تونس: التحديات الاقتصادية تُربك الانتقال الديمقراطي

رشيد خشانة

Nov 25, 2017

تُجابه تونس تحديات اقتصادية جمة ألقت بظلالها على الوضع السياسي، وهي تُعزى في الدرجة الأولى إلى تراجع الاستثمار وتفاقم العجز في الموازنة، الذي وصل إلى 70 في المئة من المنتوج الداخلي الخام، وارتفاع التضخم وزيادة المديونية. على عكس الجارتين الجزائر وليبيا، لا توجد في تونس حقول نفط كبيرة، لاستخدام إيراداتها في امتصاص الخضات الاجتماعية، بل على العكس يُساهم العجز في المحروقات في زيادة الاعتماد على الاستيراد واستنزاف موارد البلد الضئيلة من العملة الأجنبية. ويُغطي المنتوج المحلي من النفط حوالي 40 في المئة من حاجات البلد، إذ يبلغ متوسط الانتاج 44 ألف برميل في اليوم ووصل في هذا الشهر الى 45 ألف برميل، لكنه تراجع في أغسطس (آب) الماضي إلى 20 ألف برميل فقط، بسبب احتجاجات وقطع طرق واحتجاز الشاحنات التي تنقل النفط. وعليه فإن التفاهم مع النقابات كفيلٌ بتأمين استقرار الانتاج والتخفيف النسبي من الأعباء. غير أن تقادم تجهيزات مصفاة بنزرت، وهي المصفاة الوحيدة في البلد، والتي أنشئت في ستينات القرن الماضي، سيُضاعف من الاعتماد على النفط المستورد. وتُكرر المصفاة نفطا مستوردا فيما يُصدر النفط الخام المحلي إلى الخارج لتكريره، لأن المصفاة لا تُكررُ إلا أصنافا محددة من النفط الخام. ويُتوقع تراجع الانتاج الاجمالي من المحروقات في هذه السنة بنسبة 13 في المئة قياسا على السنة الماضية. ولعب الفساد دورا كبيرا في ضرب قطاع الطاقة على أيام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إذ حقق القضاء مع ثلاثة مديرين عامين للمؤسسة الوطنية للنفط بعد الإطاحة ببن علي اتهموا بالضلوع في عمليات فساد. واستدعى القضاء أول أمس وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة المهندس خالد قدور للرد على تهم تتعلق بفترة إدارته لمؤسسات نفطية عمومية قبل تسميته في منصبه الحالي. ويُرجح أنه سيستقيل من منصبه للمثول أمام القضاء. ويعتبر قدور ثاني وزير يُضطر للاستقالة من الحكومة الحالية للمثول أمام القضاء، بعد وزير المال السابق فاضل عبد الكافي، الذي استقال أيضا من منصبه، إلا أن القضاء برأه تماما من التهم التي وُجهت إليه.

استعادة الأسواق

ومع أن الفوسفات يُعتبر نفط تونس، إذ كانت تحتل الرتبة الرابعة عالميا بين مُنتجي هذه المادة قبل 2011، أدى تعاقب الحركات الاحتجاجية في منطقة الحوض المنجمي (جنوب غرب) إلى انهيار الإنتاج إلى النصف، بالاضافة لخسارة أسواق تقليدية وإلغاء صفقات، بسبب تأخير وصول الشحنات أو عدم وصولها أصلا. ويُحاول التونسيون استعادة تلك الأسواق تدريجيا، بالرغم من الصعوبات، لكي تعود إيرادات الفوسفات والأسمدة الفوسفاتية مصدرا من مصادر الدخل من العملات. بهذا المعنى يمكن القول إن المشاريع الكبرى التي تُمكن من تحصيل العملة الصعبة هي التي سيتعين على تونس التركيز عليها في الفترة المقبلة. وكانت تونس أقامت مؤتمرا دوليا لاستقطاب المستثمرين من القطاعين العام والخاص العام الماضي تحت شعار «تونس 2020»، وعرضت خلاله عشرة مشاريع استراتيجية، لكن لم يتم الشروع في تنفيذ أي منها حتى الآن، بسبب شح مصادر الاستثمار. ومن تلك المشاريع إنشاء ميناء للمياه العميقة في منطقة النفيضة (وسط) شبيه بالميناء الدولي في طنجة المغربية. وتُضطر السفن التجارية حاليا للانتظار أوقاتا طويلة في عرض البحر أمام ميناء رادس، وهو الميناء الرئيس للعاصمة تونس، والذي لم يعد يستوعب كثافة حركة السفن. كما أن السفن العملاقة لا يمكن أن ترسو في هذا الميناء ولا في الموانئ التجارية الستة الأخرى في البلد.

مشروع إقليمي

ويُكلف الانتظار نفقات إضافية ما يستوجب وضع حد لها بإقامة ميناء جديد قادر على استقبال سفن تصل حمولتها إلى 80 ألف طن. وبحسب دراسة الجدوى يمكن أن يُؤمن مشروع ميناء المياه العميقة 20 ألف فرصة عمل بشكل مباشر وغير مباشر، بالاضافة لإقامة منطقة صناعية وشبكة مخازن، فضلا عن إمكانات توصيل السلع إلى ليبيا والجزائر أيضا عبر شبكة الطرق التي تربط بين ميناء النفيضة وغرب ليبيا وجنوب الجزائر. وأشارت الدراسة إلى أن الميناء سينشط مطار النفيضة الذي مازال يعمل بطاقته الدنيا ويستقبل عددا ضئيلا من الرحلات السياحية، على الرغم من دخوله حيز العمل منذ 2010.
وشكلت انتعاشة القطاع السياحي في السنة الجارية علامة إيجابية، بعد سنوات ضرب خلالها الإرهاب هذا القطاع، فانهارت موارده وأحيل مئات الآلاف من العاملين فيه على البطالة. أما القطاع الزراعي فمازال لا يحظى بالاهتمام الذي يجدر أن يُمنح له في بلد يملك إمكانات زراعية كبيرة، وكان يُعتبر مطمور روما في العصر القديم. ومن نتائج هذا الإهمال أن تونس ستستورد هذا العام 100 ألف طن من القمح و50 ألف طن من الشعير، على الرغم من أن المنتوج الداخلي من القمح سيبلغ مع نهاية السنة 1.6 مليون طن.

توافق بين ستة أحزاب

ومع التحديات الاقتصادية التي تجابهها حكومة يوسف الشاهد، الذي تسلم رئاسة الحكومة في أغسطس (آب) العام الماضي، بعنوان التوافق بين ستة أحزاب ومنظمتي العمال وأصحاب العمل، يتعرض رئيس الحكومة لضغوط من حزبه «نداء تونس»، الذي يقوده نجل رئيس الجمهورية حافظ قائد السبسي، لإملاء التسميات والقرارات عليه. كما تسممت أخيرا العلاقات بين شريكين في الحكومة هما حزب «النهضة» وحزب «آفاق تونس»، فيما استقال ممثل حزب ثالث هو «الجمهوري» من حزبه، ما أدى إلى انسحاب الحزب، الذي كان من المعارضين البارزين للرئيس المخلوع بن علي، من مقاعد الحكم. وأدت الحملة التي أطلقها الشاهد منذ أشهر على الفساد إلى اتهامه بالتحضير للانتخابات الرئاسية المقررة للعام 2019، مع أن هذا الأمر إن حصل، فهو طبيعي في أي نظام سياسي ديموقراطي. وأتى الاتهام من حزبه «نداء تونس»، كما طالته في الوقت نفسه «نيران صديقة»، عندما طلب منه رئيس حزب «النهضة» راشد الغنوشي، حليف «نداء تونس»، تعهدا علنيا بالامتناع عن ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية المقبلة. وأتى الشاهد ثانيا في استطلاعات الرأي بعد الرئيس قائد السبسي، ما أزعج كثيرا من السياسيين المخضرمين، وخاصة في حزبه الذي تصدع بفعل الصراعات الشخصية بين قياداته، إذ فرخ ثلاثة أحزاب صغيرة منشقة عنه.

رهانات اقتصادية

من هنا فإن كسب الشاهد رهانه على إصلاح الاقتصاد، الذي يتماشى مع مطالب صندوق النقد الدولي، الدائن الرئيس لتونس، سيضعه على السكة الموصلة لكرسي الرئاسة، إذا لم يستجب الباجي قائد السبسي للطلبات المُلحة من المربع المحيط به، والرامية لإقناعه بمعاودة الترشيح لولاية ثانية، تستمر خمس سنوات. بهذا المعنى يخدم السياسي الاقتصادي، ويصبح النجاح الاقتصادي مطية لتحقيق الأهداف السياسية. والأرجح أن العواصم الدولية المؤثرة في الوضع التونسي، وبخاصة فرنسا والولايات المتحدة، تدعم تشبيب النخبة السياسية وضخ دماء جديدة في شرايينها، بعدما بات الشيوخ يُهيمنون عليها، وتحديدا الثنائي قائد السبسي والغنوشي.
وتُلقي الصعوبات السياسية والاقتصادية ظلالا من الاحباط على فئة الشباب، التي تعيش حالا متقدمة من التهميش والإحباط، فهي لا ترى نفسها في الجيل القديم الماسك حاليا بالسلك الكهربائي، وتتطلع إلى مكانة أكبر ودور أكثر فعالية في التجربة الديمقراطية، لكونها لم تتمتع حتى الآن بثمارها. ويدفع الشباب ثمن أزمة النظام التعليمي الذي أدى إلى انفصام بين حاجات سوق العمل ومخرجات المؤسسات التربوية، فيما يتردد كثيرا الحديث عن إصلاح شامل للمدرسة والجامعة من دون الانتقال فعلا إلى الإصلاح. ورُبما يُعزى ذلك التأخير إلى عدم الاستقرار الحكومي، فمنذ الاطاحة بالنظام السابق تعاقبت على البلد سبع حكومات، أي أن متوسط عمر الحكومة لا يزيد عن سنة واحدة، ما أخر البت في ملفات حارقة.

هل قُضي على الإرهاب؟

يتداخل هذا الملف الاجتماعي الحارق مع ملف آخر لا يقل عنه سخونة وحساسية، وهو المتعلق بمكافحة الإرهاب، الذي وجه ثلاث ضربات قاسية لاقتصاد البلد في السنة قبل الماضية، ومازال لم يتعاف منها تماما. ومع أن نجاح الأجهزة الأمنية في استئصال الشبكات الإرهابية أعاد الاطمئنان إلى القلوب، والثقة إلى مستثمرين أجانب، فإن المعركة لم تُحسم بعدُ، لاسيما في ظل شبح عودة التونسيين الذين قاتلوا في العراق وسوريا ولم يعد لهم من ملاذ اليوم سوى بلدهم. مع ذلك يمكن القول إن الإرهاب لم يعد الخطر الأول الذي يهدد التجربة الديمقراطية اليافعة في تونس، وإنما هي المصاعب الاقتصادية التي باتت الباب الذي يمكن أن تعصف منه رياح الاحتجاجات الاجتماعية، مع استمرار ارتفاع الأسعار وإفلاس صناديق التأمين، وصولا إلى عجز الحكومة عن صرف رواتب موظفي القطاع العام ولجوئها إلى السحب من أبواب أخرى لتدبير أمورها. وطالما لم يتحرك الاستثمار ولم تستأنف عجلة التصدير دورانها بالوتيرة التي كانت عليها قبل 2011، سيكون من الصعب على الحكومة الحالية أن تُجابه التحديات الكبيرة في المجالين الاجتماعي والسياسي.

تونس: التحديات الاقتصادية تُربك الانتقال الديمقراطي

رشيد خشانة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left