الفاشية الأوروبية: تكره السامية وتحب إسرائيل!

مالك التريكي

Nov 25, 2017

قبل يوم واحد من صدور حكم الإدانة على راتكو ملاديتش بارتكاب أبشع جرائم حرب شهدتها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، قال زعيم صرب البوسنة الحالي ميلوراد دوديك «أيا كان الأمر، سوف يبقى ملاديتش بطلا أسطوريا في عيون الأمة الصربية». تصريح يضاف إلى شواهد لا تحصى على أن الكراهية الأوروبية للمسلمين ليست مجرد مسألة تاريخية، بل إنها حاضر مستمر لا يزال يتزود بطاقة متجددة من الغرائز العمياء. وقد تكون هذه الكراهية في بلدان أوروبا الغربية قابلة لمحاولات التفسير: ذلك أن طول الاحتكاك منذ عقود بين ملايين المهاجرين المسلمين وبين السكان الأصليين، وخاصة المنتمين منهم للشرائح ذات الدخل الضعيف والتعليم المحدود، لم يؤد في معظم الحالات إلى الاستمتاع بمباهج التنوع الثقافي! كما أن توتر الأوضاع الاجتماعية قد تفاقم بعد عام 2015 لأن تدفق مئات الآلاف من اللاجئين، الذين كان معظمهم من السوريين، قد أضرم نيران الهلع التي كان من السهل أن تؤججها العمليات الإرهابية التي ما تنفك بعض الجهات، المصنفة إسلامية، تواظب على ارتكابها والتي لا يسأم بعض الإعلام الأوروبي معاودة طبخها وجبة لازمة يغذي بها الجمهور – وجبة سمّها سابق على دسمها أصلا، دونما حاجة دعائية إلى اجتهاد أو اختلاق.
ولكن إذا كانت كراهية المسلمين قابلة لمحاولات الفهم والتفسير في أوروبا الغربية، فإن ما هو مثير للعجب هو أن تنتشر هذه الكراهية في أوروبا الشرقية أيضا رغم القلة النسبية لعدد المهاجرين المسلمين هناك.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك أن نشطاء اليمين الفاشي نظموا يوم 11 من هذا الشهر مسيرة في العاصمة وارسو شارك فيها حوالي ستين ألف متطرف ورفعت فيها لافتات عنصرية تطالب بالحفاظ على النقاء العرقي الأوروبي. وقد كان بينها لافتة تحث الجمهور على «الدعاء من أجل هولوكوست إسلامي»، أي الابتهال إلى السماء من أجل وقوع محرقة يباد فيها ملايين المسلمين!
وقد تبين في الأعوام الأخيرة أن بولندا والمجر هما أكثر البلدان الأوروبية مقتا للاجئين وقسوة عليهم. وقد تكون عنصرية الإسرائيليين ضد المسلمين واللاجئين هي من أسباب التقارب بين حكومة الكيان الصهيوني وحكومة «حزب القانون والعدالة» اليميني المتطرف في بولندا، حيث أن نتنياهو قد تبادل الزيارات في الفترة الأخيرة مع رئيسة الوزراء البولندية بياتا جيدلو. وليس أدل على عدم اكتراث ساسة إسرائيل، في حقيقة الأمر، بذكرى المحرقة النازية وضحاياها (إلا عندما يتعلق الشأن بابتزاز بقية البشرية ماليا ومعنويا، على النحو الذي سبق أن بينه الكاتب الأمريكي نورمان فينكلشتاين في كتابه الشهير «صناعة الهولوكوست»)، من أن الحكومة البولندية، المغرقة في نزعة العداء للسامية، تحاول الآن تنقيح كتب التاريخ المدرسية بهدف إنكار حقيقة تواطؤ بعض البولنديين مع قوات الاحتلال النازي في تنفيذ الهولوكوست. فقد شككت وزيرة التعليم آنا زالفسكا، في حوار مع التلفزيون الوطني البولندي، في حقيقة وقوع محرقة في بلدة يادفابني، حيث أقدم بعض البولنديين، عام 1941، على الإلقاء بأكثر من ثلاثمئة يهودي في النيران، وقالت إنها «مسألة رأي شخصي». أي أن هذه المحرقة لا تدخل في نطاق الوقائع الثابتة وإنما هي مسألة رأي ونظر.
وبعد ذلك أظهر استطلاع للرأي العام أن ثلث البولنديين يوافقون الوزيرة، هذا رغم أن الأبحاث التاريخية أثبتت أن العدد الحقيقي لليهود الذين أحرقهم البولنديون عام 1941 لم يكن ثلاثمئة وإنما ألف وستمئة.
ومن عجائب هؤلاء الفاشيين الأوروبيين أنهم يجمعون بين المتناقضين: معاداة السامية مع مناصرة إسرائيل! حيث أن ميخائيل كامينسكي الذي كان عضوا في البرلمان الأوروبي عن حزب القانون والعدالة، والذي كان رئيسا للجنة إنقاذ سمعة يادفابني (أي تبرئة البولنديين من تهمة المشاركة في المحرقة) لا يألو جهدا في الدفاع عن إسرائيل، حتى أن رئيس تحرير صحيفة الجالية اليهودية البريطانية «جويش كرونيكول» ستيفن بولارد قد امتدحه بأنه أفضل صديق يمكن أن يتمناه اليهود.
ولهذا لا يستغرب إن كان ضمن المشاركين في المسيرة العنصرية في وارسو مؤسس «رابطة الدفاع الإنكليزية» العنصرية تومي روبنسون الذي يمتاز هو أيضا بأنه (بالإذن من المطرب شعبان عبد الرحيم) يكره السامية ويحب إسرائيل.

٭ كاتب تونسي

الفاشية الأوروبية: تكره السامية وتحب إسرائيل!

مالك التريكي

- -

1 COMMENT

  1. يا سيدي الأوروبيين الشرقيين بشكل عام ، يغارون ويحسدون الأجانب من أصول غير أوروبية على مستوى معيشتهم في اوروبا الغربية،و يعتقدون ،اذا ما غادر هؤلاء الأجانب اوروبا الغربية ستفتح لهم أبواب الارض والسماء، ويغذي هذا الاعتقاد قادة فاشلين نشأوا وترعرعوا في ظل الاشتراكية العالمية ومعتقداتها الاممية كرئيس وزراء المجر الحالي ورئيسة وزراء بولندا الحالية.
    بحكم عملي في المانيا ، عندي احتكاك دائم باوروبيين شرقيين، وجهات نظرهم وآرائهم بعيدة عن الواقع وحتى عن الحضارة الغربية الحديثة بعد الارض والسماء، وبرأيي الشخصي ارى ان الأجانب من أصول غير أوروبية اكثر ثقافة وحضارةً من الأغلبية العظمة من سكان اوروبا الشرقية قاطبةً.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left