عزيزي غوارديولا… أرجوك لا تحرمنا من قرينك الإيطالي ماوريسيو ساري!

عادل منصور

Nov 25, 2017

لندن ـ «القدس العربي»: حدث ما كان يتوقعه وينتظره الكثير من المُتيمين بكرة القدم الجميلة، بتجدد أمل أحد أمتع أندية أوروبا في تجاوز دوري مجموعات الأبطال، بعدما كان على أعتاب الخروج المُبكر لولا انتصاره «شبه الحاسم» على ضيفه الأوكراني بثلاثية نظيفة مساء الثلاثاء الماضي في افتتاح مباريات الجولة الخامسة لمرحلة مجموعات صفوة القارة العجوز.

البارتينوبي

نعم. الحديث عن سفير المدينة الإيطالية الكادحة نابولي، الذي تغير من النقيض إلى النقيض، منذ وصول العبقري ماوريسيو ساري لسدّة الحكم في ملعب الرعب «سان باولو»، خلفا للإسباني رافا بنيتيز، الذي ترك البارتينوبي وهو بالكاد هش ومُهلهل في أعقاب موسم 2014-2015 الكارثي، حيث بدأ رفاق ماريك هامشيك الموسم بخروج مُخز من الدور التمهيدي المؤهل لدور مجموعات أبطال أوروبا، بهزيمة نكراء على يد بلباو بالخسارة في مجموع المباراتين 4-2، والمفارقة أنها كانت نتيجة الخسارة ذاتها أمام لاتســـيو في ختام موسم «السيريا آ»، والتي على إثرهــا تقهقر نابولي إلى المركز الخامس، وحُرم من اللعب في دوري الأبطال للمرة الثانية على التوالي.
ماذا تغير؟

كلما شاهدت صور ساري، وبالأخص الصور التي يلتهم فيها محبوبته «السيجارة» بكل شراهة، يتسلل إلى ذهني الضجة الكبيرة التي أثيرت حوله، عندما أعلن المنتج السينمائي الشهير أوريليو دي لورينتيس، تعيين الرجل الذي لم يُمارس مهنة كرة القدم، على رأس القيادة الفنية لفريق مر عليه الأسطورة الخالدة دييغو مارادونا، وهو نفسه الذي شكك في نجاح الخبير الاقتصادي السابق مع نابولي في تصريحه المعروف الذي قال فيه «ساري جيد، لكنني لا أعتقد أنه سيقود نابولي للفوز باستمرار».
مارادونا بطل العالم في 1986، أدلى بتصريحه هذا بعد البداية غير الموفقة لساري، والتي أسفرت آنذاك عن خروج الفريق بنقطتين في أول ثلاث جولات لموسم 2015-2016، بواقع هزيمة في الافتتاح أمام ساسوولو وتعادلين 2-2 أمام سامبدوريا وفريقه السابق إمبولي، والطريف أن أغلب الجماهير المحلية أيدت رأي أسطورتهم الأرجنتيني، وهذا فتح المجال للتكهن حول مستقبله، لكن الرئيس تعامل بذكاء، وطلب من الجميع ترك الرجل يعمل في صمت، ليس فقط حفاظا على الاستقرار داخل غرفة خلع الملابس، بل كما قال على سبيل الدعابة لعدم زيادة الضغط على ساري حتى لا يضطر للتدخين أكثر من 60 سيجارة في اليوم الوحد! جنى المنتج الذي انتشل نابولي من براثن الضياع عام 2004، وأعاده إلى دوري الكبار بعد ثلاث سنوات قضاها في الدوريات الأدنى بسبب قضية الإفلاس، ثمار صبره على ساري، بعرض من زمن آخر أمام لاتسيو، في المباراة الشهيرة التي رد خلالها نابولي الصاع صاعين لنسور العاصمة بعد مباراة 4-2، بفوز عريض وتاريخي وصل قوامه خماسية نظيفة على الملعب ذاته الذي شهد رباعية «سان باولو»، ثم هز «سان سيرو» برباعية نكراء في شباك ميلان، لم يتجرأ نابولي على فعلها منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، وتحديدا عام 1956. هنا أيقن الجميع في بلاد البيتزا أن هناك خطرا قادما من الجنوب، وهو ما أصبح حقيقة ملموسة على أرض الواقع في الوقت الحالي.

من هو العبقري؟

أتتذكرون تصريحات مدرب الإنتر لوتشيانو سباليتي التي أدلى بها قبل مواجهة نابولي في الأسبوع التاسع للدوري الإيطالي هذا الموسم؟ يومها قال: «إذا كان ساري استمر في عمله الحسابي لكان وزير الاقتصاد في الوقت الحالي»، وهو الأمر الذي كانت تحلم به زوجته وأسرته قبل حوالي 20 عاما. الرجل الذي تعهد مرارا وتكرارا بعدم الإقلاع عن التدخين حتى يومه الأخير في عالمنا، من مواليد أعرق مدن جنوب إيطاليا، لكن انتقال رزق والده إلى توسكاني، أجبره في استكمال طفولته وشبابه مع أصدقاء جُدد يتنفسون فيورنتينا وسامبدوريا، أما هو… فقط رضخ لرغبة الوالد والوالدة، وفَضل التعليم وضمان وظيفة بنكية على حساب كرة القدم، التي لم يُمارسها بشكل احترافي أبدا. فقط اكتفى باللعب مع فرق هواة. في سن الـ31 عاما، قرر الجمع بين العمل كمدرب لفرق الهواة وعمله الحكومي في البنك، وظل لمدة 20 عاما يعمل مع فرق مغمورة في الدوريات الأدنى، إلى أن جاءته فرصة العمر بقيادة الفريق التوسكانيني إمبولي، الناشط في تلك الفترة في «السيريا بي». في موسمه الأول أبلى بلاء حسنا وقاد الفريق للوصول للدرجة الأولى، لكنه خسر في المحطة الأخيرة أمام ليفورنو، لتُجدد الإدارة ثقتها فيه، بمنحه فرصة أخرى، وهذه المرة أصاب الهدف باحتلال المركز الثاني، الذي أعاد إمبولي الى جنة كرة القدم. أول من بادر بالاستفاضة في مدح ساري، كان مدرب ميلان الأسطوري أريغو ساكي، الذي قال عنه «مدرب عبقري، كنت دائما أتابع الفريق الشاب الذي بناه مع إمبولي في الدرجة الثانية. لقد قام بعمل أكثر من رائع». وهذه الشهادة لم تأت من فراغ أو من قبيل الصدفة، بل من بصمته على أداء إمبولي والتطبيق المثالي لطريقة 4-2-3-1 بعناصر كانت مغمورة عام 2014 مثل روغاني وتونيلي وهيساي وماريو روي بالإضافة لفالديفيوري والمُخضرم ماكاروني، الذي أعاد اكتشاف نفسه مع ساري، وتجلى ذلك في انتصاره التاريخي على نابولي في الجولة الـ33، الذي ساهم في غياب كتيبة بنيتيز عن دوري الأبطال في موسمه الأخير.

ما هي فلسفة ساري؟

على المستوى الشخصي، لا فوارق كثيرة جدا أو مسافات بعيدة بين مدرسة ساري ومدرسة الفيلسوف الكتالوني بيب غوارديولا. كلاهما يُقدم كرة قدم بنكهة مُختلفة المعروفة بـ«تيكي تاكا»، بالاعتماد على اللعب الجماعي المُمتع، يبدأ بضغط هائل من منتصف الملعب، تماما مثل معارك لعبة «الشطرنج» بمحاولة وضع الخصم في مناطقه، بضغط هائل من الخط الأمامي وإحكام مصيدة التسلل على الخصم، والأخطر من ذلك، سرعة نقل الكرة إلى الأمام بتمريرات دقيقة جدا بشكل عمودي على المرمى، مع تحركات بدون كرة للثلاثي الهجومي لفتح ثغرات في الدفاع بحلول متنوعة، تارة من العمق وتارة من على الأطراف أو بالتسديد المباغت من خارج منطقة الجزاء، والرائع أن هذا الأسلوب يُطبقه كلا المدربين في مبارياته التي يخوضها سواء على ملعبه أو خارجه، والدليل على تكرار انتصارات نابولي بثلاثة أهداف أو أكثر خمس مرات في أول 12 جولة لـ«سيريا آ» هذا الموسم، بخلاف انتصاره على روما بهدف نظيف في قلب العاصمة.

تواضع

من يتابع تصريحات ساري وردود أفعاله منذ ظهوره على الساحة، يعرف جيدا كم هو رجل متواضع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وواقعته الشهيرة مع الكاميروني صامويل إيتو تتحدث عن نفسها. لنا أن نتخيل أنه كان يعتقد أن الهداف الأفريقي يسخر منه عندما قال له «لي الشرف أن ألعب ضدك»، بعد مباراة إمبولي ضد سامبدوريا التي انتهت 1-1، وبعدما تأكد من صدق إيتو، قال: «ينبغي أن يكون الشرف لي»، حتى عندما حاول أحد الصحفيين إحراجه كونه كان المدرب الأقل أجرا في الدوري الإيطالي مع إمبولي، قال له: «أقل المدربين أجرا؟ يجب أن أعتبر نفسي محظوظا إنهم يعطونني راتبا مقابل عمل قد أقوم به بشكل مجاني».
التواضع الذي يتحلى به ساري في حياته الاجتماعية، انعكس عليه في أفكاره داخل المستطيل الأخضر، بتعديل فلسفته وطريقته من 4-2-3-1 إلى 4-3-3 بجانب سحر كروي غير مسبوق في تاريخ نادي مارادونا، تجلى في تحقيق الفريق أكبر عدد انتصارات في موسم واحد (25 انتصار)، وتأكيدا على مقولة أنه الفريق الأكثر رعبا خارج ملعبه في إيطاليا، اذ سجل 46 هدفا أكثر من أي فريق آخر.
ما يُثير الدهشة، أن نابولي مع ساري لا يتأثر بأي غيابات، بل ربما العكس تماما، فبعدما ساعد غونزالو هيغواين للوصول لأعلى «فورمة» في مسيرته كمهاجم، وفي الأخير تركه ليرتدي قميص اليوفي، لم يتأثر الهجوم بتفكك ظاهرة «كاييخون وميرتنز وهيغواين»، وعاد باكتشاف للقصير البلجيكي بوضعه كمهاجم وهمي وعلى يساره المزعج إنسيني وكاييخون مهاجم ثان متحرك، ولا ننسى أنه لم يتأثر أيضا بغياب الهداف البولندي ميليك، الذي أصيب مرتين في الرباط الصليبي، ومؤخرا خسر جهود الظهير الأيسر الجزائري فوزي غلام بداعي الإصابة ذاتها، ومع ذلك ما زالت انتصارات وعروض الفريق مُستمرة… والمُدهش أن المستوى يتحسن من مباراة لأخرى، ولعل الانفجار في وجه شاختار بالثلاثية التي كان بطلها إنسيني، مساء الثلاثاء الماضي، خير دليل على ذلك.

رسالة إلى غوارديولا

بعد انتهاء مباريات المجموعة السادسة لدوري الأبطال، أصبح مصير ساري مُعلقا بنسبة 50٪ على نتيجة مباراة مانشستر سيتي ضد شاختار في ختام المجموعات، فقط يحتاج نابولي للفوز على قاع المجموعة فينورد الذي لم يحصد أي نقطة في المباريات الخمس، وفي الوقت ذاته يفعلها غوارديولا ويعود من بلاد السحر والجمال بالنقاط الثلاث، وإلا ستكون هناك انتكاسة جديدة للكرة الإيطالية بعد كارثة الفشل في التأهل لكأس العالم 2018.
وهذا ما أشارت إليه السيدة الجميلة التي قدمت الاستوديو التحليلي بعد الانتصار على الخصم الأوكراني، ومعها الضيوف وساري أيضا الذي أقر بأن الفوز على فينورد في الختام لن يكون له أي قيمة بدون فوز السيتي على شاختار، وكأن الرجل المغلوب على أمره يُطلب من قرينه الكتالوني أن يصدق القول في تصريحه بعد مباراتهما معا عندما قال: «نابولي مع ساري أصعب خصم واجهته كلاعب وكمدرب». والسؤال الآن: هل يستجيب غوارديولا ويلعب للفوز في أوكرانيا رغم أنها مُجرد مباراة تحصيل حاصل للسماوي؟ أم يتعامل بتراخ مع المباراة من منطلق إزاحة وحش كنابولي من الممكن أن يُشكل إزعاجا في المستقبل؟ كلها أسئلة لن تُجيب عليها إلا أقدام اللاعبين في الجولة السادسة. وكأن عشاق اللعبة يقولون لبيب: أرجوك لا تحرمنا من متعة مشاهدة قرينك الإيطالي.

عزيزي غوارديولا… أرجوك لا تحرمنا من قرينك الإيطالي ماوريسيو ساري!

عادل منصور

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left