد ممثلين مغاربة ما زالوا يجترون شخصية البدوي أو شخصية البليد، ويعتبرونها علامة مميزة لأسلوبهم في التشخيص. كان ذلك مقبولا في السبعينيات والثمانينيات ـ مثلا ـ خلال العقود الأولى من احتكاك الفنانين المغاربة بالدراما الإذاعية والتلفزيونية، وكان مقبولا أيضا إلى حد ما حين كانت ثمة قناة تلفزيونية واحدة، يضحك فيها المغاربة لعفوية الكوميدي عبد الرؤوف وبساطته في الأداء ولمستملحاته الطريفة.
ولكن الأمر لم يعد مقبولا، نظرا لتعدد الفضاء التلفزيوني وكثرة القنوات الملتقطة وانفتاح المشاهد المغربي على مختلف الأعمال الفنية العربية والعالمية، مما يتيح إمكان المقارنة والاختيار. كما أن وجود معهد عال للفن المسرحي والتنشيط الثقافي يوفر تخرّج ممثلين ذوي تكوين أكاديمي عال.
وفي المقابل، انتشرت صناعة الفيديوهات بأبسط الوسائل وذيوعها عبر وسائط الاتصال المعاصرة، حيث غدونا أمام «نجوم» لهم طريقتهم الخاصة في جلب نقرات الإعجاب من لدن مستعملي الإنترنت.
أمام هذا الواقع الجديد الذي يطرح منافسة شرسة في الميدان الفني، لا معنى لأنْ يجتر بعض الفنانين شخصيات البدوي والبليد، ويكرروها كلما شاركوا في عمل فني جديد أو استضافهم برنامج تلفزيوني حواري معين، فالمسألة قد تقود إلى الممل، والممل عدو الإبداع وعدو المشاهدة التلفزيونية، وهو ما قد يؤدي إلى خفوت نجومية الفنان وربما اندثارها إلى الأبد.

«قولوا لقطر… سنبقى جيران!»

السياسة تقوم على حسابات اللحظة ومتغيرات الظروف، والإبداع الحق يفترض أن يجسد القيم الإنسانية التي لا تتأثر بالعوامل السياسية الظرفية. تلك حقيقة غابت عن الفنانين المشاركين في أغنية «قولوا لقطر» وقبلها أغنية «علّم قطر»، اللتين بثتهما مرارا وتكرارا قنوات التحالف المناهض لهذا الجار الخليجي. لقد أنجزوا أغنية تحت الطلب، تساير الشأن السياسي اللحظي، الذي لا شك في أنه سيتغير مع توالي الأيام والشهور.
أغنية «قولوا لقطر» غارقة في «الشوفينية» ومجسدة للنظرة العدائية للآخر. ومن يكون هذا الأخير غير الجار الذي تتقاسم معه شعوب المنطقة روابط الدم واللغة والدين والثقافة وغيرها؟
واقعة أساءت فيها حسابات السياسة إلى الفن، مثلما أساء الفنانون المشاركون فيها إلى أنفسهم، قبل أن يسيئوا إلى جيرانهم؛ ما جعل، الإعلامي معتز مطر في قناة «الشرق» المصرية المعارضة، يعلّق بحرقة قائلا، إنها أول أغنية تصدر من دولة ضد دولة أخرى. ويتساءل: لماذا لم ينجز أولئك الفنانون من قبل أغنية ضد الكيان الصهيوني مثلا؟
أما قناة «الجزيرة» فخصصت أحد تقاريرها للتعليق على الواقعة، حيث ربطت بين تغريدة كتبتها المطربة الإماراتية أحلام قالت فيها «ألا ليت الفن يعود راقيا كما عهدناه» (قبل حذفها)، وبين قرار قناة «أم بي سي» استبعاد تلك الفنانة من برنامج «ذي فويس» ومن كل برامجها». وجاء الرد القطري من خلال أغنية حملت «جيران ومنبقى على طول جيران». ومن هنا، يحق التساؤل: بأي وجه سيقابِل الفنانون المشاركون في أغنية «قولوا لقطر» زملاءهم القطريين ومعجبيهم حين ستزول هذه السحابة، وتصفو الأجواء والخواطر؟
ويتذكر المغاربة أغنية اشتهرت منذ منتصف الثمانينيات، كتب كلماتها الراحل أحمد الطيب العلج، ولحنها الراحل عبد القادر الراشدي، وغنتها المطربة المتألقة نعيمة سميح. حملت الأغنية عنوان «جاري يا جاري». كان الناس يرددون في ما بينهم أن المقصود بالأغنية إيحاءً لا تعيينا، هم حكام الجزائر، لكن لا توجد بين كلماتها أية مفردة تحيل على الجزائر بالاسم مباشرة، وإنما كانت دعوة للأخوة والمحبة بين الجيران. تقول كلماتها: «جاري يا جاري، يا اللي دارك حدا داري، خللينا نمشيو في الطريق، رفاقة وصحاب، العشرة والدين والنسب، نوليو دراري، شفايا للعدا، وكلنا نساب وحباب…» ، وصار العنوان بعد ذلك لصيقا ببرنامج في قناة «ميدي1» نظرا لعمقه الإنساني ونبله الإبداعي.
كاتب من المغرب
tahartouil@gmail.com

محللو آخر زمان… والممثلون المقلدون… و«قولوا لقطر» تستحضر «جاري يا جاري»!

الطاهر الطويل

- -

10 تعليقات

  1. للامانة ليس فقط التلفزيون الحكومي وحده الذي استقطب ظاهرة
    -
    المحللين الاعجوبة بل حتى المواقع الالكترونية تنافس على جلب
    -
    محللي الاعاجيب و انضاف لهم مثقفوا اخر الزمان و مفكروه
    -
    و الغريب انك ترغم في اكراه ثقافي مر على مصادفة احد الئك
    -
    يحلل و يشرح كل الظواهر و لا يتعب بل قد تجده مشاركا حتى
    -
    في الوقفات الاحتجاجيا كمدعو لتزيين الموقف و بهرجته
    -
    تحياتي

  2. أنت من الآن في خانة المغضوب عليهم في المغرب قد يصنفونك بعدو الوطن إن لم يلفقوا لك تهمة مثل أحد زملائك الذي مازال يقبع في سجن عكاشة بتهمة محاولة ادخال دبابة روسية الى الريف هذا بعدما عجزوا عن ايجاد تهمة جاهزة له مثل تلك التهم التي شارك في محاولة إلصاقها بنشطاء والتي روج لها محللون من تلك الاصناف التي تحدثت عنهم فوصفوهم بالصفوية وبلتقى أموال خارجية من أعداء الوحدة الترابية وبالانفصاليين أن ا تستقر كل هذه التهم وجمعت في ،،مرميطة،، وحدة الآن تطبخ على نار هادئة ..

    • يا هدى الله يهديك ما كتبه السيد الكاتب يعرفه طل متتبع للشأن المحلي
      -
      و يتم التطرق اليه بدون متابعة اوعقاب المواطن المغربي منذ القديم
      -
      لا يثق بما يروجه التلفيزيون و هذا شيء يحسب له
      -
      تحياتي

  3. الاقلام و الأفواه المأجورة لأشباه الصحفيين و المحللين و المطبلين بالعام زين في المشهد الإعلامي المغربي أصبحت مهزلة طفح الكيل منها ، لا أدري أليس هناك عقلاء و حكماء ليقولوا حرام عليكم الصورة العقيمة و المقززة التي يصور بها المغرب . طاب صباحكم سيدي الكاتب و الله يصاوب لهاد البلاد كما يقول المثل المغربي .

  4. استحضرت عزيزي الكاتب انه عندما سيكتشف المواطن ان هؤلاء الهصلاصيون المهرولون الممجدون استفادوا و انعم عليهم بالمادونيات و البقع الارضيّة و المناصب لذويهم و بنيهم و حاشيتهم سيقولون لنا بأنهم كانوا من خدام الدولة الاوفياء كما هو الحال .

  5. مشكلة الاعلام الرسمي في الدول العربية انه يغيب الحقائق ويزيف الوقائع لمكيجة الوجوه الذميمة. شكرا للاعلام الحر عبر النت ولصحافة المواطن.

  6. نعم، يا هدى، (قد) يصنفونه بعدو الوطن، وقد يلفقون له تهمة، وقد يتهمونه حتى بالخيانة العظمى و (قد)… ولكن، كما يعلم النحويون واللغويون، هذه ال (قد) تفيد أحيانا الشك والشك ينقض الوضوء و (قد) ينقض أشياء أخرى. وفي الحقيقة، (قد)، هذه عندما تستعمل مع الفعل المضارع، يصعب أحيانا تحديد وظيفتها بعكس تلك التي تستعمل مع الماضي:
    فنقول مثلا:- ونحن نسرد وقائع ولا نرجم بالغيب- قد حكم على محمد بنشيكو بسنتين سجنا بتهمة ملفقة وهي مخالفة قانون العملة بينما سجن لأنه انتقد بوتفليقة في كتابه ( بوتفليقة، بهتان جزائري) ونقول أيضا، إن سعيد شيتور المتعاون مع صحيفتين أجنبيتين، قد اتهم بالتخابر مع جهات أجنبية وأن عبد السميع عبد الحي اعتقل لمدة عام ونصف بطريقة غير قانونية وأن أربعة صحفيين اعتقلوا سنة 2014 لتغطيتهم وقفة احتجاجية ضد ترشح بوتفليقة…
    الفرق شاسع بين (قد) التي تفيد الإحتمال وتلك التي تفيد اليقين.

  7. الى المغربي عبد المجيد
    لست أدري لماذا يحاول البعض التلاعب بالالفاظ وتحويل النقاش بعيدا عن محتواه ، نحن لست في درس اللغة العربية نحن بصدد مناقشة تهم قضية طغيان في بلد أمير المؤمنين ،في بلد التهم الجاهزة حتى تلك المضحكة ،كنت أتمنى أن تنفي ولو بغير اقناع التهمة الموجهة للسيد المهداوي بادخال دبابة روسية الصنع الى الريف لو قاللوا الى البوليساريو لهان الامر أما الى الريف وعن طريق سبتة فهذه ليست كيلوغرامات من الحشيش يمكن رشوة الجمارك المغربية لتسهيل مرورها .الغريب أن وكيل الملك وليس وكيل الشعب ما زال متمسكا باتهامه جاعلا من القضاء الواقف أضحوكة ومحل سخرية أمام اجهزة الاعلام العالمية لدرجة أن البعض بدأ يتهكم ليستوضح ان كانت النقطة قد سقطت سهواًعن الذال .والمصيبة الكبرى أن القضاء الجالس أو الجامد ،،قد،، يصدق التهمة فهذه تدخل في التآمر على الملكية وعقوبتها يعلمها الله،، أوافقك الراي عن كل ما قلته عن الجزائر ولكن الحمد لله لم تصل بهم البلادة والغباء لدرجة اتهام أي صحافي بادخال دبابة ،ولو حدث فتأكد بان النائب العام أ و قاضي التحقيق سوف يتم عرضه دون تردد على طبيب نفسي ويفصل نهائيا في الحالتين

  8. صحيح ما كتب يغرفه العادي والبادي في المغرب وتنشر الجرائد والمواقع أكثر منه وأكثر جرأة ففي المغرب حرية تعبير كبيرة وهذا مكسب للبلد اما ما قام به الكاتب هو نقد موضوعي بعيد عن الشخصية او الشخصانية ولم يستعمل اسلوب التجريح او القذف كلام معقول كلام جميل ما قدرش اقول حاجه عنو شكراا للقدس العربي جريدة كل مواطن عربي غيور على وطنه الكبير وامته

  9. يا هدى هداكي الله،نعرف البير و غطاه ،المغرب ليس سائبا على الاقل هناك حد ادنى من دولة القانون،ما يقال علنا في المغرب اكثر جرأة مما في هذا المقال،و لعلمك الوقفات الاحتجاجية لا تهدأ هنا و هناك و لكن سيف العدل يستل بين الحين و الاخر لتصفية حسابات و تلفيق تهم لبعض الخصوم السياسيين و لكن الامر برمته ليس سياسة دولة ممنهجة بل تصفيات داخلية بين الفاعلين السياسي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left